كيف يهزم السودانيون مخططات التطبيع مع إسرائيل؟

06 فبراير 2020
الصورة
لا يجد البرهان دعما سوى من الجيش (Getty)
مع تصاعد الجدل حول موضوع التطبيع، الذي أثاره اللقاء المفاجئ بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يسعى مناهضو الفكرة إلى السير في مسارين لإجهاضها.

وجرى اللقاء بين البرهان ونتنياهو في مدينة عنتيبي الأوغندية، وقال إثره نتنياهو إنه اتفق مع البرهان على البدء في خطوات نحو التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب، لكن القرار أحدث انقساماً حاداً داخل السلطة الانتقالية السودانية، التي تشكلت في أغسطس/آب الماضي في أعقاب سقوط نظام المخلوع عمر البشير، من مكون مدني وآخر عسكري.

ورفض مجلس الوزراء خطوة اللقاء التي بادر إليها البرهان، واعتبرها "تجاوزاً له وتغولاً على اختصاصاته في إدارة السياسة الخارجية"، كما أنها "ضد المواقف المشهودة للسودان الداعمة للقضية الفلسطينية".

ولم يكن مجلس الوزراء وحده الذي اتخذ هذا الموقف، إذ سانده تحالف الحرية والتغيير الحاكم، فيما اصطف البرهان وحيداً ولم يجد دعماً إلا من الجيش السوداني، وأصواتا محدودة، مثل دعم نائب رئيس الوزراء في عهد البشير، مبارك الفاضل المهدي.

ومن اللافت أنه لأول مرة يلتقي التيار الإسلامي الذي جلس على مقاعد المعارضة بعد سقوط البشير، في موقف واحد مع غالبية الأحزاب التي تشكل تحالف الحرية والتغيير؛ مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث بفصائله المتعددة، والحزب الناصري، وجميعها لها موقف متشدد من التقارب مع أميركا واسرائيل، وهذا ما فتح الباب أمام إمكانية تنسيق بينهما.
ذلك ما يتفق معه أبو بكر عبد الرازق، القيادي بحزب المؤتمر الشعبي المعارض، ذي التوجهات الإسلامية، والذي قال لـ"العربي الجديد"، إن الوقت قد حان تماماً لتشكيل تحالف عريض يتجاوز الصراع التقليدي الإسلامي العلماني، ويقفز نحو تحقيق هدف واحد هو معارضة التطبيع وإجهاضه، وإجهاض رغبات عبد الفتاح البرهان في الاستمرار في الحكم، عبر الاستقواء بقوى دولية تساعده في السيطرة بقبضة حديدية.

وشدد عبد الرازق، على "ضرورة تغاضي التيار الإسلامي والتيار العلماني عن خلافاتهما القديمة، لأنهما "باتا أمام عدو واحد يعمل على إفشال منجزات الشعب". ولم يستبعد أن تجد دعوته تلك آذانا صاغية لدى أحزاب في التحالف الحاكم، التي قال إن عليها نفض يدها من تحالفها مع البرهان، على أن يكون هدف التحالف السياسي العريض هذه المرة هو الضغط على رئيس مجلس السيادة الانتقالي للاستقالة من منصبه وتعيين شخصية قومية متوافق عليها لإدارة البلاد للمرحلة المقبلة الى حين قيام الانتخابات.

أما الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، فيضع خيارات أمام مناهضة التطبيع مع إسرائيل، أولها الطلب من البرهان التراجع عن خطواته التطبيعية أو تجميد الفكرة لحين قيام انتخابات عامة تدخلها الأحزاب براية لا للتطبيع للمعارضين نعم للتطبيع للمؤيدين، ويترك الخيار للشعب، وفي حال تعذر تأجيل الموضوع لحين الانتخابات، يقترح المهدب استفتاء الشعب في أمر التطبيع، مراهناً على أن الشعب سيقول كلمته برفضه المطلق للتطبيع مع إسرائيل، لأنه سيدرك أنه لا فائدة سياسية ولا اقتصادية للتقارب معها.

وبعيداً عن مقترحات الاصطفاف السياسي لإجهاض الخطوة، يراهن كثيرون على حراك شعبي كعامل حاسم للحيلولة دون رؤية علم إسرائيلي يرفرف في سماء الخرطوم، بيد أن أصحاب ذلك الرأى أصيبوا بشيء من الإحباط في اليوم التالي للقاء بين البرهان ونتنياهو، حينما لم يجدوا ردة فعل شعبية قوية ومباشرة، وزاد إحباطهم وجود تيار داعم للتطبيع نشط بشكل ملحوظ في مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن الصادق المهدي رأى أن ذلك ليس تياراً حقيقياً بل تياراً تمت صناعته على وجه السرعة ليؤدي تلك المهمة.

ذلك ما يوافق عليه أيضًا أبو بكر عبد الرازق، الذي عزا ضعف ردة الفعل في اليوم الأول، إلى عامل الصدمة التي سببتها المفاجأة في اللقاء الذي لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين، هذا غير سبب القصور الواضح لدى الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على تنظيم وتحريك الشارع في اليوم الأول، مشيراً إلى أن "الأيام المقبلة ستظهر مزيدا من المواقف للشعب السوداني تجاه الخطوة المخزية.

يضيف عبد الرازق، أن مناهضة التقارب مع إسرائيل في مستواه الشعبي، ستعتمد بالأساس على الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، وعلى العمل الجماهيري والتعبئة السياسية والندوات الجماهيرية والكتائب الإلكترونية وتحريك المواكب اليومية وتنظيم الوقفات الاحتجاجية.

اما إبراهيم الكاروري، الأمين العام لهيئة علماء السودان، فيؤكد لـ"العربي الجديد"، أن الشعب السوداني معني تماماً بقضية التطبيع مع إسرائيل ليس في تجلياتها السياسية وحدهاـ بل لأنها تخترق جزءا مهماً من الهوية السودانية المعروفة بدعمها لحق الشعب الفسلطيني ورفضها للظلم في كل بقعة من بقاع العالم، لذا سيقف بالمرصاد لأي محاولة تريد أن تنال من تلك الهوية".

واضاف الكاروري أنه كان على رئيس مجلس السيادة الانتقالي انتظار الانتخابات العامة ليفوض الشعب من يشاء ليقرر في قضاياه المصيرية وأن تدخل الحكومة الانتقالية في أي قضايا خلافية سيعقد المشهد أكثر، مؤكداً أن "الشعب متحد تماماً ضد خطوة البرهان وسيلجأ لمؤسساته لمزيد من الوعي والحراك مثل خطباء المساجد والدعاة والمرشدين وكل المكونات الاجتماعية التي عليها تعبئة الناس ضد تلك الخطوة.

وكانت مجموعة باسم "سودانيون ضد التطبيع" قد دشنت حملة شعبية لجمع مليون توقيع، كمرحلة أولى من أجل إعداد مذكرة تقدم لمجلس السيادة للضغط عليه لمنع رئيسه من الذهاب في خطوات أخرى في طريق التطبيع، بينما لجأ محامون سودانيون إلى وسيلة أخرى حينما ذهبوا لنيابة الخرطوم شمالا، وسلموها مذكرة تدعو لمحاكمة عبد الفتاح البرهان بموجب قانون سوداني أجيز سنة 1958 يمنع التواصل والاتفاق مع إسرائيل أو حتى أي من الأشخاص الذين يمثلونها.
تعليق: