كورونا يكرّس الوضع الاستثنائي لصندوق "تحيا مصر": الرقابة معدومة

19 ابريل 2020
الصورة
عاد الترويج للصندوق أخيراً بحجة مواجهة أزمة كورونا(زياد أحمد/Getty)
+ الخط -
تكرّس إدارة النظام المصري لأزمة وباء كورونا، الوضعية الاستثنائية لمؤسسة صندوق "تحيا مصر" كجهة تمويل وجمع أموال موازية للخزانة العامة للدولة، إذ قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي تنحية الخزانة العامة عن القيام بدور تجميع التبرعات والإنفاق على ملفات عديدة مرتبطة بمعالجة الدولة للأزمة. وفيما تؤدي دائرته الخاصة، بأذرعها الاستخباراتية والرقابية، دوراً موازياً للحكومة والجهاز الإداري للدولة، توسّع صندوق "تحيا مصر" في أداء دور موازٍ للخزانة العامة، لكن الفارق الجوهري هو سهولة تدفق الأموال إليه وإنفاقها منه، متحرراً من أي رقابة، ومؤتمراً بقرارات السيسي نفسه، وإدارة جرى تحديثها مرات عدة لتصبح مكونة من الشخصيات الموثوقة بعد استبعاد الشخصيات التكنوقراط التي كان الصندوق معتمداً عليها في بدايته.

أبرز شخصية في إدارة الصندوق حالياً هو اللواء محمد أمين نصر، أمين اللجنة التنفيذية للصندوق التي يرأسها حالياً، اسمياً، رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، باعتباره الوزير المختص بحقيبة الاستثمار. ونصر هو العنصر الوحيد الباقي في إدارة شؤون الصندوق منذ إنشائه في عام 2014 إلى الآن، مع توسيع صلاحياته بصورة كبيرة. وهو يشغل أيضاً منصب المستشار المالي للسيسي منذ يونيو/ حزيران الماضي. وقبلها كان نصر مساعداً لوزير الدفاع ورئيس الهيئة المالية للقوات المسلحة، ويعرف كذلك بأنه مسؤول عسكري منضبط غامض وموثوق بالنسبة إلى السيسي، وهو يعتمد على عدد من العسكريين الحاليين والسابقين في عمله اليومي، عاكساً بصدق الإدارة المباشرة للرئاسة والجيش للصندوق منذ بداية تأسيسه في يونيو 2014.

ولكي يصبح للصندوق وجه مدني وشاب، ينتمي إلى النظام أيضاً، عُيِّن عدد من متخرجي "البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة"، التابعين للواء عباس كامل، مدير المخابرات العامة والصديق الأقرب للسيسي، في مناصب عديدة منذ فبراير/ شباط 2020، مثل منصب المدير التنفيذي للصندوق الذي كان يتولاه عند التأسيس، المصرفي المخضرم محمد حمدان العشماوي، الذي أُبعد في وقت لاحق، ليحلّ محله شاب مغمور يدعى إبراهيم كرم، الذي ابتعد هو الآخر، ليقوم بأعماله الآن المدير المالي والإداري للصندوق الشاب تامر عبد الفتاح، والمختص بالترويج للمشروعات التي يدخل فيها الصندوق وأعماله المختلفة في وسائل الإعلام، وعلى رأسها مشروع الشركة القابضة التي دُشِّنَت لإدارة المشروعات الخاصة بالصندوق بعيداً أيضاً عن الرقابة.

وبالتالي، إنّ التحكم السلطوي المباشر في الصندوق وأمواله، وحجب طبيعته ونشاطاته عن الرقابة وانعدام الشفافية، هي السمات الأبرز لعمله حتى الآن بعد نحو 6 سنوات من تأسيسه، في الوقت الذي حافظت فيه الدولة على وجود مجلس شرفي للأمناء، نُحِّي بصورة شبه كاملة عن واجهة العمل. ويضم هذا المجلس شيخ الأزهر أحمد الطيب، وبابا الأقباط الأرثوذكس تواضروس الثاني، ومحافظ البنك المركزي طارق عامر، ومفتي الجمهورية السابق علي جمعة، ومساعد وزير الدفاع محمد أمين نصر، فضلاً عن عدد من رجال الأعمال الأكثر تبرعاً للصندوق كمحمد الأمين ونجيب ساويرس.

