كيف يتم تمويل المشروعات التعليمية غير الربحية؟

31 مارس 2017
الصورة
تدني مستوى القراءة في الدول النامية (Getty)
+ الخط -
يعتبر التمويل إشكالية كبيرة تواجه استمرارية عمل المنظمات الأهلية خاصة أنها في الأغلب تكون غير هادفة للربح أي أنها ستظل معتمدة على التمويل والتبرعات طوال فترة عملها، سنعرض هنا لأهم النقاط التي تتعلق بتمويل المنظمات غير الربحية المختصة بالتعليم.

كما سنعرض أيضا مشروع "فرصة للقراءة" Room to Read كمثال ناجح في اجتذاب التمويل لعدة سنوات واستخدامه الاستخدام الأمثل في تحقيق أهداف المشروع، وذلك كله اعتمادا على الدراسة التي أصدرها معهد بروكينغز للدراسات والأبحاث في يونيو/حزيران 2016 Brookings  أطلق عليها اسم "الملايين تتعلم".

عند النظر في مسألة تمويل المشروعات التعليمية فإن هناك ثلاث نقاط محورية تتعلق بهذا الأمر:

1) مرونة التمويل

إن هيكلة وتنظيم تمويل المشروعات التعليمية لا يقلان أهمية عن وجود التمويل نفسه، فقد أثبتت دراسة الحالة لكثير من المشاريع التعليمية الناجحة أن مرونة التمويل كانت أحد أهم العوامل التي وفرت بيئة آمنة لاستكمال المشروعات على نطاق أوسع، حيث يتفق المتبرعون على أهداف ونتائج واضحة مع العاملين على المشروع ثم يتركون لهم الحرية في تنفيذ ما يرونه مناسبا لتحقيق تلك الأهداف. أي أن تنفيذ المشروع يتم بأقل قدر من التدخل من قبل الممولين والمتبرعين، وهذا لن يتم إلا بإعطاء الثقة للقائمين على المشروع، بالإضافة إلى ذلك، فإن المرونة في التمويل تسمح بقدر أكبر من الإبداع والتجريب في التنفيذ.


2) التمويل طويل المدى لمشروعات التعليم

عادة ما تواجه المشاريع التعليمية مشكلة قصر عمر التمويل، إما بسبب أن الممول الأساسي لمثل تلك المشاريع يكون على الأرجح الحكومة، وعادة ما يشكل عامل الوقت ضغطا عليها، فهي تريد تحقيق إنجاز سريع ملموس، وحتى المتبرعون من جهات مستقلة عادة ما يضعون أهدافا بعيدة المنال يراد لها التحقق في وقت قصير، وهو الأمر الذي كشفت دراسات الحالة أنه غير واقعي.

فقد أثبتت دراسات الحالة أن المشاريع التعليمية حتى يتم التأسيس  والتوسعة الصحيحة لها دون الانحراف عن جوهر الفكرة الأصلية تتطلب تمويلا طويل المدى ومتوقعا حتى لا يتوقف المشروع في منتصف رحلته.

3) تمويل المرحلة "الوسطى" في المشاريع التعليمية

تعتبر المرحلة الوسطى في أي مشروع ويسميها التقرير هنا "وادي الرعب" هي المحك الحقيقي الذي إن تخطاه القائمون عليه فغالبا ما سيكتب النجاح للمشروع. هذه المرحلة لصعوبتها تتطلب مزيدا من التعاون والتنسيق بين القائمين على المشروعات التعليمية وبين المانحين والحكومات، خاصة فيما يتعلق بكل مرحلة، ومن سيقوم بتمويلها أي تقسيم الأعباء بين المانحين بشكل واضح وشفاف حتى تدور عجلة المشروع على نطاقات واسعة، ويبدأ في إحداث فرق ملموس في المستوى التعليمي للشرائح المستهدفة.

ويعد مشروع "فرصة للقراءة" أحد النماذج الناجحة في معالجة مشاكل التمويل التي دائما ما تعرقل تقدم المشاريع غير الهادفة للربح، وتعتبر السياسة المالية للقائمين على المشروع أحد أهم عوامل نجاح المشروع واستمراره وذلك عبر الالتزام بقاعدة صارمة وهي جمع التمويل اللازم الذي يكفل استمرارية المشروع لمدة ثلاث سنوات قبل افتتاح المشروع في أي دولة جديدة.

وسنعرض هنا لتفاصيل أكثر عن كيفية عمل المشروع وأثره في الدول التي أقيم فيها.

