كيف انسحب ترامب من سورية؟

22 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
كانت الطريقة التي أعلن بها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قراره سحب القوة الأميركية من سورية، صادمة ومحيرة ومثيرة للتساؤلات. يرتجل ترامب كثيرا في عملية صناعة القرار، ويغالط في خطابه لتبرير ذلك. ولكنها ثلاثة عوامل مهمة، تحدّد أولويات ترامب، وتلقي ضوءا على قراراته وطريقة وصوله إليها، وهي اقترابه من النزعة الانعزالية في السياسة الأميركية، واهتمامه الكبير بالتأثير الإعلامي، وبحثه المحموم عن الربح المادي.
كان التيار الانعزالي دائماً أصيلاً في المجتمع الأميركي. يرى أنصاره أن الولايات المتحدة يجب أن لا تتدخل في الصراعات الدولية التي تجري خارج حدودها. وعلى الرغم من أن مكان التيار الانعزالي هو في أقصى اليمين، إذا اتبعنا التقسيم السياسي الكلاسيكي، إلا أنه يلتقي في هدفه العملي مع أقصى اليسار التقدمي الرافض سياسة الهيمنة الأميركية، والتدخل العسكري، والحروب التي خاضتها وتخوضها الولايات المتحدة في العالم. ليس ترامب من المختصين في علم السياسة، ولا يحيط نفسه أبدا بمستشارين من المتخصصين فيها، مثل باقي الرؤساء، لكنه يعرف تماما كيف يفكر رجل الشارع الأميركي، فهو يريد عن طريق الانسحاب من سورية أن يقدم للأميركيين إثباتا لطروحاته في الانسحاب من الحروب التي لا تتمتع بتأييد شعبي في 
أميركا. لذلك، كان تعهده بالانسحاب من سورية مبكرا في رئاسته، وقد أدى هذا القرار إلى خلاف حاد مع وزير دفاعه، الجنرال جيمس ماتيس، الذي استقال أواخر العام الماضي، بسبب إصرار ترامب على الانسحاب من سورية. ولكن ترامب خفّف قراره بناءً على نصائح كثيرة، ووافق على الإبقاء على بضع مئات من القوات في سورية، للاستمرار في العمل مع الوحدات الكردية. ولكن ترامب لم يرض بالتراجع. ولذلك عاد إلى الإعلان عن تنفيذ قراره، لتأتي العملية العسكرية التركية مباشرةً بعد ذلك.
تظهر ملامح اهتمام ترامب بالإعلام، وتركيزه على التأثير الإعلامي لقراراته وخطابه، في تسويق قراره الانسحاب من سورية، وفي مواجهته عاصفة النقد التي تبعته، فقد ركّز ترامب، في خطابه، على أنه يريد انسحاب أميركا من الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط. وتحدّث عن ذهاب الولايات المتحدة إلى الحرب بسبب مزاعم وجود أسلحة دمار شامل تبيّن عدم وجودها، وعن المبالغ الهائلة التي خسرتها أميركا جرّاء تلك الحروب. هذا صحيح، إلا أنه يتعلق بحرب العراق، وليس بسورية، لكن ترامب يلجأ إلى خلط الأوراق، من أجل إحداث التأثير على أوساطٍ شعبيةٍ ليست خبيرة في تفاصيل منطقة الشرق الأوسط، والفروق بين بلدانها وتفاصيل صراعاتها.
ترامب المسكون باتجاهات الرأي العام وبالتأثير الإعلامي لكل ما يفعله، وانعكاس ذلك على الناخبين، يخاطر، هذه المرة، في قضيةٍ تتعلق بالأمن القومي الأميركي، فتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عدو واضح، ترسخ اسمه عند الأميركيين، مثل تنظيم القاعدة. ولذلك تعرّض ترامب وقراره للهجوم من قادة الكونغرس، ومن عسكريين سابقين. وإذا كانت لغة إدانة التخلي عن 
الحلفاء الميدانيين الكرد قد سادت في خطابات المنتقدين، فإن الأهم هو تأثير الانسحاب على احتمالية عودة تنظيم الدولة الإسلامية إلى التجمع واستغلال النزاع بين تركيا والكرد. ويرد ترامب أيضا بخطاب له مؤيدون، وهو أن أميركا قد هزمت التنظيم، وأن الدول الأخرى يجب أن تتحمل مسؤوليتها، لكنه طبعا يقدم طروحاتٍ غريبةً بشأن انتقال مسؤولية حراسة سجناء التنظيم من الكرد إلى تركيا، على الرغم من أن الحرب بينهما ستؤدي، على الأرجح، إلى إفلات أولئك السجناء.
أما اقتصاديا، وفي حسابات الربح والخسارة، فيتعامل ترامب مع كل القرارات تقريبا من وجهة نظر رجل الأعمال، ولكن ليس رجل الأعمال المسؤول، والمحافظ على علاقاته والتزاماته، وإنما الجشع الباحث عن الربح بأي طريقة، ففيما يتحدّث عن سحب جنوده من سورية يقرّر، في الوقت نفسه، يقرّر إرسال ثلاثة آلاف جندي إضافي إلى السعودية لحمايتها. يقف ترامب صريحا ليقول إن السعودية وافقت على أن تدفع مقابل ذلك كله. وبذلك أصبح عدد القوات الإضافية التي أرسلها ترامب إلى السعودية، منذ مايو/ أيار الماضي، أربعة عشر ألف جندي أميركي.
قد تنجح طريقة ترامب، بكل تناقضاتها تلك، في تحقيق أهدافه، خصوصا إذا لم يبرز أي خبر صادم إلى عناوين الأخبار، مثل مقتل جنود أميركيين أو عملية يشنها جهاديون على الأرض الأميركية أو ضد أميركيين في الشرق الأوسط. ليس لترامب مذهب سياسي في السياسة 
الخارجية، فهو ليس معنيا بذلك. شعاره الأبرز في إعادة أميركا إلى عظمتها ثانية، بحسب تعريفه، هو شعار شعبوي، يتعلق بتصديق قواعده الانتخابية، لا بالحقائق. ولكن من المهم أيضا التذكير بأن سياسات الرؤساء الذين سبقوه كانت لها أيضا نتائج كارثية، أدت إلى تعميق الاستياء الشعبي في أميركا، وتقوية التيار الانعزالي، فغزو إدارة بوش العراق وتدميره وتأجيج الصراعات الطائفية بعد ذلك، وتخاذل أوباما عن أي تدخل لإيقاف المجازر في سورية، لم تأت بأي خير للشرق الأوسط، ولا للولايات المتحدة. يبقى صوت المال والمصالح الذي ينتمي إليه ترامب ويمثله، والاقتصاد هو المؤثر الأهم في خيارات الناخبين في الولايات المتحدة وفي أي مكان.