كولوسيوم روما... أكبر مدرّج شُيّد في زمن بنائه

كاتيا يوسف
20 يناير 2020
تختلف روما عن مدن العالم الأخرى، فهي ليست مجرّد مدينة تضمّ معالم تاريخية، بل هي أشبه بمتحف كبير يروي ماضيها العريق مع كلّ تحفة فنية، من تماثيل ومبانٍ، لا يمكن تفويتها في أيّ شارع من شوارعها تقريباً. بالتالي، ليس مستغرباً أن تجذب السياح من كلّ أصقاع العالم. واحد من أبرز معالم روما السياحية هو الكولوسيوم الذي يحظى بشعبية كبيرة، فتُشاهَد الطوابير غالباً أمام مدخل هذا المدرّج الروماني الذي يتوسّط المدينة، ويُعَدّ أكبر مدرّج شُيّد في ذلك الزمن، وبناؤه الذي استغرق ثمانية أعوام بدأ في عهد الإمبراطور فيسباسيان في عام 72 وانتهى في عهد خلفه تيتوس في عام 80.
بعد التغييرات التي استحدثت في حقبات لاحقة، صار قادراً على استقبال ما بين 50 ألف متفرّج و80 ألفاً. وقد شهدت ساحته مسابقات مختلفة وقتالا بين "العبيد" وأحياناً بين المقاتلين وحيوانات مفترسة مثل الأسود. كذلك كانت تنظم فيها العروض العامة وعمليات الإعدام، فضلاً عن استعادة المعارك الشهيرة ومسرحيات كلاسيكية. لكنّ استخدام الكولوسيوم للعروض الترفيهية توقّف في بداية العصور الوسطى، واستخدم لاحقاً لأغراض أخرى لها علاقة بالشؤون الدينية والتجمّعات المختلفة.
تضرّر الكولوسيوم من جرّاء الزلزال الذي ضرب المنطقة في عام 443 بالإضافة إلى السرقات التي استهدفته لاحقاً، ولكن على الرغم من الدمار الذي لحق به ما زال رمزاً مميّزاً للإمبراطورية الرومانية، ويُعَدّ من عجائب الدنيا السبع الجديدة. وقد استقبل في عام 2018، بحسب ما تفيد آخر البيانات، نحو سبعة ملايين زائر، ليكون بذلك أكثر مناطق الجذب السياحي شعبيّة في العالم.
يظهر الكولوسيوم للمتجوّل في أرجاء المدينة عن بعد، وكلّما اقترب من هيكله البيضاوي العملاق يلاحظ ما تركته السنوات من ندوب فيه، فيما يتّضح أكثر مشهد الواجهة الضخمة للجدار الخارجي والتي نجت من الدمار، علماً أنّها من أروقة في ثلاث طبقات تتخللها نوافذ. أمّا الدخول إليه فيتطلب تفتيشاً أمنياً حازماً، لكنّ التجربة تستحق أن ينتظر الزائر وقتاً طويلاً ويخضع لتفتيش دقيق. فالكولوسيوم كان شاهداً على عذابات آلاف الأشخاص، وما زال صراخهم يصدح في الأرجاء فيما حُفرت آلامهم في ذاكرة المكان الذي غصّ في زمن مضى بمشاهدين شغلوا المقاعد المحيطة بساحته الكبيرة، بشكل دائري، وراحوا يراهنون بحماسة على أرواح الآخرين.
ولأنّ العروض كانت مجانية، كان المكان مزدحماً دوماً، فيما خُصّصت مقاعد محدّدة للنبلاء. في الطبقة الثانية منه، يُعرَض تسجيل فيديو حول كيفيّة التحضير للعروض التي كانت تتمّ في الأسفل، في حين كانت الساحة مغطاة حتى لا يرى الجمهور عمليّات التجهيز، ثمّ يظهر الرجال والحيوانات بشكل مفاجئ.
بالنسبة إلى المسيحيين، يُعَدّ الكولوسيوم المكان الذي شهد استشهاد أعداد كبيرة من المؤمنين في خلال اضطهاد المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية، بحسب ما توثّقه الكنيسة، ولكن ثمّة خبراء وباحثون يرجّحون أن يكون ذلك قد وقع في أماكن أخرى في مدينة روما وليس في الكولوسيوم تحديداً، مشيرين إلى عدم توفّر أدلة مادية أو سجلات تاريخية سليمة تثبت الأمر. ويؤكّد هؤلاء العلماء أنّ "ثمّة مسيحيين أُعدموا كمجرمين في الكولوسيوم، لأنّهم رفضوا تبجيل الآلهة".




