لأنها ثورة الناس

لأنها ثورة الناس

17 ديسمبر 2018
الصورة
يدرك التونسيون أهمية المحافظة على مكتسبات الثورة(بشير طيب/فرانس برس)
+ الخط -

في ذكرى اندلاع شرارة الثورة التونسية، الذي يصادف اليوم الاثنين 17 ديسمبر/كانون الأول، يتساءل كثيرون، في العالم العربي بالخصوص، عن الأسباب التي جعلت الثورة التونسية تصمد وتتقدم، وإن كان بشيء من البطء، بينما سقطت بقية الثورات في مستنقع التناحر والتقاتل. لذلك أسباب كثيرة عاد عليها المتخصصون في العلوم السياسية والتاريخية بكثير من التحليل وتعرضوا للأسباب الجيوسياسية وطبيعة المجتمع التونسي وتاريخه التعليمي ودور النخبة. لكن الأحداث المتلاحقة في السنوات الأخيرة تبيّن أن الناس، المواطنين البسطاء الذين يمشون في الأسواق، هم أكثر من يتشبث بالثورة ودافع عنها ويرفض العودة إلى الوراء، ويتبيّن ذلك في مواجهة المسألة الحزبية والمؤسساتية، حيث تتصاعد الحسابات الخاصة ويصل التنافس إلى أقصاه مع استعمال كل الوسائل حتى وإن كانت دنيئة أحياناً ولا رفعة ولا أخلاق سياسية فيها، وربما ستتصاعد في الأشهر المقبلة مع تزايد التوتر كلما اقترب موعد التنافس الانتخابي المحموم في العام الجديد. ولذلك تعالت تحذيرات من مغبة السقوط في الفوضى ودفع البلد نحو المجهول، وهي تهديدات جدية ينبغي على النخبة ذاتها أن تنتبه إليها لأنها ستكون الخاسر أيضاً، إلا إذا كان بعضها من المدافعين عن نظرية سقوط السقف على رؤوس الجميع.

في المقابل، يعتبر المواطنون التونسيون أن ثمرة ثورتهم لا تقدر بثمن، بعد أن غاب الخوف واندثر التوجس، وصار الجميع يعبّر عن رأيه كيفما شاء وفي أي مكان كان وتجاه أي شخص مهما علا شأنه أو منصبه، وصارت إذاعاتهم حرة تصدح بأصواتهم وانتقاداتهم وتعبر أحياناً عن أحلامهم. وهو مناخ نقي لا يقدر بثمن، خصوصاً أنهم يَرَوْن ما يحدث في بلدان عربية شقيقة لا يملك فيها الإنسان شيئاً، لا خبز ولا حرية، والتونسيون يفهمون ويحللون ويقارنون ويدركون أن ثمرتهم النادرة لا بد أن تخبأ بين رموش العين.

ويبدو هذا الأمر طبيعياً جداً، فأجمل وأعمق ما في الثورة التونسية أنها كانت ثورة الناس ولم تكن ثورة حزب ولا زعيم، ولذلك فسيحفظها الناس وسيمنعون سرقتها من أي كان، وهذا هو الدرس الذي ينبغي على زعماء اليوم فهمه قبل فوات الأوان.

المساهمون