لئلا يضيع تراثنا في الجزائر

26 يوليو 2020
الصورة

امرأة من الجزائر (1890/Getty)

اندهش الجزائريون، قبل أيام، بعد سماعهم خبراً عن عرض أزياء في فرنسا، سطا فيه، جهاراً نهاراً، على زيّ تقليدي جزائري، مصمّم أزياء فرنسي، مدّعياً أنّه زي عالمي، أي تراث ملك للجميع. ويمكن، بتغيير بسيط، في تصميمه، من نسبه لنفسه، بل وتسجيله أنّه تصميم فرنسي خالص. والمصيبة، في ذلك كلّه، أنّ له الحق، كلّ الحق، فيما قام به، لأنّنا نحن الجزائريين، بكلّ بساطة، لم نقم بما يلزم لحماية هذا التّراث، وأقلّ ذلك النّشاط هو المسارعة بتسجيل كلّ شيء له صلة بذلك التّراث غير المادّي أنّه جزائري خالص، على المستوى المحلّي، ثمّ الإقليمي والعالمي لدى اليونسكو.

تلك هي الحالة التي يوجد عليها التّراث غير المادّي الجزائري الغني، على كلّ المستويات، والذي نعمل، ببطء شديد، على تسجيل الاعتراف به، على الرّغم من أنّ ذلك جزء من مكوّنات شخصية الجزائريين القومية، إذ كان الظنّ أنّ معرفة بعضهم، في العالم، أنّ الكسكسي، مثلاً، طبق جزائري خالص، وفق دراسات أنثربولوجية - ثقافية، أُجريت في الجزائر وفرنسا، يكفي للحصول على ذلك الاعتراف من دون المسارعة إلى تسجيله علامة جزائرية، لأنّ الواقع يتحدّث أنّ كلّ دليل سياحي، في فرنسا، تجده يشير إلى الطّبق أنّه من بين الأطباق الفرنسية المُحبّبة للسياح، وأنّ المطاعم الرّاقية الفرنسية تقدّمه، من دون الإشارة إلى أنه طبق جزائري خالص.

تلك هي المقاربة غير المكترثة بأهمّية التّراث غير المادّي. ولكن، مع عالم الإنترنت، ووسائل التّواصل الاجتماعي ومحرّكات البحث، نحتاج إلى حمايةٍ أكبر لتراثنا، من خلال التعريف به بقصد تسجيل تميّزه، وغناه ثم اعتباره جهداً تراثياً خالصاً، لشعبٍ عريق في تاريخه وحضارته.

نحتاج حماية أكبر للتراث الجزائري، من خلال التعريف به بقصد تسجيل تميّزه، وغناه ثم اعتباره جهداً تراثياً خالصاً، لشعبٍ عريق في تاريخه وحضارته

الإشكالات الأخرى، سياسية، اقتصادية أو اجتماعية، أكثر عمقاً في كمّية المشكلات اليومية التي يعاني منها الجزائريون، ولكن هذا لا يعني أنّنا نغمض أعيننا عن جزء مهم من مكوّنات شخصيتنا، وهي تضيع، سواء لعدم اكتراث الحكومة بها، أو لقلّة الموارد المخصّصة للحفاظ عليها باعتبارها ترفاً في زمن تلك المشكلات اللامتناهية للمواطن، ولمطالبه التي تعتبرها الحكومة، في أحيان كثيرة، قلّة صبر أو عدم عرفان، بل نكراناً تاماً، لما تقوم به في سبيل تحسين الحياة وتقريب الخدمات الجيدة في كل الميادين، وفي كلّ مكان، لذلك المواطن.

تأتي سردية ذلك الزّي التقليدي المسطو عليه في إطار الحديث، هنا، عن تراثٍ عريق، قد يضيع إذا لم نسارع إلى جمعه ثم تسجيله، بعد تنظيمه وتبويبه، في كلّ المؤسّسات القانونية، المتخصّصة بحقوق التّراث، بما يحفظ جزئياته للأجيال القادمة، وهو تراث متضمّن كلّ ما هو غير مادي من طبوع ثقافية، أطباق، أزياء، شعر، مخطوطات، موسيقى، وغيرها من أبواب كثيرة ممّا يجب، من الآن، المسارعة بفعل كل ما شأنه الحدّ من نسب مكوّناته لهذا أو ذاك من المدّعين، فرنسياً كان أو غيره، وربما القيام بذلك في إطار مغاربي، إذ إنّ مكوّنات كثيرة من ذلك التّراث تتجاوز الحدود الوطنية، وهو ملك لكلّ ساكنة المنطقة، على غرار الموسيقى الأندلسية، وأطباق وأزياء كثيرة، وكثير من الشّعر والعلم الذي يمكن، للتدليل على الملكية المشتركة له لعموم المغاربيين، الحديث عن ثلاثة أمثلة تلخّص الهمّ الجزائري الخالص، ثمّ الهمّ المشترك مع جيراننا، في الشّرق والغرب، تونس والمغرب، على وجه الخصوص.

