كيف وحّدت الشعبوية اليمين واليسار؟

16 اغسطس 2019
الصورة
واضحٌ أن ثمّة أسبابا متعدّدة وراء ردة الفعل التي أظهرتها الشعبوية على الوضع القائم، سواء في الولايات المتحدة أم في أوروبا، كما أن دوافع هذه الحركة تختلف بين دولةٍ وأخرى، كما يرى ديفيد جودهارت في كتابه عن الشعبوية. يعدّد جودهارت هذه الدوافع، ويعتبر أن أهمها يكمن في تزايد الشعور لدى المواطنين بأن بلدهم صار أشبه ببلدٍ أجنبيٍ، بسبب الهجرة وسرعة التغير الديمغرافي، وغيرهما من أمور. والطريف أن هذا الشعور تولد وازداد لدى جمهور التيارات اليسارية واليمينية، فقد تمكنت الشعبوية اليسارية من المضي، إلى حد ما فقط، عندما تسبب اليورو في جعل الاستياء اقتصادياً على نحوٍ كبير، كما حدث في اليونان وإسبانيا.
كما أن اليمين الراديكالي الشعبوي القائم على مفاهيم تفضيل مصالح المواطنين وحمايتها، وعدم الثقة بالنخب، استفاد من هذا الشعور أيضا، وإنْ بشكلٍ أخف وألطف في صميم السياسات التقليدية، في حين أن ثالوث مخاوف السياسة الشعبوية حول الهجرة والأمن والفساد، أمرٌ تتشارك فيه شرائح ناخبة كثيرة في الولايات المتحدة وأوروبا. وبناءً عليه، ليس اختلاف الشعبوية عن الأحزاب السائدة نوعياً بل كمي، وهو ما يتعلق غالباً بدرجة التحكم والضبط، فالتيار السائد شديد الشغف واليقين بمعتقداته. فتفضيل مصالح المواطنين وحمايتها، على سبيل المثال، يرتكز إلى فكرة أحقية مصالح المواطنين الأصليين وأولويتها. ولدى الممارسة على أرض الواقع، حتى لدى أكثر الأحزاب اليمينية شعبويةً، يأخذ هذا المفهوم شكل تفضيل وأولوية أبناء الجلدة الواحدة، وهو أمرٌ لا يزال يشكل صميم السياسة السائدة التي ما فتئت تتشدق بالحديث عن "الشعب" والمصلحة الوطنية، كما لو أنها حقائق سياسية واضحة بحد ذاتها. ففي حال قمنا بتجريد مفهوم تفضيل المواطنين مما يحمله من دلالة التفرّد العرقي، لن يتعدّى معناه تقديم حقوق المواطنين الأصليين على الحقوق العالمية، كما يؤكد ترامب يوميا في شعار "أميركا أولا"، وفي سياساته الصريحة في العداء للهجرة، حتى الشرعية منها.
وقياساً عليه، الانصياع للسلطة والقانون ضمن معنى إقامة مجتمعٍ شديد الانضباط يعاقب (أحياناً بشدة) على أي انتهاكٍ للسلطة، يندرج على نحوٍ كاملٍ أيضاً ضمن الرؤية السائدة المحافظة، 
فمعظم المواطنين يريدون زيادة شدة العقوبة لمعظم الجرائم المرتكبة، كما يريدون رفع سوية النظام في المدارس. وأخيراً، يمثل عدم ثقة الشعبوية بالنخب الفكرة الأكثر تقليديةً بين جميع ما ذكر، فهي فكرةٌ عميقة التجذّر في المجتمع الغربي، ربما بسبب المعتقد المسيحي حول الخطيئة الأولى، فالناس سوف يسيئون استخدام السلطة، لو سمح لهم بذلك، فدستور الولايات المتحدة الأميركية بحد ذاته والفصل المعقد بين السلطات يستند إلى هذا المعتقد المزعوم عن البشر. وبالفعل، فإن أحزابا رئيسية معاصرة عديدة، بما فيها الأحزاب الأميركية الرئيسية، وكما يعتقد، حزب العمال في بريطانيا، بدأت مسيرتها كحركاتٍ شعبوية. وتشترك جميع الأحزاب الغربية السائدة في نوعٍ من الخطاب الشعبوي الناعم، فماذا في وسعه أن يكون أكثر شعبويةً من اللازمة التي كرّرتها رئيسة وزراء بريطانيا المستقيلة أخيرا، تيريزا ماي، في بداية فترة تسلمها منصبها الرئاسي، حين كرّرت أنها سوف تحكم من أجل "الحشود الكثيرة، وليس من أجل القلة صاحبة الامتيازات"، فالمؤسسة بحد ذاتها صارت مناهضةً للمؤسساتية، ولعل الأمر قد بدأ منذ تسلّم تاتشر/ ريغان السلطة اليمينية في الثمانينيات، ما شجع الناخبين من الطبقات العاملة على ترك نخب حزب العمال، ومذهبها الجماعاتي البطيء المتلكئ، واستبدالها بالفردانية المتحمّسة والمحافظة الثقافية الاجتماعية.
وبناءً عليه، تمثل الشعبوية، على الأقل وفق أشكالها المنضبطة، رد فعلٍ طبيعيا على زيادة سيطرة الليبراليين، فهي تمثل تغيراً في اللهجة السياسية، بمقدار كونها ردة فعلٍ، إلا أن ثمّة إيضاحاتٍ أخرى بشأن الأسباب التي جعلتها تظهر وتعبّر عن نفسها بكل هذا الزخم والقوة في الجيل الماضي، حيث ترتبط الإجابة بالممارسات السياسية الحديثة، وتوفر تكنولوجيا الاتصالات الحديثة أيضاً.
ظهرت شعبويةٌ أكثر ثقةً، نتيجةً حدوث تقاربٍ بين توجهين سياسيين؛ فمن جهةٍ، أصبحت سياسة الأحزاب المحافظة أكثر ضيقاً، وأقل وضوحاً إيدولوجياً، ومسيطراً عليها من الداخل، على صعيد الشخصيات والاهتمامات المطروحة. ومن جهةٍ أخرى، ساعدت التكنولوجيا على تقليص الحواجز لإيصال صوتك السياسي، كما أطاحت "فلتر" النخبة القديمة الذي كان يحدّد من في وسعه أن يلعب اللعبة السياسية.