كيف يسقط الانقلاب في مصر؟

10 ابريل 2014   |  آخر تحديث: 04:52 (توقيت القدس)

مصريون يتظاهرون ضد المجلس العسكري في مايو 2011 (أ.ف.ب)

+ الخط -

كانت الرؤية واضحة تماماً أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، بقيادة المشير حسين طنطاوي، ومنذ اللحظات الأولى، وهي أنه لم يعد هناك مجال لاستمرار سلطة حسني مبارك، أو ما يُعرف بمؤسسة الرئاسة، وعلى القوات المسلحة أن تمسك، مباشرة، بزمام الموقف، حتى تحافظ على مقوّمات النظام وركائزه، وهو ما أطلقت عليه المحافظة على الدولة، وإنْ حدثت تغييرات في هيكل هذا النظام، وهو ما أطلقنا عليه "change in". وأمسك طنطاوي بزمام السلطة، وأدار الأمور بحنكة، وأيضاً بمرونةٍ ومناورةٍ عاليتين، من دون أن يغيب عنه الهدف، وهو ما حرص عليه، قبل أن يغادر صدارة المشهد، ويسلّم الأمر إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في طوره الجديد في أغسطس/ آب ٢٠١٢، ويترك له استكمال المهمة، وهي استعادة النظام بكل مقوماته، وهو ما جرى عبر سيناريو 30/6 و3/7، ولم نجد له توصيفاً سوى أنه انقلاب عسكري. وهو ظاهر الأمر، لأن واقع الأمر أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يترك زمام السلطة الفعلية، منذ آلت إليه في ١١ فبراير، شباط ٢٠١١، والحقيقة أن الانقلاب بدأ عندما سلّم مبارك السلطة للقائد العام للقوات المسلحة، وأعلن عن نفسه صراحة في يوليو/ تموز ٢٠١٣، فمتى يسقط الانقلاب؟  


بالقطع، لن يسقط الانقلاب من تلقاء نفسه، ولن تعود القوات المسلحة إلى ثكناتها، ودورها الطبيعي في حماية الوطن، براً وبحراً وجواً، والدفاع عن مقدراته طواعية. وستسعى إلى تكريس سلطتها، ببناء نظام سياسيٍّ مطوَّر، يحافظ على ركائز نظام يوليو/ تموز بكل مقوماته، مع صعود القوات المسلحة إلى صدارة المشهد، لتعلو كل المؤسسات، وتحتوي ما كان يعرف بمؤسسة الرئاسة، مع إضفاء مسحة سياسية ديموقراطيةٍ على هذا النظام، بأن يستبدل القائد العام للقوات المسلحة زيه العسكري بالملابس المدنية، ويتبوأ منصب الرئاسة، وتتم إعادة تمركز القوات المسلحة، وتخفيف وجودها الدائم في الشارع، بتشكيل مجموعات قتال خاصة،  سريعة الانتشار، تتمركز في مواقع محددة غير ظاهرة، وقادرة على التدخل العاجل عند الضرورة، ومحاولة دفع الشرطة لتكون في صدارة المشهد الأمني.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، جذب مجموعات من التيارات السياسية الانتهازية والمثقفين المدّعين والإعلاميين المأجورين وخليط من الفنانين وأنصاف الموهوبين، بالإضافة إلى قطاعات البيروقراطية الفاسدة بطبيعتها في جهاز الدولة ومؤسساتها، وقطاعاتها المختلفة، لتشكيل جوقة مدنية عالية الصوت، تروّج للنظام المطور الجديد، باعتباره فتحاً ديموقراطياً وطنياً وإنجازاً تاريخياً بطولياً!