عمل الاستعمار الفرنسي على محو وطمس وجود الجزائر لغة، وحضارة، وتاريخاً وتراثاً

بالنسبة إلى الهمّ الثقافي/ التّراثي الجزائري، يمكن الانطلاق، للحديث عنه، من محاولات الاستعمار الاستيطاني الفرنسي طمسه، أكثر من 130 سنة، لأنّه (الاستعمار)، بعمله هذا، يمحو وجود الجزائر لغة، وحضارة، وتاريخاً وتراثاً. وعلى الرغم من استرداد البلاد استقلالها، إلّا أن ثمّة اتّجاهاً للتّراخي في إعطاء القيمة لذلك التّراث، من خلال تثمينه مضمونه، والحفاظ على تفاصيله، أياً كانت، من الزوال، لأنّ وجود ذلك التّراث هو عنوان وجود الجزائر، وإجابة عن محاولات تمجيد الاستعمار الذي تحاول نخب فرنسية نشره بسن قوانين، كما جرى في عهد الرئيس الرّاحل شيراك، وبل يستمرّ عبر وسائل الإعلام الفرنسية، وتعتبر نخبة يمينية فرنسية، سياسية وثقافية، الحنين إلى ماضي فرنسا الاستيطاني في الجزائر جزءاً من تاريخ فرنسا العظيم، كما يزعمون. وعلى هذا، لا يمكن النظر إلى إحياء التراث وإشاعة الاهتمام به على أنه جزء من الذاكرة الوطنية التي يعمل الجزائريون على حمايتها من الضياع.

يشير المثال الثاني إلى أهمّية العمل الانبعاثي للتّراث، في رسم معالم ذاكرة وطنية متميزة وضع جسمها رائد الإصلاح في الجزائر، الشيخ عبد الحميد ابن باديس، عندما قال كلمته المشهورة "الجزائر ليست فرنسا، ولا يمكن لها أن تكون فرنسا، حتى لو أرادت ذلك"، محاولة منه لقطع الطريق أمام من اعتبر، في عام 1930، بمناسبة احتفال فرنسا بمئوية استيطانها الجزائر، بأنّ الجزائر، بمقوّمات شخصيّتها القومية والحضارية، قد ضاعت إلى الأبد. على هذا، يجب أن ينصب العمل نحو إنشاء لجنة خبراء، يقومون بعملية جرد لكلّ ما له صلة بذلك التّراث، بكلّ أنواعه، وتسجيل أنّ ذلك هدف قومي استراتيجي، بل من صميم العقيدة الاستراتيجية الجزائرية، لأنّ من معالم تلك العقيدة التّماسك الاجتماعي. ولا يتأتّى ذلك إلّا بإعلاء مقوّمات الشّخصية الوطنية في أُطُرها الحضارية المعروفة.

يجب أن ينصب العمل نحو إنشاء لجنة خبراء، يقومون بعملية جرد لكلّ ما له صلة بذلك التّراث، بكلّ أنواعه

وقد يزداد هذا المثال وضوحاً، إذا سورع إلى جزأرة الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، والذي تعتمد عليه فرنسا في اعتبار الجزائر بلداً فرانكفونياً بامتياز، خصوصاً أنّ ذلك الأدب، في أغلبية ما كُتب منه في المرحلة الاستعمارية أو بعدها، يصوّر التجربة الاستيطانية بكلّ تفاصيلها. ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى محمد ديب، آسيا جبّار أو مولود فرعون، في روايات عدة، عرّت المنظومة الاستيطانية الفرنسية وجرائمها، لكنّها منعت عنهم، خصوصاً ديب وجبار، جائزة نوبل للآداب، وقد تمّ ترشيحهم لها، مرّات. ولكن، لضغوط فرنسية، غالباً ما ذهبت الجائزة إلى من دونهم قيمة أدبية، باعتراف النّقاد الفرنسيين، أنفسهم.

المثال الثالث، المغاربي بامتياز، يشير، مثلاً، إلى تسجيل الطابع المغاربي لعلم الاجتماع، باعتبار أن مؤسسه، عبد الرحمن ابن خلدون، وُلد في تونس وكتب مقدمته في الجزائر، إضافة إلى حياة سياسية مشهودة تجوّل، من خلالها، بين الأندلس والمغرب، وصولاً إلى القاهرة التي توفي فيها قاضياً، رحمه الله.

القضية ثقافية، خلفيتها حضارية حيوية، وهي استراتيجية، ودونها فقدان مقومات شخصيتنا

بالنتيجة، إن عملاً كبيراً ينتظر الجزائريين، لكسب اعتراف العالم بتراثهم وثرائه، ليكون ذلك قاعدة لمقومات شخصية قومية جزائرية ومغاربية، تكون الأساس للاقتناع، على المستوى الشعبي، ثم الرسمي، بأن المستقبل لا يمكن تصوره إلّا بالعودة إلى إحياء التجمع التكاملي المغاربي، اتحاد المغرب العربي، الميت سريرياً، منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.

مجرّد الغفلة عن أهمية هذا العمل قد يؤدّي إلى نسخ التراث ونسبه لهذا أو ذاك، ما ينقص من قيم الانتماء للوطن وللأمة، وخصوصاً مع موجة العولمة التي تريد سلخ هوية الأمة من جذورها، تماما كما يجرى في تهويد المحتل الإسرائيلي القدس وتاريخ فلسطين، أو تغيير معالم الهوية لتكون متوسّطية، بدلاً من أن تكون مغاربية أو عربية - إسلامية - أمازيغية. وهنا تحسن الإشارة إلى رمزية ترابط الهوية الحضارية بالحديث عن أهمّية تسجيل ملكية حائط المغاربة في القدس، الوقف المغاربي الذي أصبح يحمل اسم حائط البراق، باعتبار أنه من مكونات تاريخ الأمة عموماً، المغاربي خصوصاً.

قد تكون القضية ثقافية، لكن خلفيتها حضارية حيوية، بل استراتيجية، ودونها فقدان مقومات شخصيتنا، نحن الجزائريين، ونحن مستقلون، وكأننا لم نفعل شيئاً بالقطيعة مع الاستعمار الاستيطاني، لأنه عاد، إن لم نقم بشيء للحفاظ على تراثنا، ليغلبنا بمسخ مقومات شخصيتنا. قد يكون البدء بزي تقليدي، لكنه المنطلق لما هو أعظم، فهل من مصغٍ؟