لا دين للتعصب

11 سبتمبر 2016
الصورة
تردّدت كثيراً قبل الخوض في الموضوع الشائك (التعصب الديني)، مُتوقعة ردود فعل عنيفةٍ سأتلقاها. ولكن لا معنى للكتابة، إن لم تكشف المستور عنه وتحلله، على ضوء العقل والمنطق والحق. لذا أبدأ بالقول، بكل عفوية، إنني مسيحية بالهوية، وكان يمكن أن أكون مُسلمةً أو بوذية أو يزيدية .. إلخ. لكن للقدر أحكامه، وقد تربيت في كنف عائلة مسيحية، والدتي أستاذة فلسفة ووالدي أستاذ لغة عربية، وكانا منفتحي الأفق. وفي الوقت نفسه، يمارسان طقوس الديانة المسيحية من صوم وصلاة وعادات احتفالاتنا الدينية. ولم أكن أشارك بأي منها، لقناعتي أن الدين معاملة، وأن الله واحدٌ في كل الأديان. الآن، وقد بلغت منتصف العمر، أجد نفسي، يوماً بعد يوم، مُروّعة ومُضطرة ألا أتجاهل تعصب مسيحيين ضد الدين الإسلامي. وقبل أن يصرخ أحد في وجهي بأن هناك متعصبين مسلمين، أقول إن التعصب، كالإرهاب، لا دين له. ومنذ بداية ثورات الربيع العربي، وخصوصاً السورية واليمنية، حيث هنالك عدة طوائف وأديان، بدأت آفةٌ خطيرة كالسرطان تفتك في عقول الناس، وهي التعصب، وناوشني سؤال: هل هذا التعصب الديني نتيجة ظروفٍ معينة، أم أنه كالبذرة الكامنة في النفوس، تظهر عند تحريضها؟
وحده الصدق يُحرّرنا من كل الأحقاد والأوهام. أعيش في اللاذقية، وفي حيٍّ أكثر سكانه مسيحيون، معظمهم جامعيون وميسورو الحال، وأزعم أن لا أحد منهم قرأ القرآن أو حتى الإنجيل، لكن الكلام عندنا (ما عليه جمارك كما يقولون) إن كثيرين من هذه الشريحة من مسيحيي اللاذقية متعصبة تعصباً أعمى، ولا يقبلون النقاش فيما يخص القرآن وتعاليمه، وكيف يجب أن يُفهم، ويتلمظون متعةً، وهم يقولون إن أساس الدين الإسلامي يدعو إلى القتل، وإن جوهره احتقار المرأة، إذ سمح للرجل بالزواج من أربع، ويغضّون النظر عمداً، ولسوء نية عن تتمة العبارة (ولن تعدلوا). ولا ترى سيدة مسيحية تقصد الكنيسة كل يوم أحد، وتصوم وتصلي، وتعطي الفقراء بشرط أن يراها أكبر عدد من الناس، حرجاً في أن تصرّح بأنها تتمنّى الموت لابنها الشاب، إذا تزوّج مسلمة. أصرخ بها هل حقاً تتمنين له الموت؟ فترد بقناعة تامة: طبعاً.
شرائح واسعة من مسيحيي اللاذقية، وبالتأكيد مسيحيي سورية، يحملون هذه العقيدة، ويربط كثيرون منهم بين "داعش" والإسلام، بل يذهب بعضهم إلى الزعم إن أصل الدين الإسلامي مثل "داعش"، دين القتل والإجرام والقتل، خصوصاً قتل من هم من الأديان الأخرى، أو حتى المُسلمين المُعتدلين. ولا يستطيع أحدٌ أن يُقنع أصحاب هذه العقول المتحجّرة بأن الله واحدٌ لكل الأديان، وهو إله محبة ورحمة، ومُخلص للبشرية من أزمتها الوجودية وآلامها.
كم أحسّ بالخزي والعار حين أرى مسيحيين لديهم كل هذا الحقد للدين الإسلامي، ويلصقون به
صفات العنف والإجرام والقتل وتعدّد الزوجات. كم أحس بالخجل حين ألاحظ متعتهم وشماتتهم بالدين الإسلامي. ولست بصدد الدفاع عن الإسلام، فقد دافع عنه علماء ومثقفون عديدون، وبرهنوا بآياتٍ في القرآن الكريم أنه دين رحمة ومحبة، وبأن القرآن أكثر كتابٍ مُقدس تحدّث عن ضرورة العناية بالأرامل والأيتام والمطلقات، فالمطلقة في الإسلام مُحترمة وتتزوج ثانية، من دون انتقاص من قيمتها. وللتذكير فثمّة آية في الإنجيل الكريم (ومن تزوّج بمطلقة فقد زنى)، (ومن ينظر إلى امرأةٍ ليشتهيها فقد زنى). لماذا يتم التعتيم على آياتٍ كهذه، ولا تُفسّر على ضوء الظرف التاريخي الذي قيلت به.
