كورونا وفيصل القاسم... في الاتجاه الزائف

29 مايو 2020
لو أن الأستاذ فيصل القاسم زارني في عيادتي كمريض وأخطأت في تشخيصه وعلاجه بسبب الإهمال، فتسبب ذلك له بأذى مادي ومعنوي، لكان له مطلق الحق في مقاضاتي عبر رفع دعوى عليّ في المحاكم المختصة. ولكانت فرصته كبيرة في تحصيل تعويض عما لحق به من الأذى، بل وربما حكمت المحكمة أو نقابة الأطباء بسحب ترخيص مزاولة المهنة مني فيما لو ثبتت الأذية الناجمة عن إهمالي الطبي. هذان الشرطان، الإهمال وحدوث الأذية لا بد من توافرهما للحكم ضد أي طبيب في أي قضية يرفعها عليه مريض.

فلو أثبت، مثلاً، المريض إهمال الطبيب، كأن غفل عن تقرير مخبري أو شعاعي لمريضه لكن لم ينجم عن ذلك أذية للمريض، عندها لا يُحكم ضد الطبيب، وكثير من الأخطاء الطبية تقع تحت هذا النوع.

ولو أثبت، مثلا، المريض حدوث أذية ناجمة عن عملية جراحية، لكن لم يستطع إثبات إهمال الطبيب، فأيضاً لن يصدر حكم ضد الطبيب، لأن مهنة الطب بالأصل مهنة الموازنة بين شرين، فأي عملية جراحية هي بالحقيقة موازنة بين تخفيف مفسدة المرض الذي تجرى عليه العملية كالتهاب المرارة مثلاً، مع مفسدة العملية الجراحية نفسها التي لا تخلو من ذلك كخطر التخدير العام وخطر الالتهاب الإنتاني عقب العملية والنزف وغير ذلك.

فإذا أثبت الطبيب أنه اتخذ الاحتياطات والوسائل اللازمة كافة المتعارف عليها علمياً أثناء إجراء العملية، ورغم ذلك حدثت اختلاطات ومضاعفات فإن الطبيب غير مسؤول عندها عن ذلك. أمّا من يقرر أن الطبيب لم يُهمِل فهم مجموعة ممن نسميهم شاهدي الخبرة، أي خبراء في مجال عمل الطبيب يشهدون معه أو ضده. هذان الشرطان، الإهمال والأذية هما اللذان يحددان المسؤولية الجزائية ضد أي طبيب.

لكن لو أن الأستاذ فيصل القاسم خرج علينا في حلقة من حلقات الاتجاه المعاكس وبث الكثير من الأقاويل التي لا ترقى إلى كونها معلومة، وتسبّبت هذه الأقاويل في حدوث أذيات للناس، فليس هناك طريقة حالياً لمقاضاته بسبب الإهمال وحدوث الأذية، لأن مهنة الإعلام العربي حالياً يحكمها المثل السوري الشائع: "ما في على الكلام جمرك" أي الحكي ببلاش لا يغرّم صاحبه ولو كان الكلام خاطئاً وأدى إلى أذية.


ما دفعني لهذه المقدمة الطويلة هو حلقة الاتجاه المعاكس التي بُثت مساء يوم الثلاثاء الماضي 26 مايو/أيار تحت عنوان: "جدل مستمر بين أطباء العالم حول حقيقة كورونا.. طبيعي أم معدل؟".

لا يهمني ما تفضل به الضيفان اللذان استضافهما القاسم في البرنامج، فالجواب عن حقيقة كورونا ما زال قيد البحث ولم يُتوصل فيه لنتيجة حاسمة بعد، إذ من المبكر جداً الوصول لنتيجة عن حقيقة داء ككورونا لا نعلم عنه إلا القليل، وكل يوم نعلم شيئاً ينقض ما علمناه بالأمس.

وهذا ليس ديدن الأمراض الفيروسية فحسب، لكنه يشