كيت بوش... أغانٍ تُضيء مرتفعات ويذرينغ

02 اغسطس 2020
الصورة
صمّمت أستوديو خاصاً بها في منزل أسرتها وجهّزته بأحدث الوسائل (Getty)
+ الخط -

أعترف أنني لو كنت من بين أعضاء مجلس إدارة شركة إي إم آي EMI لإنتاج الأسطوانات الموسيقية، حين عرضت عليهم كيت بوش عام 1977 أغنية "مرتفعات ويذرينغ" Wuthering Hights بغية إقناعهم بإنتاجها، لسارعت بالرفض. وسيثبت التاريخ بأنني كنت مخطئاً جداً. 
العنوان مقتبس عن رواية شهيرة للكاتبة البريطانية إيميلي برونتي Emily Brönte تحمل ذات الاسم. حين شاهدَت كيت، ابنة العشرين عاماً آنذاك، واحدة من حلقات مسلسل تلفزيوني يُجسِّد أحداث القصة، تأثرت فاستلهمت منها الكلمات والألحان، بالإضافة إلى استعارتها اسم الرواية. صوت كيت، لدى تسجيل الأغنية، حادٌ مرتفع بشكل لا يُحتمل. أما التوزيع، فعوضاً عن أن تقوم الآلات المرافقة بموازنة حدة الصوت وارتفاعه، وإذا بدورها تحتد وترتفع مجاريةً ذات الطبقة. تتوالى النقلات الهارمونية وتتعاقب بأسلوب متخم يوتّر السمع، يشدّه وينهكه حتى التعب.


لقد تحفّظ  جُلّ مجلس الإدارة على إدراج الأغنية ضمن ألبوم كيت الأول، والمُزمع إصداره بعنوان "الركلة بداخلي" The Kick Inside Me. ردّوا عليها بأنها لا تفقه في شؤون المبيعات شيئاً. بيد أن اليافعة الطموحة أبت وأصرّت بعناد، حتى أذعنت الشركة. ثم حدثت المُفاجأة، فالأغنية، غريبة الأطوار، استمرت بالتربع على قمة ترتيب المملكة المتحدة للأغاني المفردة UK Single Chart على مدار أربعة أسابيع متصلة. كما بقيت، من دون منازع، أغنية بوش الأنجح والأكثر شعبية. حتى أنها سُمّيت من قبل مجلة الإنترنت بيتش فورك Pitchfork الأميركية واحدةً من بين الأغاني الخمس الأعظم في حقبة السبعينيات. 
تُجسد "ويذرينغ هايتس"، بجلاء، سمات النبوغ لدى المغنية البريطانية كيت بوش Kate Bush، التي صادف الثلاثون من يوليو/تموز ذكرى ميلادها الثانية والستين، لجهة قدرتها على "التجاوز" Transcendence من خلال تحدّي العادي ونقض السائد والخروج عن المألوف فيزيائياً وفيزيولوجياً وفنياً وروحياً. أحسنت، كما أحسن "تجاوزيّون" آخرون، كـ ديفيد بوي David Bowie، والمغنية الآيسلندية بيورك Bjork، وبيلي آيليش Billie Eilish اليوم، فتح آفاق جديدة في ميادين الفن والموسيقى، والارتحال عبر فضاءات أجنبية غريبة، توسيعاً دؤوباً لمدى الممكن، عبر السبر المستمر لغير الممكن والمستحيل.
في دفاعٍ لها، بمعرض حديث تلفزيوني أجرته، عن راديكالية خيارتها الفنية بإزاء ألبومها الثاني والمعنون "قلب الأسد" Lionheart الذي أُصدر بعد مرور تسعة شهور على نجاح "الركلة بداخلي"، ليأتي نسفاً كاملاً له شكلاً ومضموناً. تقول كيت: "أغانيه، في الواقع، ليست تجارية. لقد حدّثني الكثيرون كيف أنهم أعادوا سماعها خمس أو ست مرات إلى أن أخذوا يحبونها ويطربون إليها، إذ إن أحداً لم يستطع فهمها في بداية الأمر، وهنا تكمن المشكلة؛ لئن يعود الأمر لي حيال أيّ وجهة أرغب بها لفني أن يمضي، فإني سأختار وجهة العمق والقرار، جهة المعاني والأفكار، لا وجهة الترفيه المحض والبقاء ضمن إطار موسيقى البوب الضيق والسطحي".   

موهبتها الاستثنائية ومعارفها الموسيقية الواسعة، إضافة إلى إجادتها العزف على آلة البيانو، كل ذلك، جعل منها العقل المُدبّر والروح المُسيّرة لمعظم أغنياتها، كلماتٍ وألحاناً، توزيعاً وأداءً. استغنت في فترة مبكّرة عن منتجين فنيّين كانوا قد عاونوها في البداية، يُسجلون لها أعمالها ويُخرجونها. صمّمت أستوديو خاصا بها في منزل أسرتها. جهّزته بأحدث الوسائل. قضت به النهارات والليالي تعكف على التجريب والاستكشاف واستحضار الأصوات الجديدة.
مظاهر الفضول الثقافي والفني والانفتاح على لغات وأدوات المستقبل، كل ذلك تجسد في ولعها المُبكّر بآخر المستجدات على صعيد الموسيقى الإلكترونية وتطبيقاتها. بواسطة صديقها موسيقي البوب الإنكليزي بيتر غابرييل Peter Gabriel، تعرفت كيت إلى عالم العيّنات الصوتية المُبرمجة حاسوبياً Sampler، والتي ذاع صيتها في أوائل السبعينيات. حيث تُسجَّل أصوات طبيعية أو صناعية، ثم تُبرمج لتصبح نغمة موسيقية ترتفع وتنخفض، يعزفها الموسيقي من على جهاز كيبورد إلكتروني يُدعى بالـ سينثيسايزر Synthesizer.

سيغدو السامبلر عماد موسيقى البوب الجماهيري في جميع أصقاع العالم مطلع الثمانينيات، مروراً بالتسعينيات، وصولاً إلى اليوم؛ فعبوراً إلى الغد. يبقى اختباره من قبل كيت منذ أربعين عاماً سبقاً فنياً رائداً. ها هي تتحدث عن تجربتها قائلة: "فور سماعي تلك الأصوات العجائبية، أيقنت أنها ما كنت لزمن طويل أبحث عنه. تسجيل ضجيج ثم تصنيعه وإعادة توظيفه موسيقياً، لهو بمثابة حلم موسيقي وقد تحقق، أفتتح به عالماً جديداً كلياً، فيه الكثير اللامتناهي مما أستطيع خلقه واستعماله في استحداث المزيد من العوالم السمعية الفريدة".
انكبّت كيت على اجتراع التقنية الوليدة، وتعاونت مع أبرز المُشتغلين بها لتجيء أغنيتها "بابوشكا" Babooshka" ضمن ألبومها "أبداً إلى الأبد" Never For Ever، من إصدار سنة 1980 مُحمّلة بثمار السامبلر؛ سُجّل صوت تحطيم الزجاج مخبرياً، ثم عولج حاسوبياً ليوظف إيقاعياً عوضاً عن قرع الطبول، فأضفى بذلك على الأغنية وقع عنف مرعب مستفزّ، يتناسب والموضوع الذي يتطرق إلى وصف امرأة عصابية تبتز الزوج عاطفياً وتتلاعب بمشاعره لتحظى به وتسيطر عليه. 


جانب آخر من جوانب نبوغ كيت، وواحد من إسهاماتها المستقبلية، هو إدخال اللوحة الراقصة إلى نواة أغنية البوب المتشكلة من داخل رحم الروك آند رول. ليس على صعيد تصوير الأغاني "الفيديو كليب" وحسب، وإنما تقديمها وأداؤها خلال الحفلات الحية. تدرّبت كيت بنفسها على الرقص المعاصر، على يد واحد من نجومه الكبار، البريطاني لينزي كمب Lindsay Kemp 1938-2018، وأخذت عنه تعمّقه في فن الإيماء Pantomime، من دون أن تهمل العمل الموازي على شحذ وتهذيب مهاراتها في التلحين والكتابة : "كان لتلك الأعوام التي قضيتها أدرس الرقص مع لينزي بالغ الأهمية". تقول كيت: "خلالها، أرسيت دعائم شخصيتي المسرحية، جهزت منصة إطلاق مستقبلي الفني، وعبدّت الطريق التي سأسلكها إبداعياً".

بإتقانها كل من الرقص والغناء، أحدثت كيت بوش مشهدية حفلات البوب الحية. بمشاركة راقصين وراقصات، صممت لوحات يتصدّرها النجم المُغني، كالتي سيعهدها الجمهور لاحقاً بنجوم كبار، كمادونا ومايكل جاكسون. حتى أنها، ولكي تتمكن من الرقص أمام الناس والغناء لهم من على خشبة المسرح، صممت لها حامل ميكروفون ترتديه على الرأس، يتّجه إلى الفم ناحية إحدى الوجنتين، لتوجد بذلك أول عدة ميكروفون رأسي Headset، قبل أن يُمسي عتاداً لا غنى عنه في مجال البث المباشر والعروض الحية. 
بالنسبة إلى التجاوزيين أمثال كيت بوش، لا يتوقف الفن عند النجاح والشهرة ولا يكتفي بهما. ليست الغاية منه جني المال، أو اللايكات (عملة "الأنا" من على منصات السوشيال ميديا)، وليس محبة الناس وشغفهم بالفنان وتعلقهم به ومتابعة أخبار ما يقوله ويفعله. بل إن الفن، في العمق، تجاوزٌ لكل هذا. إنه البحث عن المعنى في ظل غياب المعنى، واستقصاء الإجابة بالسعي إلى طرح السؤال؛ من نحن، ما نحن ولمَ نحن؟ هل ثمة غاية من وجودنا هنا؟ الأمر الذي حدا بـ كيت لأن تغيب عن الأنظار والأسماع مدة اثني عشر عاماً، لا تعود بعدها إلى الظهور إلا في عام 2004 بألبوم وحيد ولفترة وجيزة، كأن الفن قد أخذها بعيداً عن الفن، أو بالأحرى، عميقاً في غياهبه. 
عملاً بما ورد في حديثها، أخذت أستمع إلى أغنية كيت بوش "ويذرينغ هايت" مراتٍ عديدة. إلى أن بدأت أسمع سحراً يتناهى، يفوق قدرات الإنسان، أو ربما يكشف عن مكامنها. صوتها لا يغني قريباً وإنما يُحلق بعيداً. جسدها لا يتحرك وردةً حمراء أمام الغابة ومن خلف الشاشة، وإنما يرفرف هنا كالفراشة التي سكنت فيَّ مذ وُلدتُ ولم أعِها.

دلالات

المساهمون