كورونا يغلق المزارات... أسواق القدس بلا زوار وفنادق بيت لحم توصد أبوابها

14 مارس 2020
الصورة
أسواق القدس بلا سياح (العربي الجديد)

 

يبدو المشهد في البلدة القديمة من القدس، خاصة في سوق الدباغة المعروف بسوق أفتيموس المتاخم لكنيسة القيامة، وكذلك المنطقة الممتدة من باب الخليل حتى مشارف حي السلسلة، أكثر تعبيراً عن حالة الشلل التي تسبب فيها فيروس كورونا الجديد، إذ اختفت الأفواج السياحية، بينما كانت هذه المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسياح الأجانب وتشهد في العادة حركة نشطة، سواء في الأيام الاعتيادية أو في المواسم والمناسبات الدينية.

يجلس سعيد الصالحي، على قارعة الطريق في حي باب السلسلة، المتاخم للأقصى، ويمضي نهاره على هذا المنوال مع عشرات من أصحاب محلات السنتواري (بيع الصور والرموز التذكارية والتاريخية) في المنطقة في انتظار أن يصادفوا فوجاً سياحياً، لعل وعسى يرتزقون منه ولو بالقليل.

"من أصله البلد ميتة. أجا (جاء) كورونا وخلّص عليها وعلينا"، يقول الصالحي لـ"العربي الجديد"، والذي كان قبل شهور أخلي من محله لصالح مالك العقار بعد نزاع قضائي استمر لسنوات، واتخذ بعد ذلك زاوية على قارعة الطريق ليعرض بعضاً من كثير كان يحتويه محله من معروضات للسياح.

في ناحية سوق الدباغة المتاخم لكنيسة القيامة، يقول التجار هناك، ومنهم محمد أبو عمر لـ"العربي الجديد": "إن الضجة التي رافقت انتشار كورونا وجّهت ضربة للحركة السياحية في البلدة القديمة من القدس والتي تعاني أصلاً من ركود وضعف، بسبب الدعاية الإسرائيلية المعادية للتجار العرب، وبسبب حملات الدهم شبه اليومية التي تنفذها دوائر الاحتلال الضريبية، خاصة في الأسابيع التي سبقت انتشار فيروس كورونا".

أما ناصر الجعبة، وهو صاحب محل سنتواري، في حارة النصارى، فيقول لـ"العربي الجديد": "إن الاحتلال أسوأ من كورونا، هذا الفيروس المسمى بالاحتلال لم يبق لنا شيئاً، نحن نمضي معظم أوقاتنا جلوساً أمام محلاتنا، أو نمارس لعبة الورق، أو الشطرنج، هذا أدى بكثير منا إلى إغلاق محلاته أو التحول إلى مهن أخرى خارج البلدة القديمة من القدس".

وفي عرضه للواقع الصعب الذي يعيشه تجار البلدة القديمة باختلاف مهنهم، يقول خالد الصحب، وهو صاحب متجر لألبسة الشباب في شارع الواد بالبلدة القديمة من القدس لـ"العربي الجديد": "الوضع غاية في الصعوبة، قبل كورونا وبعدها، ما نبحث عنه هو أن نجد من يقدم الدعم لنا حتى نصمد".

وبينما تتهيأ القدس لاستقبال شهر رمضان الشهر الذي يحل في نهاية إبريل/نيسان المقبل، ليس هناك ما يشير إلى أن تحسناً ما سيطرأ في الفترة القريبة القادمة، خاصة إذا ما تفشى كورونا على نحو أوسع مما هو عليه الآن، وتعذر وصول عشرات الآلاف من مواطني الضفة الغربية لأداء صلاة الجمعة، فيما لو تقرر إغلاق الاحتلال للضفة الغربية، والذي قد يتخلله أيضاً تعذر إقامة الصلاة في الأقصى حتى لمواطني المدينة أنفسهم.

يقول محافظ القدس عدنان غيث لـ"العربي الجديد": "إن دوائر المحافظة المختلفة تتابع عن كثب تطور الأوضاع جميعاً خلال هذه الفترة والفترة القادمة، وأنها لن تتوانى عن تقديم الدعم للقطاعات الاقتصادية المختلفة، لكن الوضع الآن صعب جدا بسبب إجراءات الاحتلال واستهدافه تجار المدينة، بالإضافة إلى ما فرضته تدابير الوقاية الصحية لمواجهة فيروس كورونا، والتي ألحقت أضراراً مضاعفة لعموم أبناء المدينة من تجار وغيرهم".

ويتطرق رئيس جمعية السياحة الوافدة في الأراضي المقدسة طوني خشرم، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى الخسائر الفادحة التي مني بها القطاع السياحي المقدسي، داعياً إلى تدارك مآلات الوضع الحالي.

