كوميديا التشبيح والتشبيح المضاد

16 يونيو 2019
الصورة
نمتلك، نحن أبناء الثقافة العربية الإسلامية، طريقةً غريبة في التفكير والتعبير، فحينما تلتمع في ذهن أحدنا فكرةٌ بارعة، نطربُ لها، ونقول: والله إنها "فكرة شيطانية"، أو "فكرة جهنمية"... وحينما نقول "فكرة عبقرية"، فنحن ننسبها إلى وادي عبقر الموجود بين السعودية واليمن، ويقال إنه سُمي كذلك نسبة إلى الأخ عبقر، أحد أمراء الجان الذي أقام إمارته في هذا الوادي.
بصراحة تامة؟ لا أعرف سبب ربط الأفكار اللامعة بالجن وبجهنم، ولكن يبدو أن الأفكار المقلوبة هي التي تصنع الضحك والفكاهة، وقد أتحفنا أستاذنا المعرّي ببيت شعر، نَسبه إلى شاعرٍ يُدعى "الجَحْجَلُول" يقول فيه: صَلُحَتْ حالتي إلى الخلفِ حتى/ صرتُ أمشي إلى الوَرَا زَقَفُونَهْ.
من هنا، أشير إلى فكرة "جهنمية" التمعتْ قبل أيام في مخيلة صديقي الأديب والصحافي عمر قدور الذي كتب أن الشبيح القديم، على الرغم من سفالته، منسجم مع نفسه، أما الشبيح المستجد فيحاول استدراكَ ما فاته من أعمالٍ تشبيحية منذ بداية الثورة، فيشبّح بأثر رجعي، ويَكون شكلُه مثل مَنْ يرتدي الثياب الشتوية والصيفية والربيعية في الوقت نفسه.
في الحقيقة، أصبحت القصص القديمة والجديدة لشبّيحة النظام القدامى والجدد معروفة، وموجودة في الفضاء الأزرق على قفا مين يشيل، وبعض الشبيحة بلغوا من التشبيح سقفاً لا يمكن لغيرهم بلوغه مهما حاولوا، فقد طالبَ بعضُهم النظامَ السوري بإبادة المناطق التي يسكنها الشعب المعارض (الإرهابي) إبادة جماعية، عرقية، شاملة، لا يستثنى منها شيخٌ كبير، ولا طفل صغير، ولا حمار ولا بعير.. واشترطَ وزير سابق على السوريين المُهَجَّرين أن يبوسوا البوط العسكري فيما لو سولتْ لهم أنفسُهم أن يعودوا إلى بيوتهم التي دفعوا دماء قلوبهم حتى بنوها وفرشوها. وذهب فريقٌ من ممثلي شبيحة الفن إلى "التمثيل" المعنوي بجثث الأطفال الذين قتلهم النظام بالكيميائي، إذ صوّروهم بطريقة توحي بأنهم لم يموتوا ولم يقتلوا، وإنما "مَثَّل" أهاليهم هذا الدور أمام الكاميرات، ليحرّضوا المجتمع الدولي ضد هذا النظام الطيب الحبّاب، ويُظهروه بمظهر القاتل.. وكأن المجتمع الدولي أهبل، ولا يعرف أن هذه الجرائم وأكثر منها بكثير يرتكبها هذا النظام منذ أزيدَ من سبع سنوات!
ولكن؛ مَنْ كان يتخيّل أن الثورة ستطول، وتعتق، ويصير لها شبيحة هي الأخرى، ويكون لهم قصص وحكايات وطرائف غريبة؟ أتذكَّرُ حكاية نشرها أحد أصدقائي على صفحته عن يوم أمطرت فيه طائرات الأسد مدينة إدلب بحمم الموت والدمار، وخرج الناس إلى الشوارع ليسعفوا جرحاهم وينقلوا جثث شهدائهم إلى المقبرة، وكان بينهم رجلٌ علا صوته على أصواتِ المنكوبين كلهم وهو يصيح: بيتي يا ناس، بيتي لقد أصيب ونزل بما فيه على الأرض.. وتبين، فيما بعد، أن البيت لم يكن لهذا الرجل، وأن صاحبه الأصلي الذي هَجَّرَهُ نظام الأسد لم يصرخ، ولم يقل إن البيت الذي هدمته الطائرات الغازية بيتي الذي بنيته بعرقي وعشت فيه أربعين سنة!
في الآونة الأخيرة، حصلتْ قصة تنتمي إلى هذا الوضع المقلوب، فقد أصدر رئيس "جامعة حلب في المناطق المحرّرة" قراراً توحي مقدمته بأن طلاب هذه الجامعة يعملون بصفة مُخْبِرين على أساتذتهم، إذ جاء فيها: بناء على المعلومات الواردة إلى رئاسة الجامعة من بعض الطلاب بقيام الدكتور محمد صابر العمر بالإساءة إلى رمز من رموز الثورة السورية الشهيد عبد الباسط الساروت نقرّر: أولاً، إيقاف الدكتور محمد صابر العمر عن التدريس فوراً. ثانياً، إحالته إلى مجلس التأديب في الجامعة.
لاحظوا أن هذا القرار ينتمي إلى التفكير الشمولي الذي ثار عليه الشعبُ السوري. تفكير لا يتحمل وجود رأي واحد مغاير، وهو تفكير مقلوب، فالمفروض أن يُحَالَ الدكتور المذكور إلى مجلس التأديب أولاً، ويوقف عن التدريس ثانياً!