كوكو واوا في نيابة أمن الدولة (2/4)

14 يوليو 2020

كنت وقتها لا أزال أسكن في حارة سمكة بالجيزة، وكان لا بد أن أبذل مجهوداً لتحسين مظهري وملبسي، لكي أكون على قدر نيابة أمن الدولة العليا والأستاذ أحمد الخواجة، ولذلك كنت أنوي الصحيان من النجمة لضمان ذلك، ولكي أكون في مقر النيابة الكائن في مصر الجديدة قبل الموعد المحدد، لكنني لم أذق طعم النوم من شدة القلق والتوتر، وبعد أن نزلت من البيت حالقاً ومستحمّياً ومتشيّكاً ـ من وجهة نظري ـ ذهبت للاتصال بالأستاذ الخواجة لتذكيره بموعدنا، واخترت بقالاً يقع محله في "ميدان الشُّرفا" القريب من منزلي، ليس لأنني كنت أحتاج إلى اسم الميدان بشكل رمزي في ذلك الصباح العصيب، ولكن لأن محله كان الأكثر انعزالاً عن دوشة الشوارع المجاورة التي لا تليق بمقام نقيب النقباء، ليقع قلبي على بلاط المحل المتهالك، حين أخذ جرس تليفونه يرن مراراً وتكراراً دون أن يرد، فتصورت أن بختي المهبّب جعل أزمة صحية تداهمه في اليوم الذي احتجت فيه إليه، ثم استبعدت ذلك لأن صوته في الليلة الماضية كان قد بدا لي في أحسن حال، ولمت نفسي لأنني اكتفيت بتأكيد الموعد عليه، دون أن أتفق معه على مقابلته تحت بيته الذي كان مطلاً على النيل في العجوزة، لأذهب بصحبته إلى التحقيق، ربما لأنني شعرت بأن ذلك لا يليق بكاتب مستقل، يجب أن يستقل مواصلته بنفسه في أول قضية نشر في حياته.

لم أجد ما أفعله سوى الاتصال بناشر الصحيفة عصام إسماعيل فهمي، لعلي أجد لديه حلاً لتلك الأزمة التي ضاعفت من تأثير النزول على لحم بطني إلى الشارع، فجعلتني أغالب الدوخة والغثيان، وقد كان رد فعله الأول شخرة حادة اعترض بها على إيقاظي له من عز النوم، قبل أن يدرك خطورة الموقف، فيطلب مني أن أغلق الاتصال حتى يشوف لي حلاً ويتصل بي مطرح ما أنا، وحين قلت له إني لا أعرف رقم البقال الذي أتصل منه والذي كان وقتها قد دخل إلى المخزن، لم أسمع منه شخرة أخرى كما توقعت، بل سمعت ضحكة عريضة قال لي بعدها ساخراً بما لا يليق برهبة الموقف: "أكيد أحمد بيه شم ريحة البسطرمة من المكالمة فما استنضفش يرد عليك"، ثم استدرك ليطمئنني إلى أن الخواجة لم يتعرض لأزمة صحية والحمد لله وإلا لكان قد سمع بذلك، فقد كان عصام فهمي من أقرب الناس إليه وقتها، كما أنه رجل منظم لا ينسى أبداً مواعيده، وبالتأكيد سأجده حاضراً في مقر النيابة في الموعد المحدد، لكنه وعدني بالاتصال بمكتب الأستاذ الخواجة للتأكد، وطلب مني أن أعاود الاتصال به بعد نصف ساعة لأنه يحتاج إلى أن يفوق من آثار الخضة التي أصبته بها، ثم ختم المكالمة بأملوحة طلب فيها تغيير محل البقالة الذي أتصل منه لإن رائحة الجبنة الرومي المعفنة خنقته.