ما زال الكولوسيوم رمزاً لعظمة الإمبراطورية الرومانية، بيد أنّه تبدّل على مرّ الزمن، وقدّم نفسه كمكان منظّم ومفتوح للمجتمع الروماني. ففي عام 438 ميلادية، ومع توقّف العروض الهمجية بأمر من فالنتينيان الثالث، تراجع النشاط في المدرّج بشكل بطيء وثابت. وفي العصور الوسطى وعصر النهضة، خُصّص لمواد البناء التي كان يُستخدم جزء منها في بناء كنيسة القديس بطرس. ثمّ تحوّل إلى ملجأ للحيوانات، فضلاً عن تنظيم ورش فيه وتشكيله مساحة للحرف اليدوية. وبعد الحقبة الرومانية، عندما جذبت آثاره الكتّاب والفنانين، بدأت فيه أعمال الترميم.
اليوم، يُعَدّ المدرّج مَعلماً للأعمال الفنية والإبداع البشري الذي نجا من الدمار الشامل على مرّ القرون، ومساحة تستقبل برحابة الزائرين وتوفّر لهم تجربة سياحية غير مسبوقة، وتتيح أمامهم مشاهد خلابة في الداخل والخارج على حدّ سواء. تجدر الإشارة إلى أنّ الكولوسيوم شُيّد في الأساس حتى يستمتع المواطنون الرومانيون بالعروض الترفيهية المختلفة في ساحة كبيرة دائمة. وقد استمرّ نشاط الكولسيوم لمدّة 500 عام، لتُسجَّل الألعاب الأخيرة في تاريخه في القرن السادس.

دلالات

ذات صلة

الصورة

مجتمع

أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية، في بيان، أمس الأربعاء، أنّ الأزمة الصحية والاقتصادية المرتبطة بفيروس كورونا، "تولّد تدفقاً استثنائيّاً للمهاجرين الاقتصاديين". ويصل عدد كبير من هؤلاء المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوسا السياحية، تحت أنظار السبّاحين.
الصورة
فيلم نومادلايف IMDB

منوعات وميديا

تستضيف مدينة البندقية الإيطالية، أكثر من 50 دولة في ما سيصبح أول مهرجان سينمائي كبير ينظم بحضور فعلي في زمن كوفيد-19، المرض الناتج عن الإصابة بالفيروس. وسيبدأ المهرجان في الثاني من سبتمبر/ أيلول، ويستمر حتى 12 من الشهر نفسه.
الصورة
تظاهرة للزواج في إيطاليا (باريس سيخين/ الأناضول)

مجتمع

بعد كلّ ما شهدته إيطاليا من جراء تفشي فيروس كورونا الجديد، والقيود التي فرضت على البلاد لمكافحة تفشيه، ترفض بعض الفتيات المقبلات على الزواج في البلاد الرضوخ للإجراءات التي تؤثّر على تحقيق أحلامهن
الصورة
تحقيق إيطاليا 1

تحقيقات

تتفاقم معدلات العنف ضد المرأة في إيطاليا بشكل عام، والمهاجرات بشكل خاص، إذ يصمتن خوفاً من عرقلة طلب الجنسية أو فقدان حق الإقامة في حال إبلاغ الشرطة، كما لم يفلح القانون الجديد في تقليل الظاهرة وفق ما وثقه التحقيق