كيف تُشفى من الأدب الروسي؟

14 سبتمبر 2020
+ الخط -

طلب مني صديق يشرف على صفحة ثقافية أن أكتب له مقالاً يعبر عن محبتي للأدب الروسي، واشترط أن يكون مقالاً جديداً غير ما نشرته في كتابي (في أحضان الكتب) عن بعض روايات ديستويفسكي التي أعلنت أكثر من مرة غرامي بها، فاعتذرت له بسبب جسامة المهمة وضيق الوقت، وكدت أن أقترح عليه أن يقوم بإعادة نشر مقال رائع لأحد كتابي المفضلين، الأستاذ يحيى حقي، يحمل عنوان (ناتاشا أو كيف شُفيت من الأدب الروسي)، كتبه في واحد من أحب كتبه إلى قلبي: (فكرة فابتسامة)، لكنني قررت أنك كقارئ لهذه المدونة أولى من الغريب بقراءة هذا المقال الذي أتمنى أن يفتح شهيتك لقراءة يحيى حقي الذي لن تجد ونيساً أجمل ولا ألطف من كتبه في هذه الأيام التعيسة، أتركك مع المقال، مع أمنياتي ألا تُشفى من قراءة الأدب الروسي أو إعادة قراءة يحيى حقي.

"حططت رحالي باستانبول سنة 1930 وأنا فتى غارق لأذنيه فى الأدب الروسي، بلغ حبي له حد الهوس، صحبت تورجينيف فى كل رحلة خرج فيها قبل الفجر للصيد، كلابه لا تنبحني لأني أناديها بأسمائها، ركبت معه «الترويكا» فأشجاني رنين أجراسها، وشققت الغابات فشممت زهورها البرية، وخضت المستنقعات إلى ركبتي، وشاركته حديثه وأكله مع الفلاحين، وراقبت بحنان بطة تَحُكُّ قِذالَها بِكَفٍ مُبتَلٍّ، وبقرةٍ يميلُ رأسها لتشرب ثم ترفعه فتتساقط من خشمها قطرات مستطيلة من الماء تلمع على أول بسمة للفجر، خُوارها أعذب الألحان.

ورضي ضميري أن أعشق مثله زوجة صديقي فياردو رغم أنها محدودبة الظهر وجلست فى صالونها فوق إحدى قوائم جلد دُبّ، وبقية القوائم التى يحتلها عشاقها الثلاثة الآخرون، مالنا ومالهم.. يجمعنا على عشقها صوتها الذى يلعلع فى الأوبرا كل ليلة.

وأحسست مع ديستوفسكي بحبل المشنقة يُلَفُّ حول رقبتي ثم يأتي رسول القيصر ليفرج عني فى آخر لحظة. سكنت مع «بيت الموتى» فى سيبيريا، وأحببت حبيبة الفتى المسلم «علي» التتري، اشتركت فى جميع مؤامرات «شاتوف» وطبعت معه ألف منشور سرى..

كل بنات الهوى فى الأدب الروسي أعرفهن واحدة واحدة، «سونيا» فى قصة «الجريمة والعقاب» و«الماسلوفا» فى قصة «البعث»، سرت وراءها منذ خرجت حبلى مطرودة من بيت ربة نعمتها إلى بيت البغاء، إلى المحكمة، حتى بلغت معها منفاها فى سيبيريا، ألِفتُ فى ذلك الوقت ألا يجري حديث فى ضميري إلا عن الإلحاد والإيمان، والنجاسة والطهر، والشياطين والملائكة، الإثم والتوبة، السقوط والخلاص، وكان أصغر أملي أن يظهر لي الشيطان ويجادلني كما فعل مع «إيفان» أما أكبر أملي فأن أتخذ لي عشيقة إسمها «ناتاشا» ـ فمطلبي ليس الحلال بل عذاب الخطيئة ـ تترأس خلية من الثوار، ملء حقيبتها تحت إبطها قنابل لا كُتُب، تهب من نومها وسط الليل وهى تصرخ: أريد أن أعترف. أكبر حيرتها أنها لا تدري كيف تنتحر، بالسم أو بإلقاء نفسها أمام قطار كـالستّ «أنا كارنينا»، سأظل على حبها ولو أنها طلّعت على جِتّتي البلا.. ساعة الصفاء هي حين نتحاضن لنبكي معا على مصير الإنسان..

