كيف غيّرت 50 عاماً من الاحتلال المجتمع الإسرائيلي؟

05 يونيو 2017
الصورة

قادة الجيش الإسرائيلي في القدس في 8 حزيران1967(فرانس برس)

شكلت حرب 1967 نقطة مفصلية في تاريخ الكيان الصهيوني الذي نشأ سنة 1948 على دمار المجتمع الفلسطيني، ونهب أراضيه، وتهجير شعبه، تحت أنظار المجتمع الدولي وبموافقة منه. وإذا كانت هذه الحرب، من وجهة النظر العربية، أكبر دليل على النوايا الصهيونية التوسعية، وعلى كذب الادعاء بأن الهدف من قيام إسرائيل هو تأمين "ملاذ آمن" للشعب اليهودي، الخارج من كابوس المحرقة النازية، فإنها أيضاً شكلت، على الصعيد الإسرائيلي، نهاية الإجماع داخل إسرائيل، وبداية بروز انقسامٍ داخل المجتمع الإسرائيلي بين مؤيدٍ للاحتلال واستمراره إلى أبد الآبدين ومعارض له ومطالب بضرورة إنهائه، لأنه يشكل خطراً على يهودية الدولة.
يقول الباحث دانيال بار- طال، في الفصل الرابع من كتابٍ مهم جداً شارك فيه عدد كبير من الباحثين الإسرائيليين والأجانب، عن انعكاسات الاحتلال الإسرائيلي على المجتمع الإسرائيلي (صدر بالإنكليزية سنة 2013) إنه حتى حرب 1967 قَبل اليهود بالخط الأخضر، أي خط الهدنة الذي وضع سنة 1949، حدوداً نهائية لدولة إسرائيل، لكن احتلال الأراضي العربية سنة 1967 غيّر وجهة النظر هذه خلال وقت قصير، وأوجد فكرة أن هذه الأراضي، وخصوصا الضفة الغربية وغزة، جرى تحريرهما، لأنهما يشكلان جزءاً من الوطن اليهودي، وهما ضروريان لضمان وجود دولة إسرائيل. كما برز الاعتقاد باستحالة الانسحاب من هذه الأراضي الذي يستند إلى حججٍ دينية، وقوميةٍ، وتاريخيةٍ، وثقافية، وسياسية وعسكرية. وبدأ الخلاف في الرأي بين من يعتبر أن من حق إسرائيل الاحتفاظ بهذه المناطق، ومن يعارض ذلك.

