كيس الحليب في الجزائر

27 مارس 2018
الصورة
تغرق الجزائر في أزمة كيس حليب (فايز نورالدين/فرانس برس)
+ الخط -
في الخامسة صباحاً من كل يوم، يبكر الجزائريون، ومنذ أسابيع، للوقوف في طوابير للحصول على كيس حليب. لا يعبّر هذا المشهد عن حالة أزمة عابرة قد يمرّ بها أيّ بلد في حاجة لشيء ما، بل إنه انكشاف فاضح في تسيير بلد مساحته بحجم قارة، تمتدّ من مياه المتوسط إلى تخوم غاو المالية، ومن مشارف طبرقة التونسية إلى سعيدية المغربية، وسكانه بحجم عدد سكان حي في الصين.

كيف يمكن أن يصل بلد نفطي إلى هذا الحال وقد كان سلّة غذاء أوروبا؟ وعلى سبيل المقارنة التي قد تجوز أو لا تجوز، كيف توفّر الصين الحليب لأكثر من 1.4 مليار ساكن، ولا توفّر الجزائر كيس حليب لـ40 مليونا فقط؟ ليست الأبقار هي التي توقّفت عن إنتاج الحليب في الجزائر بالتأكيد، وإلا لجاز السؤال: لماذا يفيض حليب البقرة التونسية عن حاجة التونسيين إلى حدّ أن يرمى يومياً، ولا تدرّ البقرة الجزائرية ما يكفي من حاجيات الجزائريين، وبين مراعي البقرتين 20 كيلومترا فقط؟ القصة ليست قصّة بقرة، لكّنها قصة منظومة الحكم الاقتصادي التي تدير البلد، والتي قصرت عن تدبير حلّ لهذه المعضلة المخجلة بحقّ.

والعبرة أنه ليس الحليب فقط هو الهاجس اليومي للجزائريين، فقد نسي الجزائريون أيضاً شكل السمك، رغم أن الساحل الجزائري يمتدّ على أكثر من 1200 كيلومتر، والأرقام تشير إلى أنّ نصيب الجزائري من السمك سنوياً لا يتجاوز 1.3 كيلوغرام، (مؤشرات المنظمة العالمية للصحة تحثّ على أنّ الحدّ الأدنى لمعدل تناول السمك للفرد هو 7 كيلوغرامات سنوياً)، كما ثمّة أزمة بطاطا ولقاحات، وأزمة غاز في الشتاء وماء في الصيف.

هناك طريقة سهلة يمكن أن تنتج عنها أزمة حليب وبطاطا وأزمة صحة ونقل ومدارس وما أكثر من ذلك، أن تضع مديراً لا يحمل شهادة جامعية لإدارة قطاع العلم والمعرفة، وتضع وزيراً لا يحمل شهادة البكالوريا لإدارة علاقات البلد بمحيطه، وتعيّن وزيرين، واحد لإدارة العلاقة بين الحكومة وتشريع القوانين في البرلمان، وآخر للتضامن، تحكم المحكمة الإدارية ببطلان شهادتهما الجامعية، وتعيّن تسعة وزراء على قطاع الفلاحة في ظرف 18 سنة بمعدل أقلّ من سنتين لكل وزير، وتعيّن 18 حكومة في 18 سنة حكم، وتنفق على الدبابة أكثر مما تنفق على الجامعة، وتُحيل كل من يقول إن "الطريق ليس من هنا" إلى الهامش. هذه هي الوصفة الوحيدة التي يمكن أن تحوّل بلداً نفطياً وزراعياً إلى بلد عطشان للحليب والماء والغاز.

العالم يتغيّر. دول تختفي وأخرى تظهر. تتبدل الجغرافيا والتحالفات وتتشابك العلاقات بين الدول والمناطق. شقّت أنهار وقنوات. وقبل أيام أرسل المسبار الأميركي "كاسيني" صوراً لزحل عن بعد 1.1 مليون كيلومتر، بينما تغرق الجزائر في أزمة كيس حليب.

المساهمون