لغز تحقيق مولر: كيف راوغ ترامب للتهرب من المقابلة وربح معركة "الاستدعاء"؟

29 مارس 2019
الصورة
طلب مولر مرات عدة مقابلة ترامب (أليكس وونغ/ Getty)
+ الخط -
انتهى التحقيق الأميركي بالتدخل الروسي في الانتخابات، بتبرئة دونالد ترامب من أي جرم يتعلق بالتواطؤ مع موسكو، لتسدل الستارة على فصل من فصول المعارك الأكثر شراسة، المحتدمة بين الرئيس الأميركي وخصومه، وتفتح مجالاً في المقابل لكثير من التساؤلات، منها السبب الذي جعل النتائج التي خلص إليها المحقق روبرت مولر، غير قاطعة، لا سيما لجهة إمكانية عرقلة ترامب للعدالة، وما إذا كانت خلاصة التقرير ستأخذ منحى آخر لو تمكن مولر من مقابلة الرئيس.

ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، اليوم الجمعة، تقريراً مطولاً، حول الحرب الخفية التي دارت بين فريقي ترامب ومولر، الذي فشل بالنهاية في استدعاء الرئيس الأميركي أو مقابلته.

وتعود الصحيفة في بداية تقريرها إلى شهر آذار/ مارس من عام 2018، وتحديداً بعد مضي 10 أشهر على بدء تحقيقه في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، عندما رفع المحقق الخاص روبرت مولر، وهو رجل قليل الكلام، كما تصفه "واشنطن بوست"، السقف بشكل دراماتيكي خلال لقائه محامي الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إذا لم يجلس الأخير معه طوعاً لإجراء مقابلة، فسيقوم باستدعائه.

خلال الأشهر التالية، لم يهدد مولر بشكل صريح باستخدام ورقة الاستدعاء، وفيما كان مكتبه يعمل على الحصول على مقابلة مع الرئيس، ظلّ مولر يدفع لإجرائها حتى ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وفيما كان هاجس المقابلة يُخيّم عليهم، أدار مستشارو ترامب، من جهتهم، حملة ضغطٍ صامتة، ومتعددة الجوانب، لمنع حصولها، وتجنيب الرئيس مواجهة المحققين الفدراليين، خشية أن ينكث بقسمه.

وفي الصيف الماضي، وفي الوقت الذي كان فيه محامو ترامب يتدراسون احتمالات حصول استدعاء، كتب محامي البيت الأبيض إيميت فلود مذكرة تفصّل الأسباب القانونية لحماية امتيازات الرئيس الأميركي التنفيذية، وأرسلها إلى مكتب مولر، وإلى رود روزينستاين، نائب وزير العدل، الذي أوكل مهمة الإشراف على التحقيق، بحسب ما ذكر شخصان مطلعان على الملف، ومقربان من فلود، لـ"واشنطن بوست".

في هذا الأثناء، بعث محامو ترامب بموجة متواصلة من الوثائق والشهود إلى مكتب المحقق الخاص مولر، بهدف دحض تبريرات الأخير للحاجة إلى مقابلة الرئيس.

في النهاية، وبحسب الصحيفة، فإن القرار بعدم مقابلة ترامب هو من أكثر المسائل غموضاً التي لا تزال عالقة بعد انتهاء مولر من تحقيقه الذي استمر 22 شهراً، والذي انتهى الأسبوع الماضي، عندما أرسل تقريراً من أكثر من 300 صفحة لوزارة العدل، قال فيه إنه لم يجد تواطؤاً بين حملة المرشح الرئاسي دونالد ترامب وروسيا، لكنه فشل في تأكيد ما إذا كان الأخير قد أقدم على إعاقة سير العدالة أم لا، بحسب ملخص عن التقرير كشف عنه وزير العدل الأميركي ويليام بار.

وكانت المقابلة، لو تمت، أساسية، في مساعدة المحققين على تقييم ما إذا كانت لترامب نوايا فاسدة، بحسب خبراء قانونيين. وسيظل السؤال عالقاً كذلك، ما إذا كان الاستدعاء سينجح في تخطي التحدي الذي وضعه محامو ترامب عبر تلويحهم بالذهاب إلى المحاكم، في مواجهته.

وفي الواقع، لم تصدر المحكمة العليا أبداً دليلاً واضحاً حول مسألة طلب استدعاء الرئيس، ولكن لو كان مولر أصر على استدعاء ترامب، لكانت المحاكم قد أسست لسابقة ستسري على الرؤساء الأميركيين في المستقبل.