ذات يوم علمت أن أحد مواطنيّ ــ وهو مهاجر مقيم فى استانبول ــ له عشيقة روسية، ناتاشا، يا له من اسم له نغمة موسيقية عالية، إنه يمثل لي الصبابة والوجد والهيام والحب العميق الممزق والبوهيمية المتحررة من قيود البورجوازية وحقارتها ودنسها ونفاقها

لا تسل إذن عن توثب قلبي حين وجدت السمسار الذى يبحث لي عن سكن فى استانبول رجلا روسيا يلف الحزام على قميصه الطويل، والجارسونة في صالون الشاي في "بيوغلى" فتاة روسية مسلولة "زاد سعالها من فتنتها فى نظري» وصاحبة المكتبة التى تزبّنت عليها سيدة روسية لم أر قط من قبل سكينة مثل سكينة روحها، علمت فيما بعد أنها من النبلاء،ولكنها مع الأسف كانت طاعنة في السن واسمها ليس ناتاشا، هؤلاء هم البقية المختلفة من موجة الهجرة الطاغية التي مرت باستانبول سنة 1917.

وروى لي ضابط تركي أنه كان قبل الحرب مأمورا لقسم البوليس الذي تقع في دائرته السفارة الروسية، فطلبت منه البلدية أن يقطع فروع شجرة، تسللت من فوق سور حديقة السفارة ومالت على أسلاك الكهرباء حتى كادت تتلفها، ظن أن الأمر سهل، فذهب ودق باب السفارة، فلما دخل شاء له سوء حظه أن يجد نفسه أسفل سلم عريض يهبط عليه رجل مهيب فى بذلة الشرطة، صدره غارق فى زخارف من القصب ومزدحم بانياشين المرصعة بالأحجار الكريمة، وجهه ناطق إلى حد البجاحة بالثراء والتخمة والكبرياء والعظمة، جبينه معقود على أسرار خطيرة لا يعلم أنها كلها فشوش، سأله من طرف أنفه بلغة فرنسية سوربونية: من أنت؟ ولماذا أتيت؟ فأجابه برطانة فرنسية سككية تعلمها «شيطانى» من كباريهات استانبول، وأخبره وهو ينحنى ويسلم عن سبب مجيئه.. فإذا بالسفير الروسى يهتز من شدة الغضب ويصرخ باحتقار أو تجسر على اقتحام السفارة بغير إذن سابق: أتبلغ بك الجرأة أن تعتدى على حرمة السفارة وتطلب قطع فروع شجرة فى حديقتها؟ أعلم أن هذه الشجرة لها حصانتها، قل للصدر الأعظم أن يكلمنى فى شأنها فهذا هو مقامى، وسأنظر هل سأستجيب لرجائه أم لن أستجيب..

واستيقظت استامبول ذات صباح فى سنة 1917 فإذا على رصيف مينائها مائة ألف مهاجر روسى أغلبهم من النبلاء والإقطاعيين، رجال ونساء، وشيوخ وأطفال، كوم ضخم من اللحم البشرى.. ينتظر أن يتمزق أشلاء تتوزع فى أقطار الأرض.. وكان ضابطنا قد أصبح مأمورا للميناء فخرج يتفقد هذا الكوم من اللحم البشرى فإذا بقدمه تكاد تطأ ذراع رجل عجوز راقد على الأرض، رفع إليه وجهه فذكر الضابط على الفور أنه رأى هذا الوجه من قبل، نعم إنه هو السفير الروسى الذى طرده فى يوم من الأيام بأنفة واحتقار، فمال عليه فإذا بالرجل ينظر إليه مستعطفا ويسأله بأدب جم وبلغة تركية رشيقة هل يعلم موعد قيام الباخرة المسافرة إلى مرسيليا.. أدرك الضابط أن الرجل لا يتلهف علىالسفر بل إن زاده الموضوع فى كيس من القماش كاد ينفد.

وكنت فى القاهرة لم أخالط بل لم أعرف أو حتى أرى واحدا أو واحدة من الروس، فبدت لى استانبول كأنها الجنة الموعودة، وكدت أطير من الفرح. ذات يوم علمت أن أحد مواطنيّ ــ وهو مهاجر مقيم فى استانبول ــ له عشيقة روسية، ناتاشا، يا له من اسم له نغمة موسيقية عالية، إنه يمثل لي الصبابة والوجد والهيام والحب العميق الممزق والبوهيمية المتحررة من قيود البورجوازية وحقارتها ودنسها ونفاقها، ورغم شدة فرحي أحسست بشيئ من الحسرة، لأن ناتاشا لم تكن من قسمتى، ولكنى قلت أصبر نفسي: لا بأس، يكفيني أن أتطلع إلى وجهها الصبوح وأن أجلس بين يديها وأعيش ولو لحظات فى جوها.. ومن لم يجد الخوخ رضي بشرابه.

تصورتها تقيم فى حجرة متواضعة على السطح، فهكذا تسكن ناتاشا فى الروايات الروسية تطلع السلم الطويل جريا دون أن تلهث لأن شفتيها مطبقتان دائما على إرادة من حديد ــ ليس إلا من مثل هذا الفم تعرف معنى إشراق الابتسامة الحلوة فى لحظة الهنا، إذا فتحت النافذة ومدت يدها كادت أن تقبض على النجوم وإليها قبل الناس جميعا يرسل القمر نوره الفضي.. الحجرة على السطح هي عش الحب الذى يريد أن يخلو لنفسه.

أحسست مع ديستوفسكي بحبل المشنقة يُلَفُّ حول رقبتي ثم يأتي رسول القيصر ليفرج عني فى آخر لحظة

وألقيت بنفسي كالمتطفل فى طريق العاشق المحظوظ ودعوته لشرب كأس من الفودكا «هكذا تكون الأصول وافتتاحية السيمفونية» فى حديقة حانة على ربوة تطل من بعيد على البسفور، «إنى أبحث عن ديكور شاعرى» وخنقت همسا من الريبة فى قلبي حين تأملته فوجدته شابا أحول، نظارته تهبط إلى منتصف أنفه، ولكن الاطمئنان عاد إليّ حين رأيته يشرب كأس الفودكا جرعة واحدة ويطلب بدل الكأس الثانية أن توضع زجاجة ملأى أمامه فدسست يدي فى جيبي أتحسس نقودي، وعاد همس الريبة من جديد إذ أصر على أن يروى لي آخر نكتة مصرية سمعها، وكنت سمعتها قبله مرارا.. ثم لما بدأت الخمر تلعب برأسه أخذ يشكو لي همومه فى عمله وسالت على أنيابه الصفر أشجان أرضية لا تمت إلى الرومانسية بسبب، لم يرد اسم ناتاشا على لسانه وخجلت أن أسأله عنها وصبرت وأنا أتدبر بقية خطتي في مكر..

ألححت بعد السهرة أن أصحبه لداره لا لخوفي عليه بل لأرى أين تسكن ناتاشا، ولعله يدعوني للدخول معه.. تركنا الشارع الرئيسي ودخلنا زقاقا ثم حارة ووقفنا أمام بيت من الخشب القديم تجري له لعاب كل بقة على سطح الأرض.. وصافحني فأبقيت يده فى يدي طويلا.. أريد أن أشعره أن الكلفة قد ارتفعت بيننا وأنني أتوقع بل أحب أن يدعوني للدخول معه.

من أجل ناتاشا قبلت أن أكون ثقيل الدم أقول لدودة العلق يا أختي.. ولعله من شدة سكره لم يأبه أن أنصرف أو أن أدخل ففتح الباب بمشقة، وسرت وراءه وهممت أن أطلع السلم فإذا به يقول: كلا.. إنى أسكن فى البدروم.. وهبطنا درجات إلى حجرة أجزم أن الشمس ــ لا القمر ــ لا تدخلها، وفتحت لنا الباب ناتاشا.. ناتاشا أخيرا رأيتها.

سيدة ولى عنها الشباب منذ أمد طويل، بدينة لها شارب خفيف فوق شفتها العليا، شعرها منكوش وعيونها محمرة منتوفة، نزل فوق رأسي دش بارد، فتهالكت على مقعد مترب وشملتني رائحة هى خليط من العرق والبخر والتقلية، إنها تنام وتطبخ وتأكل وتشرب فى هذه الحجرة الوحيدة.. وحين رأيتها تسدل ملاية السرير على جانبه لئلا أرى القصرية تحته أدركت بقية معاني الرائحة، بل إنها تعمل أيضا في هذه الحجرة، فهي خياطة.. وقد رأيت على منضدة أشلاء ثوب تفصله.. ففهمت أنها هي التى تعينه وتنفق عليه. وشملني جو كدت أختنق فيه، وأحسست إحساسا عميقا بدمامة الحرام وقبحه، وبؤسه ومهانته، وجربه وقيحه، إنه يعيش كالجرذان فى الجحور.. ففززت من المقعد وهربت.. ولما خرجت إلى نور الشارع الرئيسي ندت مني تنهيدة عميقة كأنما انزاح عن صدري حمل ثقيل..كانت هي علامة شفائي الأكيد من هوس الأدب الروسي ومن عشق ناتاشا".