كيف تنتصر الثورة على الدولة العميقة؟

03 ديسمبر 2014
الصورة

جدارية في القاهرة ضد حكم العسكر (Getty)

+ الخط -

تعثّر مسار الربيع العربي، والمخاضات الصّعبة التي تمرّ بها المجتمعات العربيّة الثّائرة، يطرحان ضرورة البحث في الأسباب المباشرة لهذا الوضع، أو ربما تكون المحرك الأساسي لدينامية العراقيل المتكاثرة في مواجهة الثّورات العربية، ولعلّ من الأسباب الواضحة والجلية الدور الذي تقوم به الدولة العميقة.

يعرّف مهتمون كثيرون بمفهوم الدولة العميقة أنها شبكة العملاء الذين ينتمون إلى تنظيم غير رسمي، له مصالحه الواسعة وامتداداته، ونقطة القوة فيه أن لعناصره الأساسية وجودها في مختلف مؤسّسات الدولة ومفاصلها، الأمر الذي يمكّن هذه العناصر من التأثير في قرارات الدّولة وتوجّهاتها.

أظهر الواقع العربي، بعد ثورات الربيع، أن النطاقات التي تشملها الدولة العميقة أوسع من المشار إليها في التعريف، لشمولها كامل الفئات البيروقراطية المشغّلة للدولة، بكل مراتبها ومستوياتها، إضافة إلى أن الدولة العميقة بنية متكاملة من القوانين والمناصب والبناء الأيديولوجي والتراكيب الاجتماعية والتشكيلات الاقتصادية، ما يجعلها منظومة كاملة ومتغلغلة في مستويات عديدة.

وبما أن البيروقراطية (كتلة الموظفين والعاملين في الدولة) هي الجزء الطافي، من هذه المنظومة، على السّطح، فإنها تبدو أكثر بنى الدولة العميقة فعاليّة وتأثيراً. هذه البيروقراطية يعتقد أفرادها أنهم المستهدفون بالتغيّير، لأن الثّورة، في عمق تمرّدها، تنطوي على رفض أداء الدولة على مختلف الصعد. ومن جهة ثانية، يعتقدون أنه سيجري إزاحتهم لصالح نمط عمل جديد، ستأتي به الثّورة، لن يكون في وسعهم التكيّف معه، بعد أن صرفوا سنوات عمرهم، وطاقاتهم، لينخرطوا في النّمط القديم، وغالباً أفراد هذه الفئة أكثر تماهيّاً مع النّظم الاستبدادية، بعد أن استبطنوا أساليبها وقيمها ومثلها، وبما أن الفساد يمثّل أبرز صفات ذلك النوع من الأنظمة، فمن الطبيعي أن تكون هذه الفئة قد انخرطت، بطريقة أو أخرى، في هذا الفساد، لا يهم، هنا، نسبة ودرجة تورطهم، لكنهم يخافون أن تنبش الثّورات، الأنظمة الجديدة، ملفاتهم الأمنية.

ليس هؤلاء مع الثورة، حتى لو لم يحملوا السلاح ضدها، وحتى لو لم يعارضوها علناً، وقد يتعاطفون مع ضحاياها، لكن ذلك شيء، وأداؤهم شيء آخر. ثم إن لهم امتيازات ومصالح معينة، حصّلوها بطريقةٍ أو أخرى، نحن نتكلم عن أنظمةٍ، استقرّت وحكمت عقوداً، ومنحها ذلك الوقت القدرة على التحكّم في اختيار كوادرها، وتشكيلهم بما يتناسب وطريقة عملها، والمشكلة أن هذا الكادر يمتلك القدرة على تسيير أمور الدّولة، وإدامة فعاليتها على كل الصعد، ويستطيع تأخير وعرقلة إحلال التغيير، بل وقد يجعله مستحيلاً.

في المقابل، الثوار، في الغالب، ثلاث فئات: المهمشون والمتضررون، والذين يعتقدون أن هذه الدولة، بقيمها وأدائها، لا تمثلهم، والذين يرون أن الدولة لا تستطيع أن تعكس أحلامهم وتصوراتهم وثقافتهم، هؤلاء جميعهم، في الغالب، خارج أطر الدولة ومؤسّساتها، ولا يتقنون إدارتها. لذا، غالباً ما تكون فعاليتهم في الاعتراض أكبر من قدرتهم على الإدارة، إضافة إلى أنّ إحلال الأنماط والتصوّرات الجديدة في الإدارة والتسيير، وتحويلها إلى أسلوب عمل يأخذ وقتاً طويلاً، وتجري موضعتها بالتدريج.

ومن المعلوم أن الثّورات تمرّ بمرحلةٍ، يمكن تشبيهها بـ"الخداج"، تحتاج، في أثنائها، مناخاً وشروطاً مناسبة، لنموها وتطورها وبقائها على قيد الحياة، لأنّها ترث وضعاً صعباً، بالأصل هي تحصل عند النقطة التي تكون فيها الأنظمة السابقة قد أوصلت البلاد إلى وضع فاق القدرة على الاحتمال بمسافة، وخصوصاً على الصعد المعيشية والخدمية، وواقع البنى التحتية، وتفشي الفساد، إلى درجات فاقعة، وبالتالي، الوضع الذي ترثه الثورات معقد جداً، مؤسسات خربة، أو مشوّهة، وخزائن فارغة، أو تم تهريبها، والمشكلة أن الثّورات تكون أمام إلحاح تظهير الفارق بينها وبين النّظم السابقة، حيث يرغب مجتمع الثورة في الحصول على هذا الفارق، بأقصر وقت ممكن، ما يشكّل بيئة ضاغطة ومربكة لقيادات الثورات، كما أنها تكون تحت مجهر المتضررين والمشككين، فيما التغييرات على أرض الواقع تحتاج فترة لظهورها. وهنا، في الأداء العملي، لا تكفي أحلام الثوار، ولا نيات قادة الثورات. هنا، تصبح الحاجة ملحّة للإدارة الناجحة التي تحتكرها بيروقراطية الدولة العميقة.

على ذلك، تكون دولة الثّورة أمام خيارين، ينطويان على مخاطر جمّة: الأول تفكيك بنى الدولة العميقة وهياكلها دفعة واحدة، وإحلال دولة الثّورة مكانها، وبذلك تتخلص الثّورة من الابتزاز، ومن احتمالات الثّورة المضادة، غير أنّ خطورة هذا الإجراء تتأتى من حصول الفوضى، وتعطّل فعالية النظام الجديد. الثاني: عقد تسوية مع الدولة العميقة، أو صياغة عقد اجتماعي، يضمن لها بعض مصالحها صراحة، بعدم المساس بأوضاعها القانونية وامتيازاتها، غير أنّ من شأن ذلك أن يؤدي إلى ابتلاع الدولة العميقة للثّورة، وهضمها، ثم تهميشها وعزلها، بعد أن يتم تحويلها إلى مجرد تمرد من الماضي.

ما العمل؟ في التجربة المعاصرة، نكتشف أن الدولة العميقة في أوروبا الشرقية ساعدت في إنجاح التحول، لاقتناعها بالتغيير، ولوجود ظرف دولي مناسب، لم يكن موجوداً زمن ربيع براغ، وتقدّم التجربة التركية التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية طريقة سلسة وناجحة، عبر التسلل إلى الدولة العميقة، بالإنجازات الشعبية والأدوات الديمقراطية، ثم عزل تأثيراتها ومفاعيلها، وتبدو التجربة التركية الأقل ضرراً، والأكثر فعالية، على الرغم من أنها تؤخر ظهور نتائج الثورات، حتى عقد على الأقل، زوال جيل كامل من القياديين الإداريين، وربما حتى يصار إلى انغماس العدد الكافي من الجيل الذي أفرزته الثّورة ضمن بنى الدولة.