وبينما لا يمكن معرفة تفاصيل الإنفاق من الصندوق، إلا بالنزر اليسير من القرارات التي تصدر علناً عن السيسي، والتي يقصد بها في الأساس ترسيخ صورة الصندوق كمنقذ للمصريين في حالات الطوارئ، يمكن تصوّر ضخامة موارد الصندوق من الأموال التي تتباهى الجهات المختلفة بالتبرع بها له، خصوصاً في أوقات الأزمات، كالوضع الحالي في مواجهة كورونا.

فخلال الأسبوعين الماضيين فقط، ومنذ رفع وتيرة الهجوم الإعلامي على رجال الأعمال بغية حثهم على المشاركة بالتبرع للصندوق، بعدما أعلن السيسي تخصيص جزء من أمواله للإنفاق على العمالة غير المنتظمة، وغيرها من أوجه الصرف الخاصة بالأزمة، أمكن رصد تلقي الصندوق أكثر من 100 مليون جنيه (6.3 ملايين دولار) كتبرعات مباشرة من جهات ومستثمرين، مثل مجلس الشعب ومجلس الوزراء والمحافظين ومجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى ومشيخة الأزهر ومجلس الكنائس المصرية وهيئة قناة السويس، والعديد من رجال الأعمال، على رأسهم حسين صبور وشركة إعمار الإماراتية، وجاليات المصريين في الخارج. لكنّ عدداً من رجال الأعمال الذين سبق أن تبرعوا للصندوق منذ سنوات، فضلوا هذه المرة التبرع مباشرة لخزانة الدولة، كأسرة ساويرس التي تعهدت بدفع 100 مليون جنيه وحدها.

ولا يعرف أحد على وجه التحديد طبيعة المشروعات التي سيشارك فيها الصندوق وستديرها الشركة القابضة الجديدة التابعة له، فكل ما يُعلن من المصروفات هي المساهمات في المشروعات التنموية والحملات الخدمية في ملفات الصحة والتعليم والمرافق. ووفقاً للمعلن، شارك الصندوق بنصف مليار جنيه (نحو 32 مليون دولار) في حملة مكافحة فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي (سي)، وأنشأ عدداً من المراكز الطبية في الصعيد، ووفر ألف وحدة غسيل كلوي، ومُوِّل مشروع الأسمرات السكني بمليار جنيه.

ويقول مصدر حكومي لـ"العربي الجديد"، إنّ ما أُنفق خلال السنوات الماضية من صندوق "تحيا مصر"، "لا يمثل نسبة كبيرة من حجم ما تدفق عليه من تبرعات، خصوصاً في الفترة الأولى من إنشائه بين عامي 2014 و2016"، مضيفاً أنّ "البيانات القليلة المتوافرة عن الصندوق تشير إلى أنّ حصيلته تخطت بالفعل 30 مليار جنيه"، علماً أنّ السيسي كان يتحدّث عن أمله في أن يجمع 100 مليار على الأقل في أول 3 سنوات.

وعند تدشين الصندوق، كانت أرقام التبرعات التي أعلنت الشركات الخاصة والجهات الحكومية الكبرى عنها ضخمة للغاية، إذ تبرعت عائلة ساويرس - التي امتنعت عن التبرع له حالياً - بثلاثة مليارات جنيه، ومجموعة محمد الأمين بمليار و200 مليون جنيه، والجيش بمليار جنيه، ومجموعة عامر للاستثمارات السياحية بنصف مليار جنيه، ورجل الأعمال محمد أبو العينين بربع مليار جنيه، ورجل الأعمال أحمد أبو هشيمة بمبلغ 100 مليون جنيه، إلى جانب حصيلة تبرعات البنوك المصرية وشركات التأمين المحلية والأجنبية.

