كوكو واوا في نيابة أمن الدولة (1/4)

13 يوليو 2020

"النيابة العامة 
مكتب النائب العام
نيابة أمن الدولة العليا
الموضوع: القضية رقم 392 لسنة 1996 حصر أمن الدولة العليا
السيد الأستاذ رئيس تحرير جريدة الدستور
تحية طيبة وبعد: 
بمناسبة التحقيقات التي تجريها النيابة في القضية عاليه، يُطلب السيد بلال فضل المحرر بالجريدة لجلسة تحقيق 17/6/1996 وذلك لسؤاله في القضية عاليه، وتفضلوا بقبول التحية. 
رئيس النيابة
تحريراً في 10/6/1996"

حين فتحت الظرف الكاكي الصغير الممهور بختم النسر، وقرأت السطور السابقة مكتوبة بخط اليد على ورقة "ميري" كئيبة المنظر، كدت ألطم على وجهي من الخضّة لكني اختشيت، وقررت أن أتماسك كما ينبغي بصاحب قلم حر، لم يكمل الثانية والعشرين من عمره لكنه تلقى للتو أول استدعاء رسمي للتحقيق معه في النيابة، وليس أمام أي نيابة، بل أمام نيابة أمن الدولة العليا التي لم يكن يرد اسمها في تلك الفترة إلا مقترناً بقضايا الإرهاب وقلب نظام الحكم.

فيما كان زملائي يتخاطفون الاستدعاء لقراءته وتفحصه، كنت أكرّ في دماغي قائمة بكل الموضوعات التي كتبتها منذ أن بدأ إصدار صحيفة (الدستور) في ديسمبر عام 1995، لأتوقف بالتحديد عند تحقيقين صحفيين كتبتهما، يمكن أن يكونا سبباً لذلك الاستدعاء، كان الأول بعنوان (من يكتب خطب الرئيس؟)، والثاني بعنوان (ماذا يقرأ الرئيس؟).

استبعدت التحقيق الثاني لأن جهاز الرقابة الذي كانت الصحيفة تُعرض عليه قبل الطبع أسبوعياً، كان قد حذف منه عدة فقرات تقارن بشكل محايد مستوى وحجم قراءات الرئيس مبارك بسابقيه عبد الناصر والسادات، لأن مندوب الرقابة اعتبر أن تلك المقارنة تشكل تقليلاً من شأن الرئيس مبارك، ولذلك أصر على تخفيف الكثير فيها، وبالتالي لم يعد فيما نشر في التحقيق أمر يمكن أن يقلق أمن الدولة العليا أو يزعزع استقرارها، وهو ما رأيت بعد طول تأمل أنه ينطبق أيضاً على التحقيق الأول الذي كان مجرد محاولة متذاكية ـفي إطار المسموح رقابياًـ لقراءة العلاقة بين رؤساء مصر والكتاب المفضلين لديهم بشكل جعلهم يتعاونون معهم في كتابة خطبهم، تاركاً القارئ لكي يقول الكثير مما لم أستطع نشره.

كان أكثر ما يستهويني من القصص التي تروى عن الأستاذ أحمد الخواجة، تلك الواقعة التي تروي كيف غضب أنور السادات منه

قلت لنفسي: ربما غضبت رئاسة الجمهورية لأننا نشرنا في ذلك التحقيق أسماء بعض من قاموا بكتابة خطب الرئيس مبارك، فاعتبرت ذلك سراً من أسرار الدولة لا يجوز إذاعته، ولذلك قدمت في شخصي الضعيف بلاغاً إلى نيابة أمن الدولة العليا، وبدأت أفكر في طريقة التعامل مع النيابة لو طلبت مني أن أكشف عن المصادر التي استندت إليها فيما نشرته، وهل ستعتبر النيابة أن رفضي الكشف عن مصادري أمراً يستوجب الحبس، كما حدث في حالات سابقة قرأت عنها من قبل، خاصة أن مبادئي لن تسمح لي بتوريط الزميل حمدي رزق الذي كان قد قام بكتابة المعلومات الخاصة بدور مكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير (المصور) ونقيب الصحفيين السابق في كتابة خطب مبارك منذ مطلع الثمانينات، بالاشتراك والتبادل مع الدكتور أسامة الباز والدكتور مصطفى الفقي خلال عمله سكرتيراً للمعلومات في الرئاسة، وكان حمدي رزق في ذلك الوقت قد انتقل إلى العمل في مجلة (المصور) قادماً من مجلة (روز اليوسف) التي تأخر تعيينه فيها، ولأنه يعرف مكرم محمد أحمد جيداً، فقد استجاب لطلب صديقه الأستاذ إبراهيم عيسى رئيس تحريرنا بالمساهمة في الموضوع بما يعرفه عن علاقة مكرم بخطب الرئيس، لكنه طلب عدم نشر اسمه معي على التحقيق، لكي لا يتعرض لمشكلة تعرقل تعيينه المنتظر في مجلة (المصور).

