كيف أصيب هؤلاء بالوباء؟

16 سبتمبر 2020
الصورة

يبدو العنوان قابضًا؛ فأنت مقبلٌ على أن تشتمّ رائحة العذاب، ثم الموت، لضحايا أصيبوا بوباء، لم يتوصّل العلم إلى علاجه بعد، أو ربما كانت نسبة النجاة منه ضئيلة، ولكنهم أصيبوا به مصادفة، لا أكثر. حظٌّ عاثر، هكذا سوف يصفه كاتب متعثِّر النجوميّة، حين ينوي أن يكتب عن وباءٍ ما، ويضع من خلال معاناة بلده رواية، ربما يُكتب لها قليل من الشهرة. ولكنّ آخرين، وهم كثر، سوف يقولون: لقد أصيب به قضاءً وقدرا. أمّا أهل الطبابة، فسوف يقولون: إنّه قد أصيب به؛ لأنه لم يتوخَّ أساليب الحرص، وأسباب السلامة، في هذه الظروف.

يفتح هذا السؤال بابًا واسعًا، وعلى مصراعيه، لكتابة قصص إنسانيّة كثيرة، ربما يبدو بعضها صحفيًّا خالصًا، حين يكتب أحدهم، من خلال موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، أصيب فلان بالوباء؛ لأنه عانق والده المسنّ، قبل أن يغادر إلى مركز الحجر الصحِّي، في أقصى المدينة. كان مصمِّمًا على وداع والده المسنّ، ووالده لم يخذله، ولم يفكّر أحدهما بعواقب هذا العناق، وبأن الابن الشاب الفتيّ الذي يشتغل عاملًا في أحد المولات الضخمة، قد انتقل إليه الوباء، من زميل له. وهذه سلسلة يصعب تتبُّع بدايتها، وحيث لا نهاية لها، ولكنّنا نمسك بقصة الأب المسنّ المسكين، ونقول إنه أصيب بالوباء؛ لأنه عانق ولده عناقًا أخيرًا، وتوفي الأب، وكُتبت النجاة للابن.

كيف أصيب هؤلاء بالوباء؟ لو حملتُ هذا السؤال، وبدأت في كتابة قصص إنسانية صغيرة، منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه عن دخول الوباء بلادنا، لأصبح لديَّ روايةٌ طويلة، من فصول قصيرة مترابطة ومنفصلة، يحكمها عنوان واحد عن قصص أناس أصيبوا بالوباء، ولا علاقة تربطهم، وربما كانت، في نهاية الفصل الأخير، مفاجأة من العيار الثقيل، فربما توصّلت إلى الشخص، أو المريض الذي أَدخل الوباء البلاد، ويطلق عليه، في الأوساط الطبية، مصطلح المريض رقم صفر.

تأخذك الأحداث في رواية "إيبولا"، للسوداني أمير تاج السر، نحو مناحٍ إنسانية، وعرة وعميقة في الوقت نفسه، وتصبح قاب قوسين، أو أدنى من البكاء، وأنت تتخيَّل فيروس إيبولا ينتقل من عاهرة، في كينشاسا، إلى جسد لويس نوا العامل في معمل للنسيج، في أنزارا، ومنه انتشر في المدينة، حيث جثم الموت، بكلِّ قوَّة فوقها. ونلتقط، خلال رحلة انتشار الوباء والموت، وقصص كثيرة موجعة، ونحن نتتبَّع الخريطة الوبائية، إن أمكن تسميتها بذلك. ولكن تبقى عالقة في ذهنك الزوجة "تبنا" التي تعيش القمع والخيانة، مع زوجها العامل الخائن لويس، وتموت في اللحظة التي تقرِّر فيها أن تتصالح مع الحياة، من خلال قرارها أن تنجب طفلًا من هذا الرجل؛ فتكون نتيجة ذلك إصابتها بالوباء الذي جلبه الرجل؛ بسبب خيانته، وتُكتب له النجاة.

ولكن في رواية "العمى" للبرتغالي جوزيه ساراماغو، نحن أمام مصدر مجهول لوباء خطير أصاب مدينةً بأكملها، حيث فقد الجميع أبصارهم. ولذلك ينشغل الجميع أيضًا بهذه الكارثة، ولا يتساءلون: كيف أصيبوا بالوباء؟ ولكن هذا الوباء يكشف جوانب حياة هشّة، كانوا يعيشونها، حين تجمعهم الحكومة في مكانٍ قذر، ليس إلا صورة مصغَّرة لحياتهم في الخارج، حيث الصراعات للاستحواذ على مقدَّرات بسيطة، أو ثمينة، ففي النهاية هناك جهةٌ تستخدم أسلوب القوّة؛ لكي تتحكَّم بقُوت الضعفاء، وتحاول زوجة الطبيب الوحيدة التي لم تُصب بالوباء أن تناضل؛ من أجل المرضى، وكأنها تحمل رسالة تنتصر للقيم الإنسانية، وتحلمُ بعالمٍ تسوده قيم العدالة والسلام.

أنت في الواقع، حين تسأل: كيف أصيب هؤلاء بالوباء؟ يجب أن تتساءل: وماذا حلَّ بهم بعد ذلك؟ والإجابة تقرأها قطعًا في "إيبولا" و"العمى"، بوصفهما مثاليْن لروايات أدب الأوبئة، فقد حلّ المرض ألسنةً مربوطة، وانكشفت الأسرار، فالموت القريب يغيِّر الأخلاق، ويكرِّس صفات الخوف والجشع والاستبداد.