لا ثانوية عامة للأسرى في سجون الاحتلال

17 يونيو 2020
الصورة
لن تتسنى لهم هذه الفرحة (عصام الريماوي/ الأناضول)
+ الخط -

ليس كلّ التلاميذ الفلسطينيين المؤهلين لامتحان الثانوية العامة قادرين على تأديته، فالبعض اعتقلهم الاحتلال في الأسابيع الأخيرة ومنعهم من تأديته، مهدداً مستقبلهم الجامعي

بالرغم من أنّ 78 ألفاً و480 تلميذاً وتلميذة توجهوا في 30 مايو/ أيار الماضي، لتقديم امتحان الثانوية العامة الفلسطينية، في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، والمدارس الفلسطينية في الخارج، إلا أنّ العديد من التلاميذ غيبتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي في سجونها، وسيمضي الامتحان، الذي ينتهي اليوم الأربعاء، من دون أن يجتازه هؤلاء التلاميذ الأسرى.

ظروف استثنائية رافقت امتحانات الثانوي هذا العام، بسبب إجراءات السلامة العامة التي فرضت لتجنب تفشي فيروس كورونا الجديد، وفق بروتوكول صحي خاص يراعي معايير التباعد الاجتماعي والوقاية والسلامة للتلاميذ ولطواقم الامتحانات على حدّ سواء، لكنّ تلك الإجراءات والظروف الاستثنائية لم تمنع الاحتلال من استهداف التلاميذ بالاعتقال.




مع قرار محكمة الاحتلال الإسرائيلي تمديد اعتقال الشاب خلف أسامة شكارنة (18 عاماً)، من بلدة نحالين في محافظة بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، أيقنت عائلته بأنّ فرحتها بنجاحه وتفوقه في امتحانات الثانوية العامة قد تلاشت. شكارنة، التلميذ في الفرع الأدبي، كان يستعد لتأدية امتحان الرياضيات في اليوم الذي تلا اعتقاله في التاسع من الشهر الجاري، عندما داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزله في نحالين واقتادته إلى جهة مجهولة، غير آبهة بمصيره الدراسي ومستقبله الجامعي، كما فعلت الأمر نفسه مع تلميذ آخر من البلدة نفسها.

يقول الوالد، أسامة شكارنة، لـ"العربي الجديد": "كانت مفاجأة من العيار الثقيل أن يعتقل ابني الذكر الوحيد بين أربع بنات في هذا الوقت الحساس، فهو متفوق في دراسته وتربطه علاقات طيبة بكلّ من حوله، وزجّه في سجون الاحتلال سيضيّع عليه العام الدراسي بأكمله". ويشير الأب إلى أنّ ابنه استغل فترة الحجر المنزلي التي فرضتها الحكومة الفلسطينية لمنع تفشي فيروس كورونا الجديد، واستعد جيداً لامتحانات الثانوية العامة، وقد أبدى ارتياحاً عند أدائه اختبارات ما قبل الاعتقال: "لذلك كنا نتوقع له معدلاً مرتفعاً، أسوة بشقيقاته اللواتي سبقنه".

وكان التلميذ خلف شكارنة يخطط لدراسة التمريض، لكنّ كلّ شيء يبدو قد تغير. يقول الأب: "اليوم، نحن ننتظر مصيراً مجهولاً لخلف. تواصلت مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، فأُبلغت بأنّه يمكن لابني تقديم الامتحانات المتبقية إذا أفرج عنه قبل انتهائها، لكن يبدو أنّنا سننتظر دورة شهر أغسطس/ آب المقبل، وهي المرحلة الاستكمالية للثانوية العامة، في حال خرج خلف من السجن ليتقدم إليها، حتى يتمكن من اللحاق بركب التعليم الجامعي في موعده".

في منزله بمدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، يعلق شادي بشكار صورة كبيرة لابنه صهيب (18 عاماً)، المعتقل في سجون الاحتلال منذ نحو عام ونصف العام، الأمر الذي حرمه من الانتظام بالدراسة والتقدم للثانوية العامة هذا العام. وفي الثاني من يونيو/ حزيران الجاري، أصدرت محكمة الاحتلال العسكرية قراراً بحبس صهيب لعامين، ما قضى على أمل عائلته بعودته لمقاعد الدراسة قبل انتهاء العام الدراسي. يقول والده لـ"العربي الجديد": "كأيّ أب، كنت أنتظر الفرصة التي أقف فيها إلى جانب ابني وأدعمه وهو يتقدم لهذه الامتحانات التي تشكل مرحلة مفصلية في حياة التلاميذ، لكنّه اليوم يقبع في سجون الاحتلال بعيداً عن أجواء الدراسة كلياً". يشعر الأب بغصة في قلبه وهو يشاهد زملاء ابنه صهيب في المدرسة يتوجهون كلّ صباح لتأدية الامتحانات، متمنياً أن يكون صهيب معهم "لكنّها مشيئة الله التي لا اعتراض عليها"، يؤكد الأب.

