الصين تسحب البساط التجاري من أميركا عبر مشروعات الحزام والطريق

23 ديسمبر 2017
الصورة
الرئيس شي ينظر بسخرية لنظيره ترامب (Getty)
+ الخط -
تواصل الصين التمدد التجاري العالمي وإقناع الدول بالتحول في تجارتها الثنائية من التسوية بالدولار إلى اليوان، ضمن مبادرة "الحزام والطريق" التي ترصد لها تمويلات تقدر بـ4 ترليونات دولار خلال عشر سنوات. وتستغل الصين في تمددها التجاري احتياطاتها الدولارية الضخمة التي تزيد عن 3 ترليونات دولار.
وعبر مبادرة الحزام والطريق تسحب الصين تدريجياً البساط التجاري من الولايات المتحدة الأميركية في أجزاء واسعة من العالم.

وخلافاً لمنطق التهديد الأميركي الذي يمارسه الرئيس دونالد ترامب بقطع المساعدات عن الدول التي تخالفه الرأي، كما حدث مساء الخميس في التصويت بالأمم المتحدة بشأن سحب قرار القدس، فإن الصين تقدم تمويلات لمشاريع ضخمة للبنية الأساسية في الدول الآسيوية والأفريقية ضمن منصة تفاوض مشتركة ومتعددة الأطراف.
آخر اتفاقات التحول من الدولار إلى اليوان جاءت من باكستان، حيث قال وزير التخطيط والتنمية الباكستاني إحسان إقبال إن بلاده تخطط للتحول من العملة الأميركية في تسوية تجارتها مع الصين إلى اليوان. وذلك وفقاً لما نقلت صحيفة "ذي إيكونومك تايمز" الباكستانية عن الوزير قبل يومين.

وكانت باكستان قد ناقشت مع الصين خطة طويلة المدى في نهاية الشهر الماضي لتمويل شبكة طرق وجسور وموانئ بقيمة 57 مليار دولار، ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
وتهدف مبادرة "الحزام والطريق" التي ابتدعتها الصين في العام 2013، وباتت تمثل استراتيجية بكين للتمدد التجاري وتدويل عملتها اليوان، إلى بناء شبكة للتجارة والبنية التحتية تربط آسيا مع أفريقيا وأوروبا على طول مسارات التجارة البرية والبحرية القديمة.
وتتألف هذه الشبكة من الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الـ21. ويضاف إلى ذلك أن باكستان والصين اتفقتا على اعتماد نظام لتبادل العملات في تجارة الحدود.

وحتى الآن أنفقت بكين أكثر من نصف ترليون دولار في مبادرة "الحزام والطريق"، التي تنظر لها دول مجموعة "بريكس" وبعض دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، فرصة للتخلص من "هيمنة الدولار والاستعمار التجاري الأميركي"، فيما ينظر لها بعض أقطاب الرأسمالية على أنها ستقود تدريجياً إلى "استعمار اقتصادي صيني جديد"، تهيمن فيه الصين بمساندة روسية على الممرات وشبكة المواصلات والتجارة في العالم.
ومن المخاوف التي تطرحها مشاريع مبادرة "الحزام والطريق" أن القروض التي يمنحها كل من بنك الاستيراد والصادرات الصيني وبنك التنمية الصيني، تشترط أن 70% منها يجب أن يستخدم في شراء معدات صينية، كما تشترط كذلك استخدام عمال صينيين وشركات صينية في تنفيذ المشاريع الممولة.
وهذه الشروط تفتح الباب عملياً إلى نفوذ تجاري واقتصادي صيني على الدول التي يمر بها الحزام الاقتصادي الصيني.

وتشبه مبادرة "الحزام والطريق" من الناحية الاقتصادية مشروع مارشال الذي أنفقت عليه الولايات المتحدة 130 مليار دولار" بحساب الدولار في العام 2015"، لإعادة بناء أوروبا الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وكانت أهداف مشروع مارشال واضحة المعالم، وهي إعادة بناء أوروبا الغربية كسوق مستقبلي للبضائع الأميركية وإنعاش الصناعة الأميركية، وعلى الصعيد السياسي فإن أميركا كانت ترغب في إيقاف المد الشيوعي القادم من روسيا ودول أوروبا الشرقية، إلى دول أوروبا الغربية.

أما بالنسبة لمشروع "الحزام والطريق"، فإن الأهداف الاقتصادية تبدو واضحة المعالم، أما الأهداف السياسية تبدو غير واضحة. حيث أن مبادرة الطريق تمتد عبر أكثر من 60 دولة، والعديد من هذه الدول تقع ضمن النفوذ السياسي الصيني، وبالتالي ربما تفقد استثماراتها في حال حدوث توتر مع أميركا.
ويلاحظ أن آراء خبراء وسياسيين تعددت حول المبادرة في منتدى بباريس عقد أمس الجمعة، وتناول تقييمها، فبينما رأى البعض أن المبادرة سمحت لدول مختلفة أن تجلس معاً حول الطاولة لبحث التعاون، وأنها مقدمة لبناء نظام تجاري واقتصادي جديد "متعدد المحاور"، وأن الحوار المتعدد الأطراف الذي تفتحه المبادرة يعد نموذجاً جيداً للتعاون، ولا سيما في العالم اليوم، يرى آخرون أنها ستمثل عقبة رئيسية أمام التطور الاقتصادي الحر بسبب طبيعة النظام المركزي الذي يحكم الدولة في الصين.

وترغب بكين عبر المبادرة في إيجاد عقود لشركات البناء وصناعة الأسمنت والصلب التي أنهت عمليات التحديث الضخمة في الطرق والمواصلات والسكك الحديدية والجسور وبناء المدن.
ويلاحظ أن الاقتصاد الصيني بعد فترة نمو يفوق 10 % ووصل في بعض الأحيان إلى 13 و15%، عاد للتباطؤ خلال العام الماضي والعام الجاري وأصبح النمو أقل من 7.0%. وبالتالي، فإن مشروع "الحزام والطريق" يستهدف دفع عجلة النمو عبر التجارة الخارجية، ويستهدف كذلك إيجاد عقود ضخمة للشركات والصناعة الصينية، في وقت فقد الاقتصاد الصيني قوة الدفع.
ومن جانب آخر فإن الصين تجري تحولاً في النمو الداخلي خلال السنوات المقبلة، وهو تحويل النمو الاقتصادي من الصناعات الثقيلة إلى اقتصاد يقوم داخلياً على الخدمات والاستهلاك المحلي.

كما تعتقد الصين أن هذه المبادرة ستمكنها من خفض كلف التصدير وكذلك كلف استيراد المواد الخام، خاصة النفط من المنطقة العربية. وإضافة إلى خفض كلف النقل للصادرات والواردات، هنالك أربعة أهداف رئيسية تلخصها دراسة لمعهد "بيترسون انستيتيوت" للدراسات الاقتصادية في واشنطن في النقاط التالية وهي:

أولاً: خفض نسبة اعتماد النمو الاقتصادي على الاستثمار في مشروعات البنى التحتية الداخلية. وهذا يعني أن على شركات البناء ومواد البناء الصينية أن تبحث عن عقود خارجية مع تباطؤ الاقتصاد والتوجه الجديد المرسوم للإصلاح الاقتصادي. وتتوقع الحكومة الصينية، أن توفر مبادرة "الحزام والطريق" فرص عقود جديدة لشركات البناء ومصانع الحديد والأسمنت. وتشترط الحكومة الصينية الربط بين تنفيذ مشروعات الحزام والطريق في الدول التي يمر بها الطريق أن تمنح جزءاً كبيراً من تنفيذ المشروع لشركات صينية.

ثانياً: تستهدف الصين من هذا الإنفاق الضخم على مشروعات "الحزام والطريق"، تدويل اليوان وجعله عملة احتياط عالمية. وذلك عبر زيادة حجم استخدامه عالمياً في تسوية الصفقات المالية والتجارة. ولهذا الغرض تستخدم الحكومة الصينية اليوان في تمويل مشروعات "الحزام والطريق" الممتدة عبر ثلاث قارات. وهو ما يعني أن اليوان سيصبح عملة تمويل لمشروعات ضخمة.

ثالثا: تأمين إمدادات الطاقة عبر إنشاء أنابيب نفطية تربطها مع وسط آسيا وروسيا وجنوب شرقي آسيا. ويذكر أن الطلب على الطاقة في الصين ارتفع بنسبة كبيرة خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط. كما أن الصين التي تعاني مدنها الكبيرة من التلوث، تتجه لإيقاف استخدام الفحم الحجري في الطاقة. ويعني إيقاف استخدام الفحم الحجري، التوسع في استخدام النفط والغاز الطبيعي خلال السنوات المقبلة.

رابعاً: مبادرة "الحزام والطريق"، واحدة من وسائل تنمية اقتصادات الدول التي يمر بها الطريق وخطوط السكك الحديدية ورفع مستويات الدخول لمواطني هذه الدول. بالتالي، يعتقد الصينيون أن ذلك سيرفع من الطلب على البضائع الصينية. وتتوقع الصين أن تفوق التجارة مع دول الحزام والطريق 2.5 ترليون دولار بحلول العام 2025.


المساهمون