لا تاريخية المعارضة السورية

21 يونيو 2020
الصورة
كل فكرة أو فلسفة أو موقف أيديولوجي أو سياسي لا بد أن يكون محكوماً بمنطق التاريخ وصيرورته، فيعبّر عن الإمكان التاريخي، لا عن الاستحالة التاريخية، والتعبير عن الإمكان وحده الذي ينقل الفكرة من حالة القوة إلى حالة الفعل، أي من النظرية إلى التطبيق.
لقد علمتنا تجارب التاريخ السياسي أن الحركات المعارضة دائماً ما تحمل أيديولوجية سياسية راديكالية، عندما تكون مستبعدة من العمل السياسي. ومع انتقالها من الهامش السياسي إلى المركز السياسي، يحصل تغيير في خطابها الأيديولوجي، فتظهر عناصر العقلنة التي كانت غائبة قبل ذلك. ويمكن ملامسة ذلك عند حركات سياسية كثيرة في العالم، سواء حركات التحرّر الوطنية أو الاحتجاجية المناهضة للسلطات القائمة. وأفضل مثالين، ما حصل مع حركة فتح قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وبعده، ولاحقاً مع حركة حماس قبل انتخابات عام 2006 وبعدها. ولا يجب أن يفهم من استحضار مثال "فتح" الرغبة في تكرار تجربتها في ترك النضال العسكري والانتقال إلى النضال السياسي وفق شروط الاحتلال وواقعه، فليس هذا هدف هذه المقالة التي تركز على أن الخطاب السياسي يجب أن يكون انعكاساً للواقع، لا متعالياً عليه.
ما الذي برر هذه العقلانية في الخطاب، هل هي انعطافة فكرية مفاجئة حصلت في الوعي، أم أن منطق التاريخ وحركته فرضا هذا التغيير؟ وفي المقابل، لماذا حصلت استثناءات لهذه القاعدة، بمعنى أن ثمة حركات وقوى في المعارضة حافظت على خطابها الراديكالي، على الرغم من تغيير الظروف التاريخية؟ في الإجابة، يمكن القول إن الفرص السياسية التي نشأت مع انتقال الحركات والقوى من هامش الحياة السياسية إلى مركزها جعلتها تدرك عالم المصالح الحقيقي، وجعلتها تدرك أن السياسة ليست سوى فن للممكن. أما بقاء بعض القوى في الحفاظ على منطوق خطابها الأيديولوجي، على الرغم من تغير المعطيات المادية، فيعود، إذا ما استعرنا لغة توكفيل، إلى غياب عالم المصالح في وعيها، وذلك بسبب الغياب الكامل لكل حرية سياسية سابقة.
الحالة هذه هي حالة المعارضة السياسية السورية منذ نشأتها كياناً موحداً عام 2001، فظل خطابها السياسي ثابتاً لم يطرأ عليه أي تغيير، وظل استبعاد الأسد والقضاء نهائياً على النظام الحاكم جوهر خطابها، من دون أية فكرة عملية عن كيفية تحقيق الهدفين، ولا وجود لأي فكرة
 عن البديل السياسي المطروح.
ثمة تصريح لافت للمستشرق الهولندي، نيكولاوس فان دام، يوضح هذا الواقع، بقوله: "لم يكن ثمة مجال للعمل مع النظام في معجم المعارضة. كانت، بتركيزها على مطالب تغيير القيادة وتطبيق إصلاحات شاسعة في المؤسسات الأمنية والعسكرية، تطلب عملياً من النظام التسليم الطوعي لسلطة الدولة إليها".
لم تدرك المعارضة السورية أن معظم تجارب التاريخ، باستثناءات نادرة، تؤكد أن الانتقال الديمقراطي لا يحدث نتيجة الهزيمة التامة للأنظمة الحاكمة، ففي الأغلبية العظمى يعتمد الانتقال إلى الديمقراطية على التفاوض مع القوى الداعمة للنظام التسلطي. كانت المعارضة السياسية حالة نظرية أكثر منها عملية، ولأنها لا تمتلك مقومات العمل السياسي على الأرض، حمل خطابها ترفاً سياسياً متعالياً على الواقع، فبقيت أسيرة تفاهمات ما تتفق عليه الولايات المتحدة وروسيا وبياناته، ومنها بيان جنيف الأول الذي دعا إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة. أزمة المعارضة السورية تكمن، في جزء منها، في غياب النخب السياسية داخل صفوفها، ويكمن الجزء الآخر في استبداد النظام وأسلوبه القمعي الرافض أي حوار أو محاولة لممارسة الضغوط عليه. لكن تحميل النظام المسؤولية والاكتفاء بذلك، من دون ترتيب بيت المعارضة الداخلي، ومن دون وضع برنامج سياسي قابل للتطبيق، سيُبقي المعارضة على هامش اللعبة السياسية، وإن كانت تتمتع بشرعية دولية، لأن الشرعية شيء والعمل السياسي الواقعي شيء آخر، ووضع النظام السوري خير دليل، فهو وإن كان لا يتمتع بشرعية قانونية دولية، إلا أنه يتمتع بشرعية واقعية من المجتمع الدولي.
قال فيلسوف الحرب الصيني القديم سو شو: الانتصار أو الهزيمة يتحددان في كل حرب قبل أن تبدأ، حيث جميع العوامل التي تقرر نتيجة الصراع تكون موجودة في الجغرافيا وفي القوة العسكرية وفي عقل صناع القرار، ولمّا كانت المعارضة لا تمتلك الجغرافيا القوية، ولا القوة العسكرية، فلم يبقَ لها سوى العقل، أو بعبارة أخرى لم يبقَ لها سوى البحث عن نخب حقيقية تفهم معنى فن الحكم.
كانت المعارضة السورية خلال السنوات الماضية مجرّد وعاء تفرغ به مطالب الدول الفاعلة في الساحة السورية: وُسّع الائتلاف الوطني نتيجة مطالب دولية وإقليمية، وأُدخلت منصتا موسكو والقاهرة في الهيئة العليا للمفاوضات نتيجة ضغط أممي، واختارت السعودية ثماني شخصيات مستقلة في هيئة التفاوض لمواجهة الهيمنة التركية. وقد كشفت مشكلة المستقلين الثمانية داخل الهيئة مدى هشاشة الهيئات السياسية للمعارضة، وكشفت صراع المحاصصة المستمر منذ عشر سنوات، وكشفت التأثير القوي للدول الفاعلة فيها، إلى درجة أن جزءاً كبيراً من جهود المعارضة يُستنفَد في تطبيق مصالح هذه الدول.