كيفر ساثرلاند: وحشيّة الأخلاق وبراءة الشرّ

27 مايو 2020
الصورة
كيفر ساثرلاند: الأخلاق أولاً لكن العنف مبرّرٌ (إيثان ميلّر/Getty)
رغم أنّ المنصّة الأميركية "نتفليكس" أعلنت عن توقيف بثّه على شاشتها، في 24 يوليو/ تموز 2019، بعد عرض حلقات موسمه الثالث فقط، استمرّت أقنية تلفزيونية مختلفة في عرض حلقات مواسمه الثلاثة إلى الآن. ومع أنّ ابتكاره (ديفيد غوغنهايم) عائدٌ إلى عام 2016، وبثّ مواسمه ممتدّ بين 21 سبتمبر/ أيلول 2016 و7 يونيو/ حزيران 2019 (الموسمان الأولان على شاشة المحطة الأميركية ABC، صاحبة العرض الأول)، لا يزال كثيرون يجدون فيه عملاً مشوّقاً يرغبون في مشاهدته، وإنْ يبقى قرار إنتاج مواسم جديدة منه مُعلّقاً.
ذلك أنّ "الناجي المُعيَّن" (ترجمة حرفية للعنوان الإنكليزي Designated Survivor) يتابع تفاصيل يومية في سيرة توم كيركمان (كيفر ساثرلاند)، منذ لحظة استلامه رئاسة الولايات المتحدّة الأميركية، إثر مقتل الرئيس ونائبه وعدد كبير من مسؤولي الدولة، في عمل إرهابي تعرّض له مبنى "كابيتول" (واشنطن دي. سي.) أثناء إلقاء الأول خطابه الرسمي عن حال الأمّة. العنوان تعبير أميركي متداول في الإدارة العليا للبلد، إذْ يُفترض بكلّ رئيس أنْ يُشكّل مجلساً يضمّ أعضاء لا يُرافقونه في مناسبات كهذه، لتعيين أحدهم (بحسب تسلسل معيّن) رئيساً للبلد عندما يُصاب البلد بمأساة كتلك.
توم كيركمان شخص متواضع. له ابن وابنة من زوجته التي يُحبّها كثيراً. صادق وشفّاف وصريح، يُريد الخير كلّه لبلده ولناس بلده. يعمل لصالح البلد، ويجهد لتأمين الحقوق إلى ناس البلد. في مناصبه الرسمية المختلفة، السابقة على لحظة دخوله المكتب الأبيض رئيساً "مُعيّناً"، يكشف عن الإيجابيّ والطيبّ في شخصية رجلٍ يريد للسياسة أنْ تخضع للأخلاق. نموذج كهذا يصلح لأنْ يكون "فعل خير"، لكنه يصعب (كي لا يُقال يستحيل) أنْ ينجح في إدارة بلدٍ هو الأول في العالم، وفي رئاسة دولة هي الأقوى، وفي قيادة مؤسّسات ومجتمع مُصابة كلّها بعمل إرهابيّ يقضي على قيادات سياسية وعسكرية واقتصادية دفعة واحدة.


مع هذا، يُصارع توم كيركمان، ويتحوّل ـ شيئاً فشيئاً ـ إلى سياسيّ محنّك، من دون التخلّي عن قيم أخلاقية يؤمن بها، ومن دون التغاضي عن أولوية الصدق والمكاشفة والشفافية في عمل الإدارة، التي (الإدارة) تتعرّض لضربات عدّة بسبب تحالفات ومصالح وحاجات لأناس فاعلين في الإدارة السياسية والقيادة العسكرية واللوبي الاقتصادي المتنوّع. أي أنّ توم كيركمان يبقى النموذج الأخلاقي في البيت الأبيض، مقابل نماذج متمرّسة في الواقعية السياسية، مع ما تقتضيه تلك الواقعية من أفعالٍ "غير أخلاقية" غالباً، ينأى عنها غالباً.

لذا، يتفوّه توم كيركمان مراراً بكلمات تشي بحرصه على الصدق والحقيقة والشفافية، وعلى تعابير الشرف والوفاء والتضحية، رغم بشاعة محيطين به (وهؤلاء ليسوا مستشاريه أو العاملين معه مباشرة، بل أقطاب فاعلون في مؤسسات الدولة والشركات الكبيرة). يُصرّ على كلّ خيرٍ وحبّ وتسامح، رغم كثرة الشرّ والأحقاد/ الكراهية وانعدام الغفران، فللمصالح ـ الفردية والعامة ـ أولوية مطلقة في دهاليز البيت الأبيض.

في هذا، يُقدِّم كيفر ساثرلاند دوراً مليئاً بتناقضاتٍ جمّة، كمن يُمثِّل دوراً يخلو من مآزق نفسية تضع صاحبها في صراعٍ دائم بين التزاماته الأخلاقية، وواجباته الوطنية، والتزاماته السياسية والإدارية للبلد. فرغم وفرة المصائب والأعطاب والتحدّيات، يعجز ساثرلاند، بتأديته توم كيركمان، عن تقديم هذا الكمّ الهائل من التجاذبات والتعقيدات، كأنّ هذا كلّه مجرّد حالات عابرة، لا مآزق أخلاقية جذرية. ومع أنّه يصطدم بهذا كلّه دائماً، فإنّ أداء الممثل في المستويات النفسية والروحية والعاطفية عاديٌ وغير مُثير.

توم كيركمان مختلف تماماً عن جاك باور (ساثرلاند)، في "24"، لمبتكريه جويل سورنو وروبرت كوشْران (6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 ـ 24 مايو/ أيار 2010، على شاشة "فوكس"، علماً أنّ هناك فيلماً تلفزيونياً بعنوان Redemption لجون كاسّار، وسلسلة تلفزيونية صغيرة تتضمّن 12 حلقة فقط، بُثّت بين 5 مايو/ أيار و14 يوليو/ تموز 2014). باور أحد أبرز العاملين في "وحدة مكافحة الإرهاب"، متمرّد غالباً على قرارات قيادة الوحدة والإدارات السياسية، لإيمانه العميق بحدسه، الصائب دائماً. لا تعنيه التسويات إلاّ عند اقتناعه بأنْ لا بديل عنها. لا يكترث بأخلاقيات، فالإرهاب الذي يريد ضرب بلده وناسه لا يفهم غير العنف متنوّع الأشكال، ولا ضرر إطلاقاً، بالنسبة إليه، إنْ يتمّ تجاوز القوانين أو كسرها. مع هذا، أو ربما بسبب هذا، يقوم المسلسل برمّته على "معضلة أخلاقية"، تتمثّل بسؤال جوهري: "أي ثمن نحن مستعدّون لدفعه، كي نحاول إنقاذ ملايين الضحايا المحتملين" ("24: خيار الشرّ"، جان ـ باتيست جانجان فيلمر، منشورات PUF، 2012، ص. 10).

بالنسبة إلى جاك باور، لا قاعدة تُحدّد أسلوب العمل، فالأهمّ كامنٌ في القضاء على الإرهابيين، وبعضهم مسلمون طبعاً، قبل تنفيذ أعمالهم على الأرض الأميركية. مع هذا، شعور باور بالذنب يختفي سريعاً، لأنّ المهمات الملقاة عليه أهمّ من التورّط في قلق أخلاقي إزاء فعلٍ يُنقذ "ملايين الضحايا المحتملين"، مهما يحتمل الفعل من عنفٍ يبلغ أحياناً مراتب شنيعة من التعذيب الجسدي. 
توم كيركمان وجاك باور نموذجان أميركيان يعكسان جانبين متناقضين لأميركا، القادرة على أنْ تكون ـ في الوقت نفسه ـ طاهرة أخلاقياً ومعنِّفة بقسوة من أجل حماية القيم الأخلاقية التي تستند إليها. الشرّ مرغوبٌ فيه لكونه السبيل الوحيد إلى انتصار الخير. العنف الوحشي مطلوبٌ لأنّه الطريق الوحيدة التي تؤدّي إلى الخلاص والتطهّر من بؤس العالم.
تعليق: