كيف سيصبح النظام العالمي السياسي والاقتصادي بعد كورونا؟

25 مارس 2020
الصورة
تغييرات سيشهدها العالم (جون مور/ Getty)
في ظل انشغال جل دول العالم بمحاربة فيروس كورونا ومنع انتشاره، خصصت مجلة "فورين بوليسي" عبر موقعها على الإنترنت تحليلاً استشرافياً لما سيؤول إليه العالم بعد التخلص من الجائحة، لا سيما على المستويين الاقتصادي والسياسي، على اعتبار أن الإجراءات المتخذة لاحتواء الوضع ستكون لها تداعيات واسعة النطاق.

وجاء في التحليل أن هذا الوباء أدخل سكان العالم في حالة عزلة اجتماعية، وأحدث خللاً كبيراً بالأسواق، وكشف عن كفاءة الحكومات أو عدمها، مضيفا أنه سيؤدي إلى تحولات سياسية واقتصادية عميقة لن تظهر آثارها في الوقت الراهن.


ولاستشراف هذه التداعيات، أوضحت "فورين بوليسي" أنها استقصت آراء مفكرين بارزين في العالم قدموا توقعاتهم لما سيؤول إليه الوضع الدولي بعد القضاء على جائحة "كوفيد 19".

عالم أقل انفتاحاً وأقل نمواً
في تقييمه اعتبر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، ستيفن والت، أن الجائحة ستقوي وضع الدولة وستعزز الانتماء الوطني، موضحاً أن الحكومات بمختلف ألوانها ستتبنى إجراءات طارئة لتدبير الأزمة، وأن العديد منها لن تكون مستعدة للتخلي عن السلطات التي أصبحت بين أيديها بعد مرور الأزمة.
ويرى والت أن فيروس كورونا سيسرع كذلك وتيرة انتقال النفوذ والتأثير من الغرب إلى الشرق، موضحا أن كوريا الجنوبية وسنغافورة أبلتا حسنا في مواجهة الوباء، وأن الصين فعلت كذلك لكن بعد أخطاء البداية. وفي تقدير والت فإن الشيء الذي لن يتغير هو النزاعات التي تطبع السياسات الدولية، متوقعا أن يحدث تراجع في مستوى العولمة، وأن يشرع المواطنون في الالتفاف حول حكومات بلدانهم لحمايتهم، وأن تلجأ الدول والشركات لتقليص المخاطر التي قد تواجهها في المستقبل.
وفي المجمل يرى والت أن فيروس كورونا سيجعل العالم أقل انفتاحاً، وأقل نمواً، وأقل حرية.

نهاية العولمة بشكلها الحالي
الرؤية التشاؤمية نفسها يذهب إليها مدير مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث بلندن، روبين نيبليت، الذي اعتبر أن جائحة كورونا قد تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، لا سيما على مستوى العولمة الاقتصادية. وقال إن كوفيد 19 يدفع حاليا الحكومات، والشركات، والمجتمعات إلى تعزيز قدراتها على التعامل مع فترات طويلة من الانطواء الاقتصادي الذاتي.
ويعتبر نيبليت أنه في ظل ذلك من المستبعد جداً أن يعود العالم لتبني فكرة الاستفادة المتبادلة من ثمار العولمة، التي طبعت بداية القرن الحالي، مضيفاً أنه في غياب ما يشجع على حماية الامتيازات المتبادلة من التكامل الاقتصادي العالمي، فإنه سيسهل العودة إلى تدابير الحوكمة الاقتصادية العالمية التي جرى اتباعها في القرن العشرين.

عولمة على المقاس الصيني
البروفيسور السنغافوري وعميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية، كيشور مهبوباني، يتوقع من جهته أن يتسبب كوفيد 19 في تغيير بوصلة الاقتصاد العالمي، وأنه سيسرع تحولاً قد بدأ منذ فترة، والمتمثل في انتقال مركز العولمة من الولايات المتحدة الأميركية إلى الصين.


وأوضح مهبوباني أن ذلك يعزى إلى فقدان الأميركيين الثقة في العولمة والتجارة الدولية، مقابل تزايدها بالجانب الصيني لاعتبارات تاريخية محضة، بعد قرن الانغلاق من 1842 إلى 1949، وتداعياته. وأضاف مهبوباني أن العقود الأخيرة من الازدهار الاقتصادي الذي عرفته الصين، كانت نتيجة انفتاحها على العالم.

وكنتيجة لذلك، أشار مهبوباني إلى أن الولايات المتحدة سيكون أمامها خياران، فإن كان هدفها الرئيسي هو ضمان استمرار هيمنتها بالعالم، فسيتعين عليها تفادي أي صراع جيوسياسي مع الصين، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.
أما إذا كان هدفها هو تحسين ظروف عيش الشعب الأميركي، الذي تدهورت أوضاعه الاجتماعية، فسيتعين عليها التعاون مع الصين.

اختبار جديد للأنظمة الديمقراطية
في قراءته للوضع الدولي بعد فيروس كورونا، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة برينستون، جون ايكنبيري، أنه على المدى القريب ستؤدي الأزمة الناشئة عنه إلى إذكاء الخلافات بين مختلف المعسكرات الأيديولوجية بالدول الغربية، متوقعا أن يحتدم النقاش بين القوميين ومعارضي العولمة، والصقور المتربصين بالصين، وحتى الليبراليين المدافعين عن العولمة.
وأضاف أنه بالنظر إلى التداعيات الوشيكة لأزمة كورونا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فإن العالم سيتجه نحو مزيد من الانكفاء القومي، والتنافس الشديد بين القوى العالمية، وكذلك العزلة الاستراتيجية، وما شابه.
وفي تقدير ايكنبيري فإن الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية قد تلجأ في البداية إلى الانكفاء القومي، لكن على الأمد الطويل، ستجد نفسها بصدد تطوير شكل جديد من العولمة أكثر براغماتية ويوفر لها الحماية.

مكاسب أقل مقابل مزيد من الاستقرار

الباحثة المتخصصة بشؤون أميركا الجنوبية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، شانون أونيل، رأت في تقييمها أن فيروس كورونا يقوض أسس الصناعة العالمية، متوقعة أن تعيد الشركات التفكير في تقليص تعدد خطوات وبلدان خطوط الإمداد والتوريد، التي تهيمن على الإنتاج اليوم.
واستحضرت في هذا الصدد أن خطوط الإمداد العالمية كانت تتعرض لانتقادات كبيرة بالفعل، لا سيما على المستوى الاقتصادي، بسبب ارتفاع تكاليف العمالة الصينية والحرب التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتقدم الحاصل في مجال الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد، وكذلك سياسيا، بسبب فقدان الوظائف وصعوبة خلقها خاصة في الاقتصادات المتقدمة.


ورأت أنه في ظل الوضع الراهن، تسبب فيروس كورونا في تقويض الروابط الاقتصادية، فإغلاق المصانع بالمناطق المنكوبة أدى إلى ترك المحال التجارية والمستشفيات والصيدليات بدون مخزون أو منتجات.
وتوقعت أن يدفع ذلك الشركات إلى أن تطلب المزيد من المعلومات عن مصادر إمداداتها مستقبلا، وأن تتدخل الحكومات كذلك في ما تعتبره صناعات استراتيجية لتأمين الدعم والاحتياطي للسوق المحلي. وخلصت إلى أنه سيؤدي كذلك إلى تحسن استقرار التموين، على حساب تراجع المكاسب.

لكورونا جوانب إيجابية
في قراءته لتأثير فيروس كورونا، قال الدبلوماسي الهندي، شيف شانكار مينون، إن ثلاثة أشياء تبدو واضحة رغم أن الحسم في ذلك سابق لأوانه، بداية يرى مينون أن وباء كورونا سيؤدي إلى تغيير سياسات الدول داخليا وخارجيا، مضيفا أن المجتمعات، وحتى عتاة المطالبين بالتحرر، وجدوا الملاذ في سلطة الحكومات.
وتوقع أن النجاح النسبي للحكومات في التغلب على الوباء وآثاره الاقتصادية سيؤدي إمّا لتفاقم أو لتقليص الأخطار الأمنية والاستقطاب داخل المجتمعات، ليخلص إلى أن الحكومات استعادت بذلك مكانتها.

أما الأمر الثاني فيربطه مينون بتراجع حالة الترابط العالمي، على اعتبار أن فيروس كورونا في حد ذاته دليل اعتمادنا بعضنا على البعض الآخر، مسجلاً تحولا تعرفه جميع الأنظمة السياسية، نحو الانغلاق على نفسها، والبحث عن الاستقلالية والتحكم في المصير. وأعرب مينون عن اعتقاده بأننا متجهون نحو عالم أكثر فقراً وبخلاً وأصغر من ذي قبل.
ثالثا، يرى مينون أن هناك إشارات تبعث على التفاؤل، مشيراً إلى أن الهند أخذت زمام المبادرة لعقد مؤتمر عبر الفيديو لجميع قادة جنوب آسيا لصياغة استراتيجية إقليمية مشتركة للتعامل مع الفيروس.

النفوذ الأميركي بحاجة لاستراتيجية جديدة
من جانبه، يرى الأستاذ بجامعة هارفارد، جوزيف ناي جونيور، أنه يتعين على الولايات المتحدة الأميركية بلورة استراتيجية جديدة، وقال إنه في العام 2017 أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن استراتيجية جديدة للأمن القومي تقوم على حالة من التنافس الشديد بين القوى العظمى، مضيفا أن "كوفيد 19" أظهر فشلها.
وزاد موضحا أنه حتى في حال استمرت الولايات المتحدة قوة عظمى، فإنه لن يكون في وسعها حماية أمنها بالتصرف لوحدها.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالتهديدات العابرة للحدود مثل فيروس كورونا وتغير المناخ، لا يكفي فقط التفكير في النفوذ الأميركي على الدول الأخرى، معتبراً أن مفتاح النجاح يتمثل في معرفة أهمية قوة الآخرين. وأشار إلى أن كل بلد يضع مصالحه الوطنية فوق كل اعتبار، وبالتالي فالسؤال الأهم هو كيف يتم تحديد هذه المصالح على النطاق الواسع أو الضيق. وخلص إلى أن كورونا أثبت أن دول العالم تفشل في تكييف استراتيجيتها مع هذا العالم الجديد.

تاريخ يكتبه المنتصرون

بدوره أعرب رئيس معهد بروكينغز، جون ألين، عن اعتقاده أن التاريخ، كما هو معهود دائما، سيكتبه "المنتصرون" خلال أزمة فيروس كورونا، موضحا أن كل بلد، وبشكل متصاعد كل فرد، يواجه التداعيات الاجتماعية لهذا الوباء، وبطرق جديدة ذات مفعول قوي.

وقال إن البلدان التي ستصمد في وجه الوباء، بفضل أنظمتها السياسية والاقتصادية الخاصة، وكذا من منظور الصحة العمومية، ستتفاخر بنجاحها على حساب البلدان التي ستواجه تداعيات مختلفة ومدمرة.

وأضاف أن هذه الأزمة تنذر بإعادة ترتيب بنية القوى الدولية بطرق لا يمكننا أن نتخيلها، وأن فيروس كورونا سيواصل تأثيره السلبي على النشاط الاقتصادي، وسيرفع من حجم الخلافات بين الدول.