كيف تجاوزت تونس محنة الثمانين يوماً؟

18 أكتوبر 2019
الصورة
أفضت الانتخابات إلى صعود أحزاب وقوى جديدة (Getty)


منذ 25 يوليو/تموز الماضي، تاريخ وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، تاريخ فوز الرئيس الجديد قيس سعيّد بالانتخابات الرئاسية، مسافة اختبار طويلة عاشها التونسيون على امتداد 80 يوماً، كانت حُبلى بالأحداث المتلاحقة التي جاءت لتضع التجربة الديمقراطية على المحك، وتختبر مدى صلابتها وقدرتها على التعامل مع التطورات، المنتظرة والمفاجئة. وخلال هذه الفترة نصّبت تونس رئيساً جديداً مؤقتاً هو محمد الناصر، ورئيساً للبرلمان هو عبد الفتاح مورو، ونظّمت جنازة شعبية لائقة برئيسها الراحل، وأقرت انتخابات رئاسية مبكرة، ونظمت انتخابات رئاسية على دورتين وانتخابات تشريعية لاختيار البرلمان الجديد، في الداخل، وفي عشرات العواصم الدولية للمواطنين في الخارج.

وكأن كل هذه الاختبارات لا تكفي، وُضعت هيئة الانتخابات المستقلة والقضاء أمام أسئلة صعبة للغاية، بعد إيقاف أحد المرشحين للرئاسة نبيل القروي، بتهم تبييض أموال وتهرب ضريبي، لينطلق الجدل ما بين استقلال القضاء ونزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص. وخاض التونسيون حملات انتخابية قوية، تنافست فيها شخصيات وأحزاب وازنة، لكنها أفضت إلى صعود أحزاب وقوى جديدة وشخصيات من خارج الدائرة التقليدية لمنظومة الحكم، والمعارضة، وانتهت بانتخاب شخصية عادية، لا سلطة له ولا حزباً ولا إمكانات مادية تذكر، هو قيس سعيّد، ودفعت به إلى أعلى هرم السلطة، بينما بقي الآخرون مذهولين من هذه المفاجأة، التي لم تكن مفاجئة للتونسيين، الذين كانوا يعتبرونه منذ ست سنوات من الشخصيات الأقدر على قيادة البلاد، وأخرجوه من ذاكرتهم وتوقعاتهم عندما آن الأوان ونضجت الظروف.

وليست هذه المراحل إلا عناوين كبرى لرحلة الثمانين يوماً، فما بينها تفاصيل كثيرة أخرى، يعود بعضها إلى يوم وفاة السبسي، وما حفل به من أحداث معلومة وغير معلومة، واصطدام المسار الدستوري بغياب محكمة دستورية، وما حدث بعدها من صراعات في الكواليس السياسية، ما بين قصر الرئاسة وقصر الحكومة ومبنى البرلمان، لاسيما المؤسسة العسكرية وهيئة الانتخابات، اللتين أثبتتا للعالم أنهما حاميتا المسار وقداسة الصندوق وخيار المواطنين. ولم ترضخ الهيئة لأيّ من الضغوط التي مورست عليها، وفرضت مواعيد جديدة حددتها بنفسها للمسار الانتخابي، على الرغم من رفض الأحزاب. وعاد وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي إلى منصبه بعدما فشل في الانتخابات، وتولى الجيش التونسي حماية كل الصناديق ومراكز الاقتراع، ولم يحدث طيلة الثمانين يوماً أي خروج عن القانون ولا اضطرابات في أي مكان. وبعدما انتهت الانتخابات، خرجت كل الأحزاب والشخصيات لتُعلن قبولها بالنتائج وانصياعها لإرادة الناس، على الرغم من أن ما حدث غيّر كل التوازنات السياسية، وقاد إلى مشهد جديد، مُحيت فيه أحزاب تماماً من الخارطة السياسية، وصعدت أخرى لم تكن في دائرة الحسبان ولا التوقعات.

وأكد رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بفون أن هناك أطرافاً مارست ضغوطاً على الهيئة من خلال محادثات مباشرة أو اتصالات بالهاتف، أو عن طريق الإعلام أو هجمات من خلال "فيسبوك". وقال بفون، في ندوة صحافية عقدتها الهيئة بعد الانتخابات، إن الضغوط كانت حول موعد الدور الأول للانتخابات الرئاسية وغيرها، مؤكداً أن للهيئة استقلالها المالي والإداري ما يجعلها قادرة على مجابهة هذه الضغوط وعدم الاستجابة لها. واعتبر أنه ليس من السهل تنظيم 3 استحقاقات انتخابية في ظرف وجيز، ومن الطبيعي أن توجد ضغوط من جميع الأطراف، لكن للهيئة حصانة ما يجعلها قادرة على التصدي لها.


وتعليقاً على ذلك، اعتبر المحلل السياسي حمزة المدب، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ الانتخابات التشريعية والرئاسية المبكرة التي مرت بها تونس أثبتت تجذر الديمقراطية في البلد، وذلك على الرغم من كل الحيثيات والأزمات التي مر بها المسار الانتخابي، من اعتقال رئيس حزب "قلب تونس" نبيل القروي، إلى تجاوز السقف المالي لعدد من المرشحين، وغيرها. وأضاف أنه في كل الحالات لم يكن هناك طعن في نتيجة الانتخابات، وكان هناك قبول واسع من مختلف التيارات السياسية، على الرغم من المفاجآت التي أفرزتها الانتخابات من صعود قيس سعيّد في الرئاسية و"ائتلاف الكرامة" في التشريعية، وهزيمة قوى كان متوقعاً أن تكون نتائجها أفضل بكثير مما تحقق. واعتبر المدب أنّ الانتخابات أثبتت مرونة المسار الديمقراطي وقدرته على تجاوز الأزمات، وهذا لا يعني عدم وجود مطبات وصعوبات، لكنه يعني أيضاً بداية تجذر الممارسة الديمقراطية في تونس.

من جهته، اعتبر المحلل السياسي والكاتب الصحافي محمد بوعود، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ المسار الذي مرت به تونس، منذ وفاة السبسي لغاية اليوم، كان سلساً، وأثبت التونسيون أنهم استوعبوا مقتضيات الانتقال الديمقراطي بالاحتكام إلى الصندوق، كما برهنت أجهزة الدولة وهيئة الانتخابات أنها قادرة على إدارة العملية الانتخابية والديمقراطية بكفاءة وجدارة. واعتبر أنه وعلى الرغم من أن الاستحقاقات كانت متقاربة، إلا أنه أصبح بالإمكان التفاؤل مهما كانت الصعوبات الحقيقية التي قد تعترض تونس في المرحلتين الحالية والمقبلة. وأوضح أن هناك صعوبات سياسية في تشكيل الحكومة وتكوين الحزام السياسي للسلطة وصعوبات اقتصادية لا تبدو قريبة الحل، إلى جانب صعوبات اجتماعية ناتجة عن ارتفاع الأسعار والبطالة وملفات الفساد وسوء التصرف، مشيراً إلى أن السلطة المنتخبة حالياً تحظى بشرعية شعبية يمكن استثمارها في استصدار قرارات ثورية حقيقية، تستطيع من خلالها أن تحد من الخسائر وتُنقذ البلاد، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية في انتظار أن تتحقق.

أما وزير العدل الأسبق العميد محمد صالح بن عيسى فقيّم، في حديث لـ"العربي الجديد"، مسار انتقال السلطة منذ وفاة السبسي إلى غاية انتخاب الرئيس الجديد، بالمسار السليم، على الرغم من وجود عدة عثرات فيه، معتبراً أن هذا المسار، الذي تزامن مع انتهاء ولاية البرلمان، وضرورة إجراء انتخابات تشريعية احتراماً للآجال الدستورية كشف قدرة على إنجاح هذه المحطات. وتتمثّل العثرات والنقائص التي شابت مسار انتقال السلطة، في غياب الضمانة الأولى لاحترام الدستور وهي المحكمة الدستورية، وتم الوقوف على ذلك منذ اللحظات الأولى لإعلان وفاة السبسي، إذ لم تكن بالإمكان معاينة الشغور النهائي لمنصب رئاسة الجمهورية من قبل المحكمة، ما استوجب استشارة الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين من أجل غطاء دستوري لعملية نقل السلطة إلى الرئيس المؤقت محمد الناصر والدعوة لانتخابات مبكرة.

ومن نقائص المسار أيضاً، أن السلطات المختصة لم تكن قادرة على السيطرة على الخروقات التي وقعت خلال العملية الانتخابية، والتي أقرت بوجودها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمجتمع المدني، وتركت أثراً سلبياً لدى الرأي العام، على الرغم من عدم تأثيرها في نتائج الانتخابات. إضافة إلى ذلك، ما تزال مسألة السيطرة على تمويل الحملة الانتخابية مطروحة، ويُنتظر من محكمة المحاسبات أن تبت بشأنها بعد تثبتها من التقارير المالية للأحزاب المترشحة للتشريعية ولمترشحي الرئاسية. ويُعد ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية في دورها الأول والتشريعية من بين النقاط السوداء في هذا المسار. وأبرز العميد بن عيسى أن نسبة الإقبال مقياس لمدى التزام المواطن بواجب التصويت، وعلى الهيئة أن تطمح إلى أكثر من ذلك، بتسجيل من تتوفر فيهم صفة الناخب، وتخلفوا عن ذلك خلال هذه المحطات.

ولا يمكن الجزم بأن العثرات قد انتهت بانتخاب رئيس جديد، فأستاذ القانون بن عيسى ينظر بحذر إلى مسار تشكيل الحكومة الذي سيسجل صعوبات كثيرة، لا سيما في ظل مواقف أحزاب فائزة بالمرتبتين الثانية والثالثة في البرلمان حول مسألة تحالفات الحكم، وهو ما من شأنه أن يُصعّب عملية تشكيل الحكومة ومنحها الثقة، وقد يُسقط البلاد في مطب تجاوز الآجال الدستورية وحل البرلمان من أجل انتخابات تشريعية مبكرة. ويعوّل بن عيسى على روح المسؤولية وحس المصلحة الوطنية لدى الأطراف السياسية لتجنّب هذا المأزق، فيما لا يزال التساؤل حول العلاقة بين رئيس الدولة والرأس الثاني للسلطة التنفيذية والبرلمان مطروحاً بقوة، لا سيما أن هذه العلاقة ستشهد تغيراً، مقارنة بما عاشته البلاد قبل وفاة السبسي وسياسة التوافق آنذاك.

ولا يمكن تجاوز قراءة هذه الأحداث من دون التوقف عند الموقف التاريخي للرئيس المؤقت محمد الناصر، الذي فرض على كل الأحزاب وعلى هيئة الانتخابات منذ اليوم الأول ضرورة التقيد بالدستور واحترام ما ينص عليه من مدة لا تتجاوز تسعين يوماً. وقال الناصر في اجتماع مغلق إنه لن يزيد يوماً واحداً في القصر، علاوة على أنه لم يترشح للانتخابات، وضغط باتجاه إطلاق سراح القروي حتى لا تُضرب مصداقية الانتخابات، وحث التونسيين على التصويت، مع الإبقاء على مسافة من الأحداث، وهو موقف سيسجله له التاريخ.