كورونا يختبر جهاز الصحة في تونس

29 مارس 2020
الصورة
الوقاية من الفيروس الجديد تستلزم إجراءات مختلفة (ياسين القايدي/الأناضول)

عرفت تونس تاريخياً أمراضاً، منها الطاعون والكوليرا، حصدت أرواح كثيرين من أبنائها في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، لكنّ الأمر يختلف اليوم مع كورونا.

يأتي تفشّي فيروس كورونا الجديد في وقت يعاني النظام الصحي في تونس، فيجد المعنيون أنفسهم أمام الامتحان الأصعب في تاريخ دولة الاستقلال. فالظروف الاقتصادية الصعبة التي مرّت بها البلاد في السنوات الأخيرة تسببت في تراجع خدمات الصحة، إلى جانب موجات هجرة الكفاءات الطبية بسبب ضعف الميزانيات المخصّصة للقطاع الذي كان لسنوات طويلة مصدر فخر للتونسيين. ولم يسبق لمستشفيات تونس أن وجدت نفسها أمام ما تواجهه اليوم، مع توقّع انتشار أكبر لفيروس كورونا. فالطاقم الطبي يواجه تمدده بإمكانيات مادية محدودة، وإن كانت الخبرات عالية.

يقول رئيس قسم طب الطوارئ سمير عبد المؤمن لـ"العربي الجديد" إنّ "القطاع الصحي في تونس لم يشهد حالة طوارئ مثل تلك التي يعرفها اليوم"، لافتاً إلى أنّ "الاستنفار الذي يعيشه العالم بأسره سيكون أكبر اختبار لجهاز الصحة حتى يثبت قدرته على تجاوز المرحلة بأقلّ قدر من الأضرار". يضيف عبد المؤمن أنّ "دولة الاستقلال لم تشهد كوارث صحية أو طبيعية كبيرة، ما ترك المجال أمام السلطات لتطوير القطاع بتكوين الأطباء وبناء المستشفيات والكوادر الصحية في كل مناطق البلاد". ويتابع عبد المؤمن أنّ "آخر أزمة صحية عاشتها البلاد تعود إلى عام 1965 عندما انتشر الطاعون فيها"، مؤكداً أنّها "نجحت في تحسين مستوى الصحة في البلاد بالاستثمار في هذا القطاع الذي بلغ مراتب عالمية متقدمة قبل أن يتراجع في السنوات الماضية نتيجة الأزمة الاقتصادية وكذلك السياسية".



لكنّ "الأسس الصلبة التي يرتكز عليها القطاع الصحي في تونس" تبقي عبد المؤمن متفائلاً، فيقول إنّها "ستجتاز هذه الأزمة بأقلّ الأضرار". ويكمل أنّ "القطاع الصحي كافح على مدى ستين عاماً الأمراض السارية والخطرة وطوّر روزنامة التلاقيح طبقاً لتوصيات منظمة الصحة العالمية، غير أن اختبار كورونا الحالي سيفرض عليه مستقبلاً إعادة النظر في منظومة الطوارئ والإنعاش برمّتها، الأمر الذي يوجب على الدولة تخصيص موازنات كبرى لفائدة القطاع في السنوات المقبلة".

والأطباء التونسيون، بفضل كفاءتهم وتكوينهم الجيّد، يجدون طلباً كبيراً من قبل الدول الأجنبية لا سيّما الأوروبية منها، وهو ما تسبّب في هجرة أكثر من ثلاثة آلاف طبيب خلال السنوات الأخيرة. وتعاني تونس من هجرة أطباء الاختصاص نحو أوروبا، خصوصاً فرنسا التي استقطبت لوحدها 300 طبيب في عام 2017 بالإضافة إلى 420 طبيباً في عام 2018، وذلك إلى جانب الهجرة نحو البلدان الخليجية. ويهاجر الأطباء لأسباب عدّة، أبرزها إغراءات رواتب الأطباء في الخارج، فهي تساوي ستة أضعاف الراتب الذي يتقاضونه في تونس، فضلاً عن توفّر التجهيزات ووسائل العمل المتطورة التي تفتقر إليها مستشفيات تونس. يُذكر أنّ تونس تنفق ميزانية كبيرة على كليات الطب والصيدلة، فتعليم طالب طب واحد يكلّف الدولة نحو 100 ألف دينار تونسي (نحو 35 ألف دولار أميركي) سنوياً.

الأمور قد تفلت من السيطرة (الشاذلي بن إبراهيم/ Getty)


وتشير الأرقام الخاصة بوزارة الصحة العمومية إلى أنّ القطاع الصحي في تونس يوفّر سنوياً 18 مليون عيادة ومليون عملية جراحية و800 ألف إقامة في المستشفى، وهو ما يعكس أهمية دور القطاع العمومي بفضل شبكة المؤسسات الصحية المؤلفة من 29 مستشفى جامعياً و33 مستشفى جهوياً و121 مستشفى محلياً و2080 مركز صحة أساسياً.

في السياق، يبدو رئيس لجنة الصحة السابق في البرلمان والطبيب سهيل العلويني جازماً وهو يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الصحة في تونس ما بعد كورونا لن تكون هي نفسها ما قبل اختباره"، مضيفاً أنّ "تونس تحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة الصحة بفرعَيها العمومي والخاص". ويتابع أنّ "كورونا أثبت أنّ الاستثمار في الصحة هو الأساس لكلّ شعوب العالم، ولا بدّ من أن تعيد تونس النظر في سياستها الصحية والطبية المستقبلية". ويرى العلويني أنّ "القطاع الحكومى كان، ويجب أن يظلّ، القطاع المرجعي لتكوين أطباء وكوادر شبه طبية على درجة عالية من الكفاءة، بالإضافة إلى تطوير البحوث العلمية"، لافتاً إلى أنّ "الشراكة مع القطاع الخاص مهمّة كذلك للتكامل بين المنظومتَين ولتمكين المواطنين من حقهم الدستوري في النفاذ إلى علاج جيد وبناء منظومة صحية صلبة".



ويوضح العلويني أنّ "ضعف الموازنة المخصصة للصحة بسبب الصعوبات التي مرّت بها البلاد لم يسمح بتطوير المستشفيات والهياكل الصحية التي فقدت جزءاً من إمكانياتها المادية والبشرية"، مشدداً على أنّ "الوقت قد حان لزيادة مخصصات الصحة". ويذكر العلويني أنّ "القطاع الحكومي يتحمّل عبئاً مالياً كبيراً بسبب توفير العلاج لأكثر من ثلاثة ملايين تونسي مجاناً أو بتعرفات منخفضة في إطار نظام التكافل الصحي"، داعياً إلى أن "تشمل المراجعات الجذرية كذلك نظام التغطية الصحية لا سيّما أنّ 80 في المائة من المرضى التونسيين يقصدون المستشفيات الحكومية بحثاً عن العلاج".

دلالات