هذه هي التحديات الحقيقية في مواجهة الانقلاب، فإسقاط الانقلاب لن يتم، كما يتصور بعضهم بضربة قاضية، أو بمشرط جراح، أو بواسطة رجل رشيد يبعثه القدر، أو حتى بمجموعة فعاليات وتظاهرات ومسيراتٍ تطالب بإسقاط الانقلاب وعودة الشرعية، ولا توجد فترة زمنية معينة، أو توقيت محدد، يمكن أن يسقط فيه الانقلاب؟ 

مَن خطّط، من البداية، لاستعادة السيطرة الكاملة على مقدّرات الدولة وإعادة هيكلة النظام، بعد احتواء الهبّة الوطنية التي انطلقت في ٢٥ يناير ٢٠١١، وما ترتب عليها من إرهاصات ثورة شعبية حقيقية، يمضي في تنفيذ مخططه، مستنداً إلى مؤسسات النظام العسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية نفسها، وأيضاً، المؤسسات البيروقراطية الغارقة في الفساد، ولا يلقي بالاً للحركة الشعبية الاعتراضية المتصاعدة في الشارع، والحقيقة أنه لا يريد أن يراها، أو يواجه الحقيقة. وتنتاب مَن بيدهم السلطة، وأبواقهم الإعلامية، حالة غريبة من الإنكار! ففي خضمّ هذا الجوّ المشحون، وقبل إعلان النظام فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية المزمعة، يعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة جلسة مفاجئة، يستدعي إليها الرئيس المؤقت، وتخرج قرارات إنهاء خدمة القائد العام الذي كان متصدّراً المشهد منذ ٣ يوليو/ تموز ٢٠١٣، وإعلان اعتزامه الترشح للرئاسة. على الرغم من أنه سبق وصرح أن هذا الإعلان يتطلب ترتيبات خاصة، وأصبح الأمر شديد الوضوح، وهو أن القوات المسلحة تقدّم مَن اختارته ليرتدي الزي المدني، ويلعب دور الرئيس المنتخب، في عملية انتخابية افتراضية! 
 
هل بعد ذلك يبقى السؤال هو: متى يسقط الانقلاب؟ أم أننا نحتاج إلى إجراء تعديل على السؤال، ليكون: متى يستعيد الشعب حقه في وطنه، ليبدأ مسيرة التحوّل الحقيقي لبناء دولة مدنيةٍ، ديموقراطيةٍ حديثةٍ بحق، تعود فيها السيطرة الديموقراطية على كل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية، وغيرها، ويسقط بحق نظام حكم متكلّس، ضاربٍ بجذوره الفاسدة في كل مفاصل الدولة؟
للإجابة على السؤال، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: أن تتمكن السلطة الحاكمة، بكل أدواتها، من فرض السيطرة الكاملة على الأوضاع، وهكذا يكون الانقلاب قد نجح، تماماً، في إجهاض كل الطموحات والإرهاصات الثورية التي انطلقت في ٢٥ يناير، وهو سيناريو مستبعد.
الثاني: نجاح حركة الشارع في الهيمنة على كل مفاصل الدولة، وشلها، ما يجعل السلطة عاجزة تماماً، وهو أمر مستبعد أيضاً.
السيناريو الثالث: عدم قدرة أي من الطرفين على الحسم. السلطة الحاكمة، بكل أدواتها، تفقد السيطرة على الحالة الأمنية، وفي الوقت نفسه، يفشل الشارع في حسم الموقف لصالحه، وتصل البلاد إلى حالةٍ من حالات الفوضى، أو العجز، غير المحتملة لكل الأطراف. وهنا، لا بد من الوصول إلى حل، تحت ضغط داخلي أو خارجي، لمصالح دولية وإقليمية مختلفة، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً، المهم أن يكون هذا الحل في صالح استعادة الشعب حقه الأصيل في فرض إرادته وبناء نظامه السياسي الديموقراطي، وهو ما لن يتحقق إلا باستمرار الحراك الشعبي، وتصاعده، والاستعداد لمزيد من التضحيات.
الطريق طويل وصعب. لكن، لا بديل له، هكذا سيسقط الانقلاب. وحتماً، الشعب سينتصر.

2FABA6BB-F989-4199-859B-0E524E7841C7
عادل سليمان

كاتب وباحث أكاديمي مصري في الشؤون الاستراتيچية والنظم العسكرية. لواء ركن متقاعد، رئيس منتدى الحوار الاستراتيجى لدراسات الدفاع والعلاقات المدنية - العسكرية.