حولت خمسون عاماً من الاحتلال إسرائيل إلى ما هي عليه اليوم: الدولة الوحيدة في القرن الـواحد والعشرين التي لا تزال تحتل شعباً آخر، وتحرمهم من حقوقهم الأساسية، لا سيما من حقهم في تقرير مصيرهم، وجعلت إسرائيل أكثر يمينية وتطرفاً، وسمحت بنمو الفكر الديني القومي المتشدد الخلاصي الذي يبرّر استمرار الاحتلال بذرائع دينية توراتية ويطالب بضمها. في مقابل هذا اليمين المتشدّد الذي يحكم حالياً إسرائيل من خلال الائتلاف الحكومي، برئاسة بنيامين نتنياهو، تقف مجموعةٌ لا بأس بها من الإسرائيليين ضد استمرار الاحتلال، وتطالب القيادة السياسية باتخاذ قرار بالانفصال عن الفلسطينيين، لأن المعنى العملي لمواصلة الاحتلال، في غياب أي أفق تسوية سياسية، الانزلاق أكثر فأكثر نحو واقع الدولة الواحدة، مع كل ما يحمله هذا من مخاطر نشوب حربٍ أهلية، وذلك وفقاً لرأي رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، يوحنا بلسنر، في طاولة مستديرة عقدها معهد دراسات الأمن القومي مطلع شهر مايو/ أيار الماضي حول حرب 1967، حين قال: "عدم اتخاذ قرارات صعبة يدفع بنا إلى الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة من النهر إلى البحر، على الرغم من عدم وجود أغلبية يهودية مؤيدة له. لا نستطيع المحافظة على دولة يهودية ديمقراطية وعادلة في إطار الدولة الواحدة".
لا يقتصر تأثير استمرار الاحتلال على الانقسام السياسي من الموضوع، فهناك انعكاسات أخرى له، مثل الثمن الاقتصادي الباهظ لاستمرار الاحتلال نحو نصف قرن، فقد ورد في تقرير جديد بعنوان "الاحتلال: من يدفع الثمن؟ تأثيرات الاحتلال على الاقتصاد والمجتمع في إسرائيل"، صادر عن "مركز أدفا" (مركز المعلومات حول المساواة والعدالة الاجتماعية في إسرائيل) بمناسبة ذكرى مرور خمسين عاماً على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، أن "صيانة الاحتلال" مكلفة جداً وتمسّ النمو الاقتصادي، وتضعف قدرة الدولة على رصد الموارد والاستثمارات لتطوير الأطراف والمناطق النائية، فضلاً عن أنها تحدّ من قدرة الاقتصاد على رفع مستوى حياة جميع المواطنين في الدولة وتحسينه، ما يؤدي إلى زيادة التفاوت الاجتماعي.
وبالاستناد إلى التقرير، بلغت الزيادات الكثيرة للميزانية الأمنية الإسرائيلية لتغطية نفقات العمليات والنشاطات العسكرية المتعدّدة في المناطق المحتلة بين السنوات 1988 و2015، نحو 55.6 مليار شيكل، بالإضافة إلى الميزانية الأمنية الاعتيادية التي ترصد من أجل تمويل العمليات العسكرية.
كما ينعكس استمرار الاحتلال سلباً على الاستقرار الاقتصادي في إسرائيل، ويؤدي إلى تقلب عمليات النمو وعدم استقرارها، وغالباً ما يتوقف النمو الاقتصادي في فترات المواجهات العسكرية الإسرائيلية. كما يفاقم العبء الاقتصادي للاحتلال في ارتفاع نسبة الناس التي تعيش تحت خط الفقر. ووفقاً لتقارير رسمية، بلغ عدد سكان إسرائيل الذين يعيشون تحت خط الفقر في نهاية 2016 أكثر من مليون وسبعمائة ألف، وأصبحت إسرائيل تحتل المرتبة الأولى من بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من ناحيتي الفقر وعدم المساواة الاقتصادية.
يمكن أن نضيف إلى ذلك الانعكاسات السلبية للاحتلال على المجتمع، من خلال زيادة حدة العنف والجرائم والسرقات. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسات اجتماعية إسرائيلية ارتفاع مستوى الجرائم بين أوساط الشباب الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بالإضافة إلى تفاقم المظاهر العنصرية ضد العرب في إسرائيل وضد الأقليات، والتمييز في المعاملة مع المرأة.

ولكن خمسين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي كانت سبباً أيضاً لنشوء حركات إسرائيلية مناهضة له، وفي مقدمتها حركة "السلام الآن" التي تظاهرت، قبل أيام، بهذه المناسبة مطالبة بإنهاء الاحتلال، ومنظمة "لنكسر الصمت" التي نشأت نتيجة رفض جنود إسرائيليين القيام بخدمتهم العسكرية في المناطق الفلسطينية، وفضحت شهادات هؤلاء الجنود الانتهاكات الكبيرة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وكذلك حركة "يوجد حدود" المعارضة للاحتلال، وحركة (SIOS) التي تدعو إلى وقف الاحتلال، وغيرها من حركاتٍ تنتمي إلى المجتمع المدني. وحالياً، تتعرّض جميع هذه الحركات إلى حملة ملاحقة شعواء، تشنها الحكومة الإسرائيلية اليمينية لقمع هذه الحركات، وشل نشاطها وكم أفواهها، عبر سلسلةٍ من المضايقات والملاحقات والتشريعات، لتقييد عملها وحظره. صحيح أن دور هذه الحركات محدود، ولا يمكنه أن يؤدي إلى تغير نوعي في موازين القوى السياسية داخل إسرائيل، لكنها دليل على الانقسام الداخلي الإسرائيلي العميق من موضوع الاحتلال.
أحدثت خمسون عاماً من الاحتلال شرخاً وسط الإسرائيليين، وأعادت صياغة الهوية الإسرائيلية، ووضعت إسرائيل أمام مأزق حقيقي: هل تواصل احتلالها المناطق الفلسطينية إلى ما لا نهاية، وتتحول إلى دولة واحدة، يصبح فيها اليهود أقلية؟ أم تأخذ قرارها بالانفصال عن المناطق المحتلة وتنقذ يهوديتها؟
رندة حيدر
رندة حيدر