ويقول خشرم لـ"العربي الجديد": "من الصعب التكهن بمآلات الخسارة المادية الجسيمة المتواصلة في قطاع السياحة الفلسطينية بسبب الجرح المفتوح وانتشار فيروس كورونا ومنع السياحة الوافدة وإلغاء الحجوزات بصورة دراماتيكية، إلا أنه يمكن الإشارة حتى الآن إلى وقوع خسائر فادحة تقدر بعشرات الملايين طاولت مرافق السياحة من مكاتب سفر وسياحة وفنادق ومطاعم ومرشدين سياحيين ونقل سياحي وتحف وبنوك ومواد غذائية يستهلكها السياح القادمين لتصل هذه الخسارة إلى المواطن العادي".

ويضيف: "بتنا نستمع إلى قصص استغناء عن عمال وموظفين في بعض المرافق السياحية لعدم قدرتها على تلبية متطلباتهم بسبب هذه الأزمة المستجدة والخطرة التي تهدد في حال استفحالها موسم أعياد الفصح المجيدة ومناسبة شهر رمضان هذا الربيع".

ويتابع إن "واجب الجهات المسؤولة عن إدارة القطاع السياحي الحيوي التحرك الفوري لإيجاد الحلول العملية للتخفيف من أضرار هذا الوباء وإنعاش الحالة السياحية بالطرق والوسائل كافة، لأنها تضرب عصب الاقتصاد الفلسطيني والمقدسي في الصميم، نحن ندرك صعوبة الظرف، إلا أنه لا مناص من التكاتف والتعاون لتجاوز هذه الأزمة الخطيرة".

وفي بيت لحم جنوب الضفة الغربية، أغلقت تداعيات فيروس كورونا، الموسم السياحي في المدينة، الأمر الذي يدفع بالكثير من سكان المدينة إلى البطالة.

يقول صالح البندك الذي يملك مطعماً سياحياً في المدينة لـ"العربي الجديد": "لا ذهاب ولا إياب أجلس في المنزل، لقد انتهى الموسم السياحي الحالي، وهو من مارس/ آذار الحالي حتى بداية يوليو/ تموز القادم، أُلغيت كل الحجوزات للحافلات السياحية التي ستأتي إلى مطعمي، لن يأتي أحد إلى بيت لحم، في الأيام الماضية مثلاً، كان من المُفترض أن استقبل في المطعم ثلاث عشرة حافلة سياحية، كل هذا أُلغي".

تضم محافظة بيت لحم 64 فندقاً، موزعة أغلبها على المدن السياحية الثلاث، بيت لحم، وبيت جالا، وبيت ساحور، جميعها خاوية على عروشها، ولم تعد تضج بالسياح كما ذي قبل، لتغلق الفنادق والمطاعم ومحلات التحف الشرقية "السنتواري" أبوابها، وجلس أصحابها والعاملون فيها في منازلهم، يحصون خسائرهم المالية.

ولم تخلُ بيت لحم من السياح إلا في عام 2002، فترة حصار المدينة خلال انتفاضة الأقصى، حيثُ استقبلت المدينة آنذاك 10 أجانب فقط، كانوا صحافيين لوكالات أجنبية، أتوا لينقلوا الأحداث لا أكثر، بحسب رئيس جمعية الفنادق الفلسطينية إلياس العرجا.

يقول العرجا لـ"العربي الجديد": "غادر 8 آلاف سائح مدينة بيت لحم منذ أكثر من أسبوع، وهم كل السياح الموجودين في محافظة بيت لحم، ولن تستطيع بيت لحم استقبال أي زائر أو سائح إلا بعد أن تخلو من هذا الوباء، وإلى جانبها كل الأراضي المقدسة في الداخل الفلسطيني المحتل، فالسائح عندما يأتي لبيت لحم، تُدرج مناطق أُخرى على برنامجه السياحي، كطبريا والناصرة والقدس، لذا من الضروري أن تخلو هي الأُخرى من كورونا، حتى تتمكن بيت لحم من استقبال الزوار".

ويتوقع عيسى جحا، صاحب أحد الفنادق في بيت لحم ومحلات "سنتواري" أن يتعافى الموسم السياحي بداية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في حال تعافت بيت لحم من كورونا.

يقول جحا لـ"العربي الجديد": "خسائرنا كبيرة، وأنا بصفتي أملك أكثر من محلٍ سياحي، ومنها الفندق، خسارتي مضاعفة لكني في كل الأحوال لا أستطيع التخلي عن الموظفين لدي، فلا ذنب لهم، أخبرتهم أن رواتبكم ستصل إليكم شهرياً حتى لو تم إغلاق الفندق، عقمت فندقي ومحلاتي وأغلقتها، لقد شعرت بالصدمة إزاء ما حصل لبيت لحم نحن نشعر أننا في نكسة، لم يكن بالحسبان حصول ذلك".

فنادق بيت لحم، ومطاعمها، ومحلاتها التي تبيع الهدايا التذكارية، والتحف الشرقية والمكاتب السياحية، جميعها خسرت عملها خلال الموسم السياحي الحالي، كما تمتد الخسارة إلى مرشدي السياحة، والباعة الجوالين، حتى حجاج كنيسة المهد، لم يعد بإمكانهم إشعال شمعة، إذ إن فيروس كورونا أطفأ قلب بيت لحم السياحي والديني.