كانت المحكمة الدستورية العليا قد أصدرت قبل ذلك بفترة بسيطة حكماً مهماً يعفي رؤساء التحرير من الخضوع للمساءلة القانونية عما ينشر في صحفهم ومجلاتهم، إذا تم نشرها بأسماء الذين كتبوها، وإذا لم يثبت خلال التحقيق تدخل رؤساء التحرير في ما تم نشره بالتعديل والإضافة، وهو ما لم يكن ينطبق على الأستاذ إبراهيم في هذه الحالة، وحتى لو كان ينطبق، لم أكن سأقوم بتوريط الأستاذ إبراهيم معي، وكنت سأشيل التهمة لوحدي، لأكون على الأقل يعني قد مشاعر الفخر التي رأيتها ترتسم على وجوه زملائي، ليس لأنهم سيتخلصون مني، بل لأن استدعاءً كهذا يثبت أننا لا نؤذن في مالطة، بل نحن مؤثرون ومهمون، لدرجة أن بيننا من يُستدعى إلى نيابة أمن الدولة العليا، مثل كتاب الصحف المعارضة بالضبط، صحيح أننا كنا قبل ذلك نسمع من مصادر موثوقة عن انزعاج بعض أجهزة الدولة مما نكتبه، لدرجة أن بعض الوزراء كما قيل لنا قاموا بتحريض رئيس الجمهورية ليقوم بإغلاق الصحيفة، فطلب الرئيس من وزير الإعلام أن ينظر في الأمر ويقوم بحسم الموضوع، لكن الصحيفة لم تغلق منذ أن سمعنا ذلك قبل أشهر، فلم نعد ندري هل كان ما سمعناه "هبدة" تطوع بها أحد محبي الصحيفة، أم أن الأمر وراءه تربيطات لا نعرف عنها شيئاً؟

في خضم الذكريات التي عصفت بي منذ تسلمت الاستدعاء، تذكرت الانزعاج الذي أبداه وزير الصحة إسماعيل سلام حين نشرت على صفحة كاملة في (الدستور) تفاصيل استجواب برلماني قام به النائب الوفدي وقتها أيمن نور عن وقائع فساد حدثت في ملف أموال المعونة الأمريكية وطريقة صرفها في وزارة الصحة، مع أنني لم آت بجديد فيما نشرته، وإنما قمت بعرض ما جاء في ملفات الاستجواب والوثائق المصاحبة له، صحيح أنني أضفت إليه الكثير من السخرية اللاذعة التي لم يمرر الرقيب بعضها بسهولة، لكن الناتج النهائي لم يكن في رأيي يستحق الذهاب إلى نيابة أمن الدولة العليا، بل كان يكفيه بلاغ عادي في نيابة قصر النيل التي يقع مقر الصحيفة في دائرة اختصاصها.

بطريقته التي تخلط الجد بالهزل بالشخر، طوى الأستاذ عصام إسماعيل فهمي رئيس مجلس إدارة (الدستور) ورقة الاستدعاء، ثم طلب مني أن أضع في بطني بطيخة صيفي، لأنني لن أذهب إلى النيابة "مع أي محامي والسلام"، وإنما سيكون بصحبتي مؤسس الصحيفة وأبوها الروحي الأستاذ أحمد الخواجة الذي كان يحمل عن جدارة لقب نقيب نقباء المحامين، لأنه كان أكثر من تولى منصب نقيب المحامين منذ إنشاء النقابة خلال عهود عبد الناصر والسادات ومبارك، وكنت محظوظاً بالتعرف عليه قبل ذلك بأشهر، حين ذهبت إلى منزله مع عصام إسماعيل فهمي، لأجري معه حواراً قصيراً استخدمت ما جاء فيه ضمن تقرير صحفي عن أزمة كان يخوضها المحامون مع الدولة بخصوص مشروع قانون لم أعد أذكر تفاصيله الآن.  
كان اسم أحمد الخواجة أسطورياً لدى أبناء جيلي والأجيال السابقة لنا، ليس بسبب سمعته الرفيعة في مجال المحاماة، فلم يكن أحد منا قد ورد على محكمة، ولكن بسبب ما كنا نقرؤه في مناسبات متفرقة، عن اعتراضه بشكل رسمي منضبط على إجراءات مذبحة القضاء خلال عهد عبد الناصر، ثم رفضه التاريخي لاتفاقية كامب ديفيد ومشروع هضبة الأهرام في عهد السادات، مما أدى إلى حل مجلس النقابة في عهد السادات، وهو ما تكرر في عهد مبارك بعد مواجهة عاصفة بين النقابة والدولة بسبب اعتراض النقابة على العبث باستقلال القضاء، لكن المحامين أعادوا انتخاب أحمد الخواجة في الانتخابات التالية تحدياً للدولة.