"فرصة للقراءة"

في إحصائية عالمية أجرتها اليونيسكو في 2014، وجدت المنظمة أنه لا يزال 250 مليون طفل لا يستطيعون فهم نصوص بسيطة وإجراء عمليات حسابية بدائية رغم أن حوالي 130 مليون طفل منهم قد ذهبوا إلى المدرسة لمدة أربع سنوات، وهذه النتائج تبرز بشكل أكثر وضوحا في المناطق الريفية.

كما خلصت الدراسة إلى أن واحدا من أهم أسباب تلك الظاهرة هو غياب الموارد. ففي بعض المناطق الفقيرة يصعب حتى إنشاء بناء للمدرسة أو إيجاد مصادر تعليمية مثل الكتب والقصص أو مدرسين مؤهلين لتعليم الأطفال.

لذا قرر مؤسسو مشروع "فرصة للقراءة" جبر التقصير في هذه المساحة وتأسيس مشروعهم ليكون نواة تعليمية في زامبيا ثم يتوسعون به في بلدان أفريقيا وآسيا.

 


كيف دخل المشروع بأفكاره في البيئة التعليمية للأطفال؟

المشروع يعمل بالتعاون مع المجتمعات المحلية والحكومات من أجل تحسين العملية التعليمية للأطفال في بلدان أفريقيا الواقعة وراء الصحراء الكبرى وبلدان آسيا، ويركز على مرحلتين أساسيتين وهما المرحلة المبكرة للتعليم الابتدائي ومرحلة التعليم الثانوي للبنات وتركز دراسة معهد بروكينغز في تناول هذا المشروع على المرحلة المبكرة للتعليم الابتدائي.

اهتم المشروع بمرحلة التعليم الابتدائي عبر عدة وسائل على رأسها إنشاء مكتبة في كل مدرسة باللغة المحلية التي يتحدث بها الأطفال، بالإضافة إلى تدريب المعلمين وأمناء المكتبات على كيفية تدريس القراءة والكتابة بطريقة علمية ومنهجية وذلك كله بالتعاون مع الأسر والمجتمعات المحلية والحكومات.


ومن النقاط الهامة التي يجب التركيز عليها هنا أن المشروع يعمل من داخل منهج اللغة نفسه لكل بلد، أي أنه لا يؤسس لمنهج موازٍ، بل يحاول دعم ورأب الصدوع في المنهج القائم عبر تقديم خطط لشرح الدروس ووسائل تعليمية للفصول ومصادر للمعلمين لتحسين قدرتهم على تعليم التلاميذ.

هذا بخلاف تقديم الدعم لمعلمين عبر مجموعة من المدربين الذين يصاحبونهم في الفصول فيقدمون لهم النصائح خلال قيامهم بالتدريس، بالإضافة إلى الإشراف الممنهج على المدرسين مما يتيح للمدربين تقديم الدعم الذي يخاطب نقاط القصور الحقيقية التي لمست بالفعل من خلال الإشراف والمراجعة، كما يتم اتباع هذه الطرق مع أمناء المكتبات أيضا حيث يتلقون الدعم من مدربين مختصين.

الآن تصل خدمات مشروع "فرصة للقراءة" مباشرة لحوالي مليون طفل جديد سنويا أي أنه منذ عام 2000 فإن عشرة ملايين طفل قد استفادوا من برامج المشروع في أكثر من 17 ألف مجتمع محلي في عشرةدول. ومن جهة أخرى فإن المشروع قد قدم خدماته التدريبية لتدريس مبادئ القراءة والحساب لأكثر من 18 ألف معلم.



أثر المشروع

وبإجراء بعض المقارنات البسيطة بين نتائج المشروع ونتائج المدارس المماثلة، فإن المشروع قد أحدث أثرا عميقا في الدول التي عمل فيها، على سبيل المثال في "لاوس" فإن الطفل في الصف الأول الابتدائي الذي استفاد من خدمات المشروع يقرأ بطلاقة أعلى باثنتي عشرة مرة من الطفل الذي يذهب إلى مدرسة مماثلة.

أما فيما يخص القراءة من أجل المتعة لا الدراسة، فإن المشروع أحدث أثرا هائلا في الهند ولاوس وسيريلانكا، فقد ازداد عدد الأطفال الذين يحبون القراءة بنسبة 51% في المدارس التي عمل بها المشروع مقارنة بنسبة 31% في المدارس الأخرى.

أما على مستوى صياغة السياسات التعليمية فإن المشروع اشترك مع حكومات البلدان التي يعمل بها في مراجعة المناهج الدراسية وتطوير المصادر التعليمية والتدريبية فيما يخص المرحلة المبكرة للتعليم الابتدائي وتشكيل السياسة المحلية في إنشاء المكتبات والأنشطة القائمة فيها والتي بدورها تؤثر في عادات القراءة والوقت المخصص لها.

 

المساهمون