ولكن خلال تقييمه لمسألة مواصلة الدفع بطلب إجراء المقابلة، والتهديد بالاستدعاء، لم يكن المحقق الخاص مولر، يعمل باستقلالية تامة، في تناقض مع أسلافه مثل كينيث ستار، الذي حقق مع بيل كلينتون. لقد كان مولر يخضع للإشراف من قبل روسينستاين، الذي عيّنه ترامب. وقد كتب روسينستاين مرة لسيناتور جمهوري أن "مولر يبقى معرضاً للمحاسبة مثله مثل أي موظف تابع ومرؤوس".

وكان روسينستاين نفسه واقعاً تحت ضغط سياسي كبير: فقد هدد ترامب مرة بطرد هذا المسؤول الذي عينه مرة جورج دبليو بوش، وهو محامٍ سابق من ولاية ماريلاند، واصفاً إياه بـ"الديمقراطي من بالتيمور". وقد هدد الجمهوريون الذين كانوا يسيطرون على مجلس النواب بالكونغرس الأميركي بعزله، متهمين إياه بإخفاء معلومات حول التحقيق الروسي.

وتبقى المداولات الداخلية داخل وزارة العدل حول مسألة استدعاء ترامب، بما فيها رأي روسينستاين حول ذلك، سرية.

وفي آخر أشهر التحقيق، كانت الوزارة تعيش حالة من الفوضى، بعد طرد ترامب للوزير جيف سيشنز، وتعيين ماتيو وايتاكر بديلاً عنه بشكل مؤقت، ثم تعيين ويليام بار، قبل شهر من تقديم مولر تقريره.

وكان بار قد شكك في مذكرة أرسلها في حزيران/ يونيو 2018، أي قبل أشهر على تعيينه وزيراً للعدل، بالتحقيق الذي كان يجريه مولر بشأن احتمال أن يكون ترامب قد أعاق سير العدالة. وكتب أنه "لا يجب أن يسمح لمولر بطلب استجواب الرئيس حول اتهامات بهذا الصدد".

ولو كان مولر قد أراد الدفع بطلب استدعاء، فهو لم يدفع بالموضوع مع مسؤولي وزارة العدل. وقال بار لمشرعين الأسبوع الماضي إن أي قرار أراد مولر أخذه، لم يكن يوماً عرضة لأي فيتو خلال التحقيقات.

الكثير من الأجوبة، بحسب الصحيفة، قد يكشفها تقرير مولر الكامل، الذي يطالب الديمقراطيون في مجلس النواب الأميركي بار بإصداره. ولكن ما هو أكيد هو أن محامي ترامب يعلمون اليوم أن تجنيب موكلهم الجلوس مع المحققين، هو أكبر انتصار لهم.

"لم يكن الرئيس ليساعد على دعم قضيته، لو ذهب (للمقابلة)"، يقول مارك كورالو، وهو متحدث سابق باسم فريق ترامب القانوني، مضيفاً أن "أي محامٍ لا يستحق لقبه لو سمح بحصول ذلك".

وكان ترامب في بادئ الأمر غير ممانع لمقابلة مولر. فقد كان يعتقد أنه بإمكانه تقديم أداء جيد وإنهاء التحقيق بشكل أسرع، إذا ما التقى مولر.

وبدأت المفاوضات بين الطرفين حول مقابلة الرئيس مع اقتراب عيد الشكر في عام 2017، وتمّ تحديد موعد للمقابلة في يناير/ كانون الثاني 2018، بحسب شخص مقرب من فريق ترامب القانوني ومسؤول سابق في الإدارة الأميركية. لكن جون دود، كبير محامي ترامب في ذلك الوقت، ألغى الموعد، خشية أن يرتكب الرئيس الأميركي هفوات خلال اللقاء، أو يكذب. وقد أكدت جلسة تجريبية مع ترامب شكوكه، إذ اعتبر أن الأخير سيكون مستجوباً إشكالياً، بحسب المصادر.

وخلال الأشهر التالية، حاول مولر مراراً تحديد موعد جديد لمقابلة ترامب، لكن من دون جدوى، رغم أن الأخير واصل علناً التصريح بأنه سيكون سعيداً بالجلوس لإجراء مثل هذه المقابلة، معتقداً بأن رؤيته موافقاً على إجرائها يظهر "القوة"، بحسب مسؤول سابق بالإدارة الأميركية مطلع على تفكير الرئيس. لكن ترامب أذعن بالنهاية إلى رأي مستشاريه، الذي يعتبر أن المقابلة ستكون محفوفة بالمخاطر، خاصة بعد إدانة مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق، بالكذب على وكالة "أف بي آي".

وفي ظل الجمود القائم، ناقش فريق مولر بشكل عميق فكرة إصدار استدعاء، لو اقتضت الضرورة، لإجبار ترامب على إجراء المقابلة، بحسب شخص مطلع على فحوى المداخلات الداخلية لفريق المحققين. وشملت هذه النقاشات مولر، ونائبه جايمس كوارلز، والمدعيين كايكل دريبن وآرون زيبلي، وهي تركزت حول ما إذا كان الاستدعاء قانونياً، وما هي تكلفة مثل هذه الخطوة على سير التحقيق برمته، بحسب ما أفاد المصدر للصحيفة الأميركية.

وقد كانت المعركة حول استدعاء رئاسي لتشكل سابقة قانونية بالتاريخ الأميركي.


ففي عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، حكمت المحكمة العليا بأن المحققين بإمكانهم استدعاء أدلة من الرئيس خلال فترة ولايته، وأمروا نيكسون بتسليم مواد تتضمن تسجيلات سرّية سجلت في المكتب البيضاوي. لكن هذا الحكم لم يتطرق إلى مسألة الحصول على شهادة من الرئيس.

وعندما كان كينيث ستار محققاً خاصاً، أصدر أمر استدعاء بحق بيل كلينتون للشهادة أمام لجنة محلفين حول علاقته بمونيكا لوينسكي. وبحث فريق كلينتون فكرة مواجهة هذا الاستدعاء في المحاكم، لكنهم قرروا في النهاية أن ذلك سيضر بالرئيس سياسياً، لأنه سيتم تصويره وكأنه يحارب التحقيق. وقال محامو كلينتون إن الرئيس سيجلس بإرادته لإجراء المقابلة، فقام ستار بسحب الاستدعاء، لتبقى أيضاً مسألة إجبار الرئيس على الإدلاء بشهادة عالقة قانونياً.

وقال خبير قانوني إنه ينبغي على مولر في هذا الصدد أن يظهر حاجته لمقابلة ترامب للتقدم في تحقيقه، وانعدام إمكانية الحصول على المعلومات التي يريدها بطريقة أخرى. كذلك، كان على مولر أن يفكر جيداً في احتمال أن يطلق الاستدعاء معركة قانونية طويلة الأمد. وأوضح الخبير أن ذلك يشكل "معركة كبيرة. وعليك (أي مولر) أن تفكر ما إذا كان ذلك يصب في مصلحة البلاد، وما إذا كان يستحق العناء الذي سيتطلبه".

وقد تطرق مولر إلى الموضوع في لقاء حاد جرى في الخامس من آذار/ مارس 2018، في مكتبه في جنوب غرب واشنطن، حينما تمسك محامو ترامب برأيهم أن ترامب ليس مجبراً على الحديث مع المحققين. وقال مولر حينها إن لديه خياراً لو رفض ترامب: سيتم استدعاؤه للمثول أمام هيئة محلفين كبرى، لكن كبير محامي ترامب انفعل غاضباً متهماً مولر بـ"العبث مع عمل رئيس الولايات المتحدة". وعلى إثر ذلك، مال فريق مولر نحو دفع ترامب للجلوس بشكل طوعي معهم، معتبرين أنه ليس بإمكانهم التهديد باستدعاء إذا كانوا غير قادرين على إصداره. لكن رغم ذلك، ظلّ محامو ترامب متوجسين من إمكانية إقدام مولر على خطوة الاستدعاء.

وقال مستشار لترامب للصحيفة: "التمرين بكامله كان يقوم على فكرة وجود خيار قانوني كان بإمكانهم (فريق مولر) الإقدام عليه، ولم نكن يوماً واثقين، حتى النهاية، من أنهم سيعدلون عنه".

هذا الخطر حكم استراتيجية ترامب القانونية طوال الأشهر التي تلت.

استراتيجية فريق ترامب

حاول محامو ترامب ترك الانطباع دائماً أنهم ضعفاء أمام مولر، وهو يمتلك سمعة قوية كمدير سابق لوكالة "إف بي آي". وقد تعمد دود، وتاي كوب، وهو مستشار قانوي آخر لترامب، أن يسمعهما مراسل خلال غداء في واشنطن، وهما يستفيضان في شرح مدى الرغبة في التعاون مع التحقيق، فيما طور محامي ترامب رودي غولياني عادة "ارتكاب أخطاء" خلال مقابلات تلفزيونية. لكن خلف الكواليس، كان لمحامي ترامب سلاح صامت: ثنائي متزوج يتألف من محاميين جنائيين، جاين ومارتين راسكين، اللذين جلبا معهما الصرامة والنظام لدى انضمامهما إلى الفريق في إبريل/ نيسان 2018.

وفيما كان جولياني والمحامي جاي سيكولو يديران استراتيجية العلاقات العامة، كانت عائلة راسكين تقوم بالعمل القانوني من مكتب مؤقت في واشنطن. ورفض جاين ومارتين الإدلاء بأي تصريح لـ"واشنطن بوست".

وقال جولياني إن 80 في المائة من التواصل بين فريقي مولر وترامب جرى تحت إدارة جاين راسكين، التي عرفت مولر ونائبه كوارلز لسنوات. وكانت جاين تتواصل غالباً عبر البريد الإلكتروني، لتطوير سجل مكتوب كان يعتزم فريق ترامب استخدامه كدليل على تعاون وتجاوبه في حال انتهى الأمر بالقضية في المحاكم، لو كان مولر أصر على فكرة الاستدعاء.

من جهته، انكب مارتين راسكين على إعداد وكتابة "تقرير مضاد" للدفاع عن ترامب، أكد جولياني أنه تمّ تحضيره، لكن قد لا يتم استخدامه أبداً. وكان هدف فريق ترامب التجاوب إلى أقصى حدود مع طلبات مولر، حتى لا يعود بمقدور الأخير الادعاء بأن هناك حاجة إلى استجواب الرئيس. وقال جولياني: "لقد تسلموا منا 1,4 مليون وثيقة. لقد أثبتنا ما بالإمكان تسميته تعاوناً غير مسبوق". رغم ذلك، لم يكن الفريق واثقاً من أن له الغلبة لو كانت الطريق ستقود إلى المحاكم.

في غضون ذلك، كان فريق مولر يتحضّر لعاصفة تدور من حوله.

لقد واظب ترامب، ومحاموه، وحلفاؤه في الكونغرس، على مهاجمة مولر، ومحققيه، واتهامهم بالفساد والتواطؤ. وطالب ترامب مراراً بإنهاء التحقيق، الذي وصفه بمطاردة الساحرات. وبالرغم من مرور الأشهر، ظل فريق ترامب يشك في إمكانية حصول استدعاء، فيما تمسك فريق مولر بضرورة مقابلة الرئيس، لكنه لم يتابع ذلك وصولاً إلى تقديم طلب رسمي.

وقال مصدر للصحيفة إن مولر وكوارلز كانا يشددان على حاجتهما إلى معرفة السبب الذي دفع ترامب إلى طرد جايمس كومي، مدير الـ"أف بي آي" السابق، واتخاد إجراءات أخرى كان بإمكانها التأثير على سير التحقيق بالتدخل الروسي. وكان راسكين يرد عبر البريد الإلكتروني بالضغط على فريق مولر لتقديم مبررات قانونية لطلب الحصول على مقابلة الرئيس.

وسأل فريق ترامب مرة: "ما هي الأدلة التي حصلتم عليها والتي تبرر طلبكم مقابلة الرئيس؟".

وبغياب إمكانية حصول مقابلة، قدم فريق ترامب بديلاً للجهة المقابلة: إجابات خطية لترامب تتعلق بروسيا والحملة الانتخابية، رافضين أن يجيب ترامب عن أسئلة أخرى تتجاوز مرحلة الترشح لتصل إلى فترة ولايته.

لاحقاً، وجد محامو ترامب صعوبة في الجلوس مع ترامب وجعله يركز على تقديم الأجوبة لأسئلة مولر، ما جعل مدة تجميع الأجوبة تطول. أخيراً، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أرسل محامو ترامب أجوبته لمولر. في ديسمبر/ كانون الأول، طلب فريق ترامب مرة أخرى مقابلة الرئيس. في يناير/ كانون الثاني، اتصل مكتب مولر بمحامي ترامب لمتابعة بعض الأسئلة، لكن هؤلاء رفضوا الإجابة عن أي أسئلة إضافية، كما رفضوا أي طلب للمقابلة مع ترامب.

بعد شهرين، قدم مولر تقريره من دون أن يكون تواصل مباشرة مع الرئيس الأميركي، ولو لمرة واحدة. "مطاردة الساحرات" انتهت!

المساهمون