ذاكرة بشكار تعود، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى شهر مايو/ أيار 2002، أي قبل 18 عاماً، حينما كان الأب نفسه أسيراً في سجون الاحتلال، عندما جاءت البشرى بميلاد صهيب، ويقول: "ها قد مرت الأيام سريعاً وكبر صهيب وسار على الدرب نفسه، ودخل إلى السجن عينه الذي كنت أنا فيه لحظة مولده".

أما والدة صهيب، فتشير في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ ابنها كان طموحاً بتحصيل علامات متقدمة، لا سيما أنّه متميزٌ بين أقرانه. وتقول: "لديّ حرقة على غياب صهيب عن هذه المرحلة الهامة في حياته، لكنّ شيئاً لم يفت بعد، فقد واصل صهيب دراسته في السجن، إذ لديه الإصرار على التعلم بالرغم من ظروفه الصعبة مع الأمل في أن يلتحق العام المقبل بالدراسة لينال مبتغاه".

خلف وصهيب، اثنان من تلاميذ فلسطينيين كثر حرموا من التقدم لامتحانات الثانوية العامة بسبب اعتقالهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لكن، بحسب مدير عام دائرة الامتحانات في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية محمد عواد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، ليست هناك إحصائية دقيقة عن عدد تلاميذ الثانوي المعتقلين لدى الاحتلال. يقول عواد: "الاعتقالات يومية، وجزء من المعتقلين يُفرج عنه ويبقى الآخر، لذلك هناك صعوبة في تحديد الرقم بالضبط، ونحن ننتظر انتهاء الامتحانات لمراجعة كشوف الأسماء لحصر المتغيبين عموماً، والمعتقلين لدى الاحتلال خصوصاً". يلفت إلى أنّ الاحتلال اعتقل منذ الشهر الذي سبق الامتحانات وحتى اليوم نحو عشرة تلاميذ من مناطق مختلفة من الضفة الغربية، والخوف هو أن تضاف أسماء جديدة من التلاميذ إلى قائمة المعتقلين، في ظلّ مواصلة الاحتلال حملات الدهم والاعتقال.

وكان مركز أسرى فلسطين للدراسات، قد أكد أنّ الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استهداف تلاميذ الثانوية العامة لحرمانهم من إكمال تعليمهم، مشيراً إلى اعتقال الاحتلال عشرة تلاميذ كانوا يستعدون لتقديم الاختبارات النهائية أو خلال الاختبارات، بالإضافة إلى اعتقال آخرين خلال الأشهر الماضية ممن هم في المرحلة نفسها.

وبالرغم من أنّ الاعتقال لدى الاحتلال حرم التلاميذ من أداء الامتحان، فأمامهم عدة خيارات لاجتياز هذا الحرمان، إذ يمكنهم التقدم لامتحان الثانوية العامة داخل سجون الاحتلال، وهو يجري سنوياً. ويوضح مدير عام دائرة الامتحانات في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية محمد عواد، أنّه يجري التنسيق مع المؤسسات الحقوقية، ومنها منظمة الصليب الأحمر الدولي، لتسهيل التقدم للامتحان لمن يرغب من الأسرى، ويتم اعتماد العلامات وإرسال نسخة منها للجامعات الفلسطينية أيضاً. وكذلك يتيح النظام التعليمي الفلسطيني للتلاميذ التقدم للاختبارات في ثلاث مراحل تكميلية، خلال العام الدراسي، إذ يمكن للمعتقلين الذين أفرج عنهم قبل هذا الموعد الاستفادة من أيّ مرحلة.




وتشكل ملاحقة التلاميذ وحرمانهم من حقهم في التعليم خرقاً للعديد من المواثيق والقوانين والأعراف الدولية، إذ يقول عواد: "الاحتلال ينتهك المواد المتعلقة بالحق في التعليم، لا سيما المادة 94 من اتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك بعض المواد الواردة في الفصل الخامس من اتفاقية جنيف الثالثة". ويدعو عواد المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة "يونسكو"، إلى التدخل لحماية التلاميذ الفلسطينيين من إجراءات الاحتلال التعسفية بحقهم، مطالباً بضرورة العمل الجاد والضغط على سلطات الاحتلال لإطلاق سراح جميع التلاميذ من سجونها.

المساهمون