وقفت متسمراً أراقب المشهد الذي أطاح بمخزوني الضئيل من "فال الخير"، ففوجئت بأمين شرطة يقترب نحوي شاخطاً زاغراً، وهو يسألني عن سبب وقوفي في المكان

قررت استغلال وقت الانتظار للقضاء على الدوخة والغثيان، فطلبت من البقال عمل سندويتش بيض مسلوق وسندويتش جبنة رومي، ضربتهما على القهوة المجاورة مع شاي بالحليب، محاولاً التفكير في بدائل يمكن أن أعتمد عليها لو اتضح أن أزمة صحية أصابت "أحمد بيه" لتمنعه من الحضور معي، مطمئناً نفسي بأنه سيرسل لي أكيد محامياً من مكتبه للدفاع عني، لكن المهم أن يختاره مخضرماً خبيراً بنيابة أمن الدولة العليا، وليس شاباً حديث التخرج مثلي. دفعني الشك في حضور نقيب النقباء معي إلى تذكير نفسي بحقيقة كنت أتناساها، وهي أنني لست عضواً في نقابة الصحفيين، وهو ما سيسهل على أي وكيل نيابة غاضب مهمة حبسي بتهمة ممارسة المهنة دون ترخيص، ولن يشفع لي أنني تخرجت من قسم الصحافة بتفوق، وعملت لمدة عام في مجلة (روز اليوسف) صحافياً تحت التمرين، لتعاودني الدوخة والغثيان، وكأن سندوتشات وشاياً بالحليب لم يكن، فأقرر العودة إلى الشقة لأخذ شنطة أضع فيها "غيارين وترينج وفوطة وشبشب"، لأنني كنت أقرأ في مذكرات من تعودوا على أن تدخلهم السياسة أو الصحافة إلى السجن، حرصهم الدائم على تحضير شنطة بها غيارات وملابس صالحة للسجن، مقرراً أن أغالب رغبتي في الاتصال بأمي وإبلاغها بمشوار النيابة، بعد أن كتمته عنها، لأن رد فعلها كان بالتأكيد سيطيح البقية الباقية من ثباتي الانفعالي الذي لم أعد أملك غيره.

لم يكن عصام فهمي ليفوّت طبعاً فرصة التلاعب بأعصابي، ليضحك ملء شدقيه بعد أن استمع إلى "صوت سُكاتي" وربما صوت بلع ريقي، حين قال لي في استفتاح المكالمة الثانية إن أحمد بيه قال له إن عليّ أن أسلم نفسي لأقرب قسم شرطة، لأن النيابة أصدرت لي أمر ضبط وإحضار، بعد أن ثبت أنني خطر على أمن الدولة العليا، لكنه حين شعر بأنه زوّدها حبّتين بكذبته وضحكته، طلب مني أن أخفف توتري لأن الموضوع لا يستاهل كل هذا الانفعال، وأكد أن أحمد بيه يرى أنني كبّرت الموضوع أكثر من اللازم، وأنه يريدني أن أتصل به على رقم مكتبه من أي مكان يجاور مقر نيابة أمن الدولة العليا، وأنه لم يكن سيسمح لي بدخول النيابة لوحدي لو شعر أن الموضوع خطير ويتطلب حضوره، وحين قلت للأستاذ عصام وأنا أحاول تنظيم مائة سؤال في دماغي: "لكن كيف سنعرف خطورة الموضوع قبل أن أدخل برجليّ إلى النيابة والله أعلم كيف سأخرج منها؟" طلب مني ألا أوجع دماغه بأسئلة لا يعرف إجابتها، ويكفي أنني سأتسبب في "أريفة" مزاجه طوال اليوم لأنني أيقظته قبل موعده.

دفعني الشك في حضور نقيب النقباء معي إلى تذكير نفسي بحقيقة كنت أتناساها، وهي أنني لست عضواً في نقابة الصحفيين، وهو ما سيسهل على أي وكيل نيابة غاضب مهمة حبسي

كان لا بد بعد الوقت الذي ضاع في المكالمات والصعود إلى الشقة والبحث عن شنطة تليق بالغيارات والترينج، أن ألغي فكرة الذهاب في المواصلات إلى مصر الجديدة، وأبحث عن تاكسي يقبل تشغيل العداد لتقليل خسائر المشوار إلى أقل حد ممكن، وهو ما تسبب في ضياع المزيد من الوقت، لأصل إلى مقر النيابة قبل موعد التحقيق بنصف ساعة، وهو ما اعتبرته فأل خير، لأن اختناق الزحام في العباسية هيّأ لي أنني سأصل إلى النيابة مع أذان الظهر، ليكون ذلك سبباً كافياً لحبسي دون تحقيق، وطردي من الصحيفة لأنني أسأت إلى مقام نقيب النقباء.