بطريقته التي تخلط الجد بالهزل بالشخر، طوى الأستاذ عصام إسماعيل فهمي رئيس مجلس إدارة (الدستور) ورقة الاستدعاء، ثم طلب مني أن أضع في بطني بطيخة صيفي

 

كان أكثر ما يستهويني من القصص التي تروى عن الأستاذ أحمد الخواجة، تلك الواقعة التي تروي كيف غضب أنور السادات منه لأنه حين دعي للقاء الرئيس في منزله ببلدته ميت أبو الكوم، بعد مواجهة جرت بين النقابة والدولة، لم يهرول للقاء السادات أمام الكاميرات، بل مشى بخطى متباطئة، فظهر وكأن السادات هو الذي يبادر مسرعاً إلى لقائه، وهو ما أغضب السادات حين رأى المشهد في التلفزيون، فأحب أن يردها للخواجة في أقرب فرصة، فقام بدعوته إلى لقاء في استراحته الرئاسية بالقناطر، وبعد أن استقبله السادات اتجه معه إلى ركن في الحديقة يوجد به طاولة وكرسي وحيد جلس عليه السادات، ثم طلب استقدام المصورين لأداء عملهم، فأدرك أحمد الخواجة أن المطلوب من اللقاء هو أن تظهر صورته وهو يقف إلى جوار الرئيس منحنياً وهو يتحدث معه، فبادر بسرعة بديهة إلى الجلوس على الأرض جوار الرئيس، وهو يقول للسادات وهو يضحك: "معلهش يا ريس.. القعاد على الأرض صحي أكتر من قعدة الكراسي"، لتلتقط الكاميرات تلك الصورة التي نشرت عشرات المرات بعد رحيل السادات، مصحوبة في كل مرة بطبعة مختلفة من الحكاية.

ضحك الأستاذ أحمد الخواجة حين سألته عن تلك الواقعة، خصوصاً أن مجلة (روز اليوسف) كانت قد أعادت نشرها قبل أن ألتقيه بفترة بسيطة، معلقاً أن موضوع الصورة أخذ أكبر من حجمه، وأن البعض أصبح يركز عليها أكثر من وقائع المواجهة التي جرت بين نقابة المحامين والسادات لإصلاح أحوال العدالة التي تعرضت لنكبة بعد مذبحة القضاء، ليكون جهد النقابة المستمر جزءاً من عوامل الضغط التي أدت إلى إنشاء المحكمة الدستورية العليا وعودة مجلس القضاء الأعلى إلى العمل، وإنصاف كثير ممن تعرضوا للظلم قبل ذلك، وقد كان ذلك الجهد مهماً في تحويل نقابة المحامين في تلك الفترة وما تلاها، إلى نقابة صاحبة رأي ومنبر للحريات يقصده كل المظلومين، ومع أن أحمد الخواجة كان قد أصبح واحداً من أبرز رموز حزب الوفد بعد عودته إلى الحياة السياسية، إلا أنه كان يرفض أن يكون لحزب الوفد نفوذ خاص في النقابة، كما كان يرفض شخصنة الخلاف مع عبد الناصر كما كان يفعل بعض الوفديين، مفضلاً تركيز جهود النقابة على قضية استقلال القضاء وترسيخ العدالة التي يجب أن يكون هماً للجميع مهما كانت آراؤهم السياسية، وهو ما جعله يحظى بتقدير واسع من كل الفرقاء السياسيين.

لم تكن صحة الأستاذ أحمد الخواجة على ما يرام حين زرته في منزله، لكنه كان حاضر الذهن وسريع البديهة وخفيف الظل، ومع أنني ـ بحكم حداثة التخرج وفقر الإمكانيات وحقارة المرتب الذي أحصل عليه ـ لم أكن على قدر الشياكة والأناقة الباديين بوضوح في منزله، إلا أنه تعامل معي بمنتهى التقدير واللطف، ونقل لي الأستاذ عصام فهمي بعدها كلاماً لطيفاً قاله عني وعما كتبته بخصوص الموضوع، فسارعت إلى نفي شبهة المبالغة المرتبطة بعصام إسماعيل فهمي، وصدقت ما قاله لأنني أحب أن أصدقه، ورجوته أن يتوسط لي لكي أجري مع "سيادة النقيب" حواراً طويلاً عن تجربة حياته، لن يكون هناك مكان أفضل من (الدستور) لنشره، ولذلك كله، كان من الطبيعي أن أصدق عصام إسماعيل فهمي حين قال لي إن علي أن أحط في بطني بطيخة صيفي، لأن الأستاذ أحمد الخواجة بجلالة قدره سيذهب معي إلى نيابة أمن الدولة، مما يعني أنني سأخرج سالماً من التحقيق الذي فشلنا في أن نعرف موضوعه وسببه، حتى تلك اللحظة.

...

نكمل الحكاية غداً بإذن الله