كيف نفكّك وصفة تدميرنا الشامل؟

28 مارس 2018
الصورة
+ الخط -
على الرغم من تلاشي الحدود بين ما هو داخلي وما هو خارجي في العلاقة بين الدول والمجتمعات، مع استمرار تآكل سيادة الأولى، وتلاشي خصوصية الثانية، يمكن مع ذلك القول إن لمنطقتنا العربية بعض الخصوصية في هذا الشأن. إذ يصعب أن نجد منطقةً أخرى في العالم تتداخل فيها عوامل الصراع والتنافس، وتتشابك المصالح والتحالفات والتفاعلات داخل الدول والمجتمعات، وفيما بينها، بالحدّة القائمة لدينا. وقد بلغ هذا التداخل درجةً غدا معها صعباً تحديد أيهما يأتي أولا لتحقيق الأمن والاستقرار، السلام داخل الدول أم السلام بين الدول؟ ومنها يبرز أيضاً السؤال الأكثر إلحاحا وأهمية: هل يمكن أن تتحقق إرادة الشعوب في الحرية والعدالة والتغيير نحو الأفضل في أجواء تطاحنٍ إقليمي ودولي؟
واقع الحال أن أكثر صراعاتنا، على الرغم من أن أسبابها محلية، متصلة بسوء توزيع الموارد، وغياب العدالة، وتفاقم الاستبداد والفساد، واستئثار القلة بالسلطة والثروة، وافتقاد دولة المواطنة والقانون، إلا أنها ما أن تنفجر حتى تتحول إلى جزء من ديناميات صراعٍ إقليمية، تتغذّى منها وتغذّيها، حتى تمسي امتدادا لها أو تعبيراً صاخباً عنها. لذلك، وبمقدار ما يصح القول إن ما يجري هي حروب الآخرين على أرضنا، يصح أيضا القول إن حروبنا تجر الآخرين إليها، ليصبحوا طرفا فيها أو جزءاً منها.
كشفت ثورات الربيع العربي، وسقوط بعض قلاع الاستبداد، وتهتك بعضها الآخر، أن مجتمعاتنا منقسمة حتى النخاع، إلى طوائف، وقبائل، وفي أحسن الأحوال، إلى عصبيات سياسية، فكرية، أو أيديولوجية، تتفق جميعها في رفض الآخر المحلي حتى حدود الفناء. وعندما تعجز عن إلغائه بقواها الذاتية، لا تجد بأساً في الاستعانة عليه، أو طلب الحماية منه، من قوى تقبع وراء الحدود. هذه الانقسامات وتجلياتها الناجمة عن فشل النظم السياسية العربية في بناء دولة القانون والمواطنة، وتحويلها إلى ملاذٍ لكل مواطنيها، تتفاقم، ويجري تصديرها إلى الخارج، قبل أن تجري عملية إعادة استيرادها محملةً بعناصر صراع جديدة.
لكن هذه ليست آخر مشكلاتنا، ففي وقتٍ تتفاعل فيه الانقسامات وتتعمق التناقضات داخل دولنا ومجتمعاتنا، نتيجة الافتقاد إلى قنوات مؤسسية، وأطر سياسية، حزبية، وقانونية، للتعبير عنها وحلها، تستمر نخب منطقتنا الحاكمة حبيسة أفكار التمدّد والتوسع والهيمنة، والانشغال حتى حدود الهوس بموازين القوى والصراع الإقليمي، والسعي وراء زعامات خارج الحدود، على الرغم من أنها تقدم نماذج فاشلة للزعامة في دولها. والأدهى أن بعضها ما زال مشغولا بانتقاماتٍ تاريخيةٍ، يخوض من أجلها حملاتٍ تبشيريةً ومعارك دونكيشوتية. هذه البيئة الإقليمية ونمط السياسة الخارجية السائد فيها يجعلان التنافس والتطاحن بين الدول المتصارعة على النفوذ والسيطرة أمرا حتمياً. كما أن هذا النمط من التفكير يجعل هذه الدول منجذبةً تلقائيا إلى الانشغال بالصراعات التي تحدث داخل دول أخرى، لأنها تخشى تأثيرها في موازين القوى السائدة. لذلك ما أن ينفجر صراع داخلي هنا أو تندلع ثورة هناك، حتى تهرع هذه الدول للتدخل، بعضها لتعظيم مكاسبه، وبعضها لتقليل خسائره، بعضها يدفع إلى التغيير أملاً في حكومة أكثر انسجاماً مع مصالحه، وبعضها يسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم. يحدث هذا كله من دون أدنى اعتبار لمصالح الشعوب صاحبة الشأن أو إرادتها، ومن دون اكتراثٍ بالأسباب والدوافع التي أدت إلى انتفاضتها.
نحن نعيش إذاً في بنية سياسية - مجتمعية، تستدعي طوائفها وقبائلها وجماعاتها المتصارعة، قوى الخارج، وتستعين بها على بعضها. ومن جهة أخرى، لدينا بنية إقليمية تجد الدول نفسها فيها منجذبةً إلى التدخل في شؤون دول أخرى وصراعاتها، ليصبح لدينا المزيج التام (Perfect Recipe) لصراعٍ مدمر، يقف فيه الجميع ضد الجميع، في معركة هرمجدونية عظمى، تختفي فيها الحدود بين الداخل والخارج. من أين نبدأ بتفكيك هذه الوصفة المدمرة، من داخل الدول بإقامة دولة المواطنة والقانون، فلا تعود الجماعات تنشد الحماية خارج أوطانها، وتؤجّج التنافس بين رعاتها؟ أم بين الدول من خلال إنشاء نظام أمن إقليمي، ينقلنا من عقلية الصراع والمعادلات الصفرية إلى عقلية التسويات والمساومات والحلول الوسط، حيث تتحقق مصالح الدول جميعا، فتترك للشعوب الأخرى مسألة تقرير مصيرها من دون تدخل؟ كيفما جاءتك الإجابة لن يكون الأمر سهلا.