كيم جونغ أون والصراع نحو السلام

06 مايو 2018
الصورة
+ الخط -
احتفى العالم، كلٌ بطريقته، بلقاء زعيمي الكوريتين، وتناقلت الوسائطُ المرئية المواجهةَ بين الرجلين، وهما أمام حافةٍ إسمنتية مرتفعة، تمثل الحدود الفاصلة بين الدولتين، ضمن مشهد تحفُ به الرمزية. وشاهدنا بوضوح الحراس الذين يحيطون بسيارة الزعيم الشمالي، كيم جونغ أون، وهم يتحرّكون برشاقة وخفة، ليبقى زعيمهم ضمن المدى الذي يؤمن له حماية مطلقة. على الرغم من أن وجودهم ذو شكل استعراضي صرف، إلا أنه يمكن أن يستنتج منه دلالات مختلفة، بحسب المذهب السياسي الذي ينتمي إليه المشاهد، فقد تلقى مثل هذه الصور ترحاباً سلمياً، وقد تبث موجةً تفاؤلية لمن يخشون آثار القنابل النووية، كما يمكن لها أن تبعث حالةً من الطرافة التي تُستقرأ بسهولة من سلوك رئيسٍ بغرابة أطوار الزعيم الشمالي الذي يمثل الجيل الثالث من أسرة كيم إيل سونغ التي حكمت البلاد بعقيدة متطرّفة، تمتلك أواصر "فكرية" بنظريات الحكم المطلق.
أدار الزعيم الشمالي بداية حكمه على طريقة الصقور، فصعَّد من لهجة التحدّي، وأطلق بضع صواريخ بعيدة المدى، ذات شكل تجريبي، سقط نصفها في الامتحان، وتناقلت وسائل الإعلام إعدامه بعض مساعديه المقربين، وقيل إنه قذف وزير دفاعه بصاروخ مضاد للدروع لأنه نام في أثناء إحدى خطبه، وتَظهر صورته الرهيبة على تعابير مرافقيه ومساعديه المنتشرين حوله، وهم يحملون دفتراً صغيراً وقلماً ويتخذون وضعية الاستعداد لكتابة أي حرفٍ يخرج من فم الزعيم.
بعد إزالة الصورة الشعبية لتصريحات الزعيم، وخصوصا التي وجهت لأميركا ورئيسها دونالد ترامب، يمكن أن يحكَّ المراقب رأسه، لتفسير جدية هذا الرجل الذي لم يصل إلى الخامسة والثلاثين بعد، ويتحكم بكمية من المتفجرات، يمكنها أن تدمر نصف قارة.
هذه أول مرة يلتقي جونغ أون رئيساً من كوريا الجنوبية. وحدثت مثل هذه اللقاءات بين الكوريتين من قبل، وفي أجواء أكثر تفاؤلاً، فقد ألغي لقاء كان مقرّراً في العام 1994 بسبب وفاة مؤسس كوريا الشمالية، كيم إيل سونغ، وتأجل اللقاء المرتقب إلى بداية هذا القرن في العام 2000، وحدث لقاء آخر في 2007. كانت الظروف مشابهة والبيئة مهيئة من كوريا الشمالية لبث شيء من التفاؤل، ولكن شيئاً حقيقياً يحرّك البركة الراكدة بين البلدين لم يحدث. كان كل شيء يعود إلى خط البداية، لتبدأ من جديد تجاربٌ نووية وإطلاق صواريخ وتهديدات وصراخ عبر مكبرات الصوت على جانبي الحدود، ومزيدٌ من المجاعات في القسم الشمالي، مع الإيهام بقربِ تحقيق تقدمٍ ما، فتتراخى الأصابع الأميركية قليلاً، وتنشط طرق السلع من الصين وروسيا، لينتعش الشماليون، قبل أن يغلَق كل شيء، ويعود الجميع إلى حالة حبس الأنفاس.
لا يُتوقع من نظام يقوم على امتلاك كل ما يوجد ضمن حدوده الإقليمية أن يُفرج عن شيء، خصوصا وأن الجيل الثالث لهذا النظام ما زال يحكم قبضته القاسية، ولديه من الوقاحة ما يمكنه من أن ينفذ إعداماتٍ كاريكاتوريةً تثير الغضب والكوميديا في الوقت نفسه، ويستطيع أن ينتقل من الحالة شديدة السخونة المهدِدة والمتوعدة إلى حالةٍ فادحة البرودة، قادرة على عقد لقاءات قمة من دون أن يُنتظر منها غير التقاط الصور.
لا يبدو أن لدى رئيس كوريا الشمالية النية بأن يقلب الطاولة على نفسه، أو أن يسير بخطوات ميخائيل غورباتشوف التي حولت الاتحاد السوفيتي "بغير قصد" إلى روسيا التي نراها اليوم، والأمر لا يتعدّى حاجة كوريا الشمالية لاستنشاق قليلٍ من الهواء المنعش الذي قد يتيحه عطش الرئيس ترامب لتحقيق انتصار ما، يستيطع من خلاله أن يزيد من جرعة انتقاداته إدارة سلفه باراك أوباما، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه، والرابح الوحيد هو سوق موقع تويتر الذي سيحظى بتعليقات "مهمة" للسيد ترامب، وربما لقطات نادرة للزعيم الكوري الشمالي.