كانت صيحات (الله أكبر ولله الحمد وقادم قادم يا إسلام) المدوية هي أول ما استقبلني حين نزلت من التاكسي أمام مقر النيابة، ليسارع سائق التاكسي بالتفليق من المكان، بعد أن كان قد شرع في مساومتي على زيادة المبلغ الذي يجب أن أدفعه، لأنه يشك في دقة الرقم الذي سجله العداد، وحين التفت خلفي لأفهم لماذا تخلى عن رغبته في النصب علي، وجدت عدداً مهولاً من الضباط والأمناء والعساكر يحيطون بمجموعة من مساجين الجماعات الإسلامية الذين بدأوا في النزول من عربة ترحيلات كبيرة وصلت إلى مقر النيابة، وهم يكبرون ويهللون ويحسبنون على حسني مبارك وزبانيته وأعوانه.

وقفت متسمراً أراقب المشهد الذي أطاح بمخزوني الضئيل من "فال الخير"، ففوجئت بأمين شرطة يقترب نحوي شاخطاً زاغراً، وهو يسألني عن سبب وقوفي في المكان، قبل أن يلقي نظرة مرتابة إلى الشنطة الجلدية المهترئة التي أحملها، ويطلب مني فتحها بسرعة، ليثبت لي بطلبه أن ذوقي في اللبس لم يكن كافياً لنفي الاشتباه عني، وإلا ما طلب مني أمين الشرطة طلباً كهذا، لأبدأ في فتح الشنطة وأنا أحاول تحضيره لصدمة رؤية الغيارات والشبشب العجيب، بالقول له إنني صحافي ـ وسجين رأي محتمل ـ جاء للتحقيق معه في قضية لا يعرفها، ومعه نقيب نقباء محاميي مصر، لكنه لا يعرف هل سيحضر للدفاع عنه أم لا.

كان اسم أحمد الخواجة كافياً وزيادة لدفع أمين الشرطة لتفهم موقفي الملتبس وعدم سؤالي عن كارنيه نقابة الصحافيين، ليتكرم بالإشارة إلى أقرب محل يمكن لي أن أستخدم تليفونه للاتصال بأحمد بيه، ولأنني كنت محتاجاً إلى بعض من العبث لكسر حدة الموقف، فقد تصادف أنه كان محل "جزمجي" كان لا بد أن تنزل له ثلاث أربع درجات قبل أن تدخله وتصل إلى التليفون الذي وضعه بالقرب منه، وكان من حسن حظي أن أجد الجزمجي العجوز مرهقاً أو متعكر المزاج، لأنه كان قد توقف عن دق كعب جزمة فور دخولي، ونهض ليصنع لنفسه كوباً من الشاي.

حين حولتني السكرتيرة للأستاذ أحمد الخواجة، كان لطيفاً كعادته وكان صوته رائقاً، لكنه لم يدع لي فرصة للإكثار من الكلام، وقال لي: "خليك معايا على الخط يا أستاذ.. هاتصل حالا بهشام بيه وأفهم منه موقف قضيتك إيه.. بس ما تتكلمش خالص لو سمحت.. اسمع بس وبعد ما أخلص المكالمة معاه ويقفل هارجع لك"، ومع أنني لم أفهم تماماً ما قاله، إلا أنني أكدت له أنني سألتزم بما قاله، ولم أعرف أنه كان يقصد هشام سرايا المحامي العام لنيابات أمن الدولة العليا، والذي كنت أقرأ اسمه في كل الأخبار التي تنشر بخصوص قضايا الإرهاب، ولا أنني كنت على وشك أن أشهد لأول مرة في حياتي تجربة حضور "كونفرنس كول"، أو ربما لم يكونوا وقتها يطلقون ذلك الاسم على المكالمات التي يشترك فيها أكثر من طرف، فقد كان "الأنسر ماشين" أكثر اختراع ثوري يخص التليفونات في حدود علمي.

...

نكمل الحكاية غداً بإذن الله