ويوفر قانون أصدره السيسي في يوليو/ تموز 2015، أي بعد إنشاء الصندوق فعلياً بنحو عام، وأقره مجلس النواب من دون أي ملاحظات لدى انعقاده، سرية مطلقة على أعمال الصندوق وحصانة من جميع أنواع الرقابة. إذ ينصّ على تمتع الصندوق بالاستقلال المالي والإداري، وإسناد سلطة تحديد أساليب الإشراف عليه وإدارته وتصريف شؤونه إلى رئيس الجمهورية من دون التقيّد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر، فضلاً عن إسناد الرقابة على أعمال الصندوق المحاسبية إلى مكتب مراجعة مسجل لدى البنك المركزي تختاره إدارة الصندوق، وقصر دور الجهاز المركزي للمحاسبات على "إعداد تقرير بمؤشرات أداء الصندوق سنوياً، في ضوء القوائم المالية المعتمدة من مراقب الحسابات".

وكان الهدف الرئيس لإصدار هذا القانون - كما سبق وروى "العربي الجديد" قصته كاملة في يناير/ كانون الثاني عام 2018 - الإفلات من المواد الدستورية والقانونية التي تخصّ الجهاز المركزي للمحاسبات، بالرقابة على أموال الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة، ومراقبة تنفيذ الموازنة العامة للدولة والموازنات المستقلة ومراجعة حساباتها الختامية، أي كل ما له صلة بالمال العام تقريباً، وما نص عليه قانون الجهاز من ذكر للجهات التي يراقبها، ومن بينها الجهات الحكومية والهيئات العامة والمؤسسات العامة وهيئات القطاع العام، وأي جهة تقوم الدولة بإعانتها أو ضمان حدّ أدنى للربح لها أو تكون أموالها مملوكة للدولة.

وبذلك، أُبعد الجهاز المركزي للمحاسبات تماماً عن مباشرة الدور الرقابي على الصندوق، وأصبحت المستندات الوحيدة التي يجوز له الاطلاع عليها هي ما يصدره مكتب مراقب الحسابات من قوائم مالية بعد اعتمادها، ما يعني أن الأعمال نفسها تظلّ بعيدة عن رقابة الجهاز المقررة دستورياً.

ومفاد هذا الأمر، وفقاً لتعبير المصدر الحكومي، أنّ "السيسي استحدث لأموال الصندوق مجالاً جديداً بين العام والخاص، فكل الأموال العامة يراقبها الجهاز المركزي، ولا يجوز له مراقبة الأموال الخاصة، لكن أموال الصندوق تأتي في منطقة بينية، فهي بحكم المنطق أموال عامة تكلف الدولة بالتصرف فيها أو استثمارها، وبحكم القانون الذي أصدره السيسي لا تخضع لرقابة الجهاز المختص دستورياً بذلك".

واضطر النظام إلى هذا التحصين بعد محاولة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق والمحبوس حالياً بقضية عسكرية، المستشار هشام جنينة، تفعيل الدور الرقابي للجهاز على الصندوق بعد إعلان تأسيسه رسمياً بنحو 5 أشهر، عندما أسند مهام الرقابة على الصندوق إلى قطاع الخدمات الرئاسية التابع له مباشرة، الذي يراقب أوجه الإنفاق في الجهات التابعة لرئاسة الجمهورية، وطلب وقتها من الإدارة المركزية للرقابة المالية على الجهاز الإداري للدولة والوحدات الخدمية بالجهاز، بدء مخاطبة الجهات الحكومية لمعرفة موارد الصندوق وأوجه إنفاقه، استعداداً لتقديم التقرير ربع السنوي الأول عن أعماله إلى السيسي. لكن هيئة الشؤون المالية للجيش، التابعة لوزير الدفاع، التي كان يرأسها الأمين الحالي للصندوق محمد أمين نصر، ادعت وقتها أنها المختصة بأعمال المحاسبة والإشراف على تلقي التمويل والإنفاق، ورفضت عرض المستندات لفريق الجهاز المركزي للمحاسبات.

المساهمون