لا تقرأ مهدي عامل

15 يونيو 2018
الصورة
(مهدي عامل)
+ الخط -

"لا تقرأ مهدي عامل": بهذه العبارة خاطبني أحد القادة في الحزب الشيوعي السوري حين أخبرته أنني اشتريت نسخة من كتابه "مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني" حين وصل إلى المكتبات في دمشق، في عام 1973. وباشرت في قراءته. كانت الملاحظة خالية من الشرح، بقدر ما كانت مشبعة بالمعنى.

الحقيقة هي أن مهدي عامل يمتلك صفة جاذبة للقراءة على الرغم من لغته الجديدة ذات التراكيب الصعبة، وقد حظي بانتباه شريحة واسعة من الشباب اليساري الذي كان يتلمّس طريقه الفكرية بين ضباب الثقافة، بحثاً عن لقمة عربية قادرة على ترجمة الفكر الاشتراكي القادم من ثقافات أخرى، إلى نكهة وطعم عربيين.

فالحزب مثلاً، الذي كان قد بدأ أولى انشقاقاته، لم يكن يفتح شهية منتسبيه، أو أنصاره، للقراءة الحرة المجرّدة من الوصاية، بل يكتفي، بسبب الخوف من تسرّب أي فكرة يمكن أن تقلق روح الرضا والإذعان، ببضعة مراجع لينينية حصرية مثل "ما العمل" و"الدولة والثورة" تُحفظ غيباً أو تلخّص في وظائف مدرسية غثة، وتقدّم نيئة بلا طعم محلّي، أو نكهة معروفة في اجتماعات صغيرة منهكة. ولم تتضمن السياسات التثقيفية قراءة الروايات، مثلاً، عدا الإشارة المحبّذة لقراءة "الأم" لمكسيم غوركي، أو "كيف سقينا الفولاذ" لنيكولاي أوستروفسكي.

ولهذا كان إغراء قراءة الكتاب الذي يدرس آليات انتقال الفكر الاشتراكي، وتأثيراته المحلية، قوياً، خاصة حين يترافق مع دراسة الأدب المقارن الذي كان مقرراً جديداً في قسم اللغة العربية في الجامعة، في مجال الأدب.

المشكلة الوحيدة التي لا تزال تشغل تفكيرنا هي أن مهدي عامل تبنّى، في الفصل الأخير من كتابه، التكتيك الذي كان يتبعه قادة الأحزاب الشيوعية العربية، وساعد على تسويقه، في ما يتعلق بنظرية التناقض في الحقل السياسي. إذ كان يقول إن على الثوريين، وهم اليسار الشيوعي طبعاً، أن يؤجلوا التناقضات الثانوية، بينهم وبين الأنظمة الوطنية العربية، كي يتاح لهم مواجهة التناقض الرئيسي، وهو الصراع مع الإمبريالية، بعد أن صنفت تلك الأنظمة في جبهة العداء للإمبريالية. يبدو اليوم مثل هذا الكلام عجائبياً بعد المآلات التي وصلت إليها تلك الأنظمة قاطبة.

يمكن للمرء أن يقول أحياناً إنه لم يكن بوسع الفكر أن يسبق الزمن، أو أن يبني على التكهنات. غير أنني أذكر جيداً أن معظم الشبان المنضوين في الإطار اليساري، كانوا يعيشون واقعاً من الفصام الفكري والسياسي، بين التزامهم بالتوجهات السياسية لأحزابهم، بخصوص هذه النظرية الفريدة، وبين شعورهم العميق بالعجز عن فهم، أو تفهم تلك السياسات التي تتناقض مع الحس والوجدان البشري، الذي كان يعاني من القمع، وانتهاك الحريات.

وقد أثبت الزمن صحة تحليلات اليسار الذي كان يوصف بالمغامر آنئذ لأنه يرفض التحالف مع تلك الأنظمة بحيث أننا قد نجد أنفسنا نتساءل، عما كان سيقوله المفكر الراحل لو أتيح له أن يظلّ حياً كي يرى بنفسه ما الذي وصل إليه تكتيك التحالفات التي أباحت للتناقضات الثانوية أن تكون حلفاً ضد الشعوب إلى جانب التناقض الرئيسي؟

المساهمون