أحمّل المسؤولية لبعض رجال الدين من كل الأديان، وللفضائيات التي تخصّص برامج تزيد من تعصب المشاهد لدينه وكرهه الدين الآخر، غافلين أن إله الأديان واحد. هل يُعقل، مثلاً، أن تبث فضائيةٌ حواراً مع شيخ مسلم، له حق الإفتاء، يتلقى اتصالاً هاتفياً من امرأةٍ تسأله رأيه الفقهي، ورأي الدين الإسلامي في كيفية نزع الشعر من جسد المرأة، ومتى يكون استعمال الشفرة حلالاً ومتى يكون خطيئة. والشيخ يتنحنح، ويرد بكل جدية بكلام أتعفّف من ذكره. هل هذا هو الإسلام؟! أهكذا يُقدم على الفضائيات، ليُضلل عقول ملايين الشباب العربي؟ يا للساعات الطويلة التي استمعت فيها لأسئلة المشاهدين إن كانت قطرة العين تفطر في صيامه أو لا تُفطر، لأن مُستعملها يشعر بطعمها في بلعومه؟ وهل يُنقضه صيامه إذا قبّل الزوج زوجته على خدّها؟ وهل يفسد الصيام إن أطلق الشخص ريحاً من أمعائه؟ ما هذا الهذيان المُخجل الذي يتعمد تغييب العقل والمنطق والفكر الحر، وتحويل الدين، بجوهره الإنساني السامي، إلى طقوسٍ تتنافس الفضائيات في عرضها، خصوصاً في شهر رمضان الفضيل ساعة تلو الساعة، وما أدرانا مدى تأثر الجيل المراهق والأطفال بهذه الترهات.
هل أنسى الطفل أسامة ذا السنوات الست، حين أجريت له عملية حولٍ في عينيه ودخل عيادتي، فبادرته بالترحيب: مرحبا أسامة، كيفك اليوم؟ فرشقني بنظرةٍ نارية، وقال كأنه يُقرّعني: لا يقولون مرحبا، بل يجب أن تقولي السلام عليكم. لأن الشيخ الذي يتلقى عنده دروس الدين في جامع في اللاذقية، وتحت شعار "مدارس الأسد لتحفيظ القرآن" زرع في عقل الطفل أن كلمة مرحبا حرام، ولا تنتمي للدين الإسلامي. هذا مثالٌ بسيط ويبدو أشبه بالنكتة. ولكن، لنتخيل أسامة هذا حين يبلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة أي معلومات تكون قد حُشرت في ذهنه وآمن بها. وفي المقابل، هناك جمعيات التعليم الديني المسيحي الأرثوذكسي، والتي انتسبت لها في مراهقتي، ثم هربت منها، لأنها أيضاً تعتبر المسيحية أرقى مستوىً من الدين الإسلامي، وكنت أحب أصدقائي المسلمين والمسيحيين بالدرجة نفسها، ولا يمكنني تصنيفهم حسب الدين. وكان سبب هروبي من هذه الجمعيات الأرثوذكسية أنني سألت: بما أن الله محبة، وواحد لكل الأديان، فلم لا تسمحون بالزواج بين أهل الأديان: فردّت علي المرشدة الروحية (هكذا كنا نسميها): لأن هناك خلافا جوهريا بين المسيحية والإسلام. فسألتها عنه، فردّت إنه المعمودية، فالديانة المسيحية قائمةٌ على فكرة المعمودية التي هي معمودية الروح والجسد والتطهر، وعند الإسلام لا توجد معمودية. وبدا لي هذا الكلام كالطلاسم، وكان كافياً أن أهج من كل مدارس التعليم الديني.
في وسعي أن أستفيض، وأن أسرد مئات القصص التي يتعلمها الأطفال في مدارس تعليم ديني،
مسلمة ومسيحية، تزرع الفوقية والتكبر والغرور عند الناشئة أن دينهم أفضل دين، وأن من الصواب أن تكون علاقاتنا رسميةً ومحدودة مع الذين ينتمون إلى ديانات أخرى. لا أنسى ما قاله لي أحد رجال الدين: الحمد لله والشكر له أنه خلقني مسيحيا. وفي المقابل، كنت ضيفة في الجزائر، وقال لي أحد حضور تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية: خسارة أنك مسيحية. ونصحتني صديقة ألا أرد، لأن الاستعمار الفرنسي مرتبط، في نظر هؤلاء، بالدين المسيحي. وبين خسارة أن تكون مسلماً وخسارة أن تكون مسيحياً يضيع ملايين الشبان والشابات من كل الأديان، وتُشوه أرواحهم بالتشنج والتعصب. بل لم يعد يحق لنا أن نسأل عن أسباب تصاعد مظاهر العنف والتحرّش الجنسي والقتل (حتى قتل الوالدين)، وتنوعها إلى حد الاشمئزاز، إذ تزرع في عقول هؤلاء الضحايا القتلة أفكار مروعة من الحقد ونبذ الآخر. لقد وصلنا إلى مرحلةٍ خطيرةٍ جداً في التخوين والتعالي بين الأديان، وتتحمل الفضائيات والمؤسسات الدينية الجزء الأكبر من المسؤولية عن ذلك. وعيبٌ أن نبقى، بعد الآن، كالنعامة التي تطمر رأسها في عتمة الجهل والتعصّب الذي لا دين له.
تعليق: