كيبيك على مشارف محاولة انفصالية ثالثة

كيبيك على مشارف محاولة انفصالية ثالثة

06 نوفمبر 2017
الصورة
من تظاهرة في كيبيك عام 1995 دعماً للانفصال (Getty)
+ الخط -
الحركات الانفصالية، بناء على أسس قومية أو إثنية أو طائفية، ليست وليدة الساعة في الشرق الأوسط وأوروبا. هذا ما يفسّر الضجيج المرافق لاستفتاء الانفصال في إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر/ أيلول الماضي، واستفتاء انفصال إقليم كتالونيا عن إسبانيا في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. غير أن الظروف الحالية في الإقليمين لم تعد مواتية لانفصالهما، في ظلّ رفض إقليمي ودولي، تحت عنوان "وحدة الدول" التي أرستها معادلات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991. إلا أنه، وسط هذه الضوضاء المتنقلة بين الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الإيبيرية في أوروبا، تبدو مقاطعة كيبيك الكندية، وكأنها ترسم خطاً خاصاً بها، يُفترض وفقاً لخطوات أحزاب ومسؤولين فيها، أن يؤدي إلى الانفصال عن كندا، تحقيقاً لحلم قديم يراودهم منذ عام 1976، تاريخ وصول الحزب الكيبيكي الانفصالي إلى السلطة في المقاطعة.

تاريخياً، لم تكن الأمور "جميلة" بين مقاطعة كيبيك وباقي المقاطعات الكندية، فتشارك أراضي القارة الأميركية، بعد اكتشاف كريستوفر كولومبوس لها في عام 1492، بين المستعمرين الأوروبيين، أدى إلى سيطرة الفرنسيين على كيبيك (1.542.056 كيلومتراً مربّعاً و8.4 ملايين نسمة)، والبريطانيين على باقي الأراضي الكندية. وفي عام 1763 تمّ فصل كيبيك عن فرنسا، لتكون جزءاً من المقاطعات الكندية العشر الخاضعة للتاج البريطاني. عملية الضمّ، والعقود والقرون اللاحقة لها، رافقتها سلسلة من الأحداث الدموية العنيفة، لمنع الكيبيكيين من الانفصال. وبعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، اشتدّ زخم دعوات الانفصال إلى الحدّ الذي تمّ فيه تشكيل "جبهة تحرير كيبيك"، التي نفذت بين عامي 1963 و1970، 160 عملاً أمنياً، أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص وجرح العديدين.

بعد ذلك، بزغ نجم الحزبين الانفصاليين: "الحزب الكيبيكي" و"حركة سيادة كيبيك"، اللذين بتقدمهما الصفوف الاقتصادية، التي كانت تهيمن عليها الأقلية الإنكليزية (3.3 في المائة من سكان المقاطعة)، باشرا سلسلة خطوات انفصالية، شبيهة بما حصل في كتالونيا أخيراً. هربت الشركات البريطانية إلى خارج المقاطعة، قبل إجراء أول استفتاء للانفصال في 20 مايو/ أيار 1980، أيّد فيه 40.44 في المائة من المستفتين الانفصال عن كندا، في مقابل تأييد 59.56 في المائة للوحدة معها. سقط الاستفتاء الأول. وفي 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1995، أُجري استفتاء آخر، فاز فيه الوحدويون بنسبة ضئيلة بلغت 50.58 في المائة، في مقابل مطالبة 49.42 في المائة بالانفصال. سقط الاستفتاء الثاني. وتمّ اتهام المتحدرين من أصول أجنبية بإسقاط الحلم الانفصالي.

إثر ذلك، باشرت الأحزاب الانفصالية، عكس كل التوقعات، العمل على جذب أبناء المهاجرين، خصوصاً المصنّفين "علمانيين" منهم، على اعتبار أن كيبيك قامت بثورة بيضاء كفّت فيها يد الكنيسة عن التدخّل في شؤون المقاطعة منتصف القرن الماضي. مع العلم أن سياسة الدولة الكندية ركّزت في السابق على إرسال المهاجرين إلى كندا باتجاه مقاطعة كيبيك، بحجة "خلّوها من الثقل الديمغرافي"، فيما اعتبرت الأحزاب الانفصالية في كيبيك أن هدف الحكومات الكندية كان "إضعاف العنصر الانفصالي عبر زج المهاجرين الوحدويين في المقاطعة". وهو ما دفع الانفصاليين، في خطة ذكية، للعمل على كسب المهاجرين، لا معاداتهم. وحتى الآن، نجح "الحزب الكيبيكي" وحزب "التضامن الكيبيكي" اليساري، في استقطاب العديد من أبناء المهاجرين، في سياسة تعزز مناخات الانفصال مستقبلاً، وفقاً لحسابات اقتصادية، لا سياسية أو قومية بحتة.


في هذا السياق، بدأت معركة النفط في كيبيك. هناك في جزيرة أنتيكوستي، التابعة للمقاطعة، رفض أهالي المنطقة التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة. ورفعوا عرائض متلاحقة بين عامي 2011 و2014، باسم مجموعة "لا للنفط والغاز في كيبيك" المدنية، رفضاً للتنقيب، معللين ذلك بأن "دراسات شركة نفط كيبيك كشفت عن وجود 30 مليار برميل من النفط"، وهو، وفقاً للمعارضين، "مخزون لن يدوم طويلاً، بالتالي فلا لزوم لضرب بيئة كيبيك بسبب هذه الكمية، في ظلّ اتجاه العالم نحو استخدام الطاقة البديلة"، ومنها المياه، التي تُعتبر ثروة فعلية في المساحات المترامية لكيبيك.

أدى ذلك إلى إلغاء عملية نقل النفط عبر الأنابيب من مقاطعة ألبرتا في الغرب الكندي، إلى خليج سان جان، في مقاطعة نيوبرونزويك، المطل على المحيط الأطلسي شرقاً، بطول 4600 كيلومتر. وألغت شركة "ترانس كندا" المشروع الذي كان يحمل اسم "إينيرجي إيست"، بسبب رفض أهالي كيبيك وأحزابها عبور النفط، لما يحمله من ضررٍ بيئي على المقاطعة. مع العلم أنه تمّ إقرار خطة اقتصادية باسم "خطة الشمال"، وهي عبارة عن استثمار 1.2 مليون كيلومتر مربع من الثروات الطبيعية من الغابات والفحم، بما يؤمن 20 ألف وظيفة سنوياً لسكان كيبيك. ويواجه المشروع معارضة بيئية، لا سياسية، خصوصاً أن الشركات الأساسية الرسمية في كيبيك، تحديداً شركة الكهرباء، خاضعة لإدارات الانفصاليين لا السلطات الكندية.

وقبل أقلّ من عام على موعد الانتخابات التشريعية في كيبيك، لا يبدو الحزب الليبيرالي الحاكم في المقاطعة، والوحدوي، قادراً على الإمساك بالساحة السياسية، مع تقدّم الانفصاليين بعناوين سياسية وبيئية واقتصادية، على الرغم من دعم الحكومة الكندية بقيادة جاستين ترودو لليبراليي كيبيك. ذلك، لأن ترودو هو من المؤيدين الأساسيين لدعم القطاع النفطي في البلاد، وهو ما سمح له في تطابق نظرته الاقتصادية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في موضوع التنقيب عن النفط. أما واقع الأحزاب الانفصالية، فلا يدلّ على فشل مستقبلي، مع مواصلة خططها في احتضان المهاجرين، والعمل على إسقاط الخطاب العنصري على أساس ديني في المقاطعة، في سياسة قد تهدّد فعلياً الوحدة الكندية في أي استفتاءٍ انفصال مستقبلي لكيبيك.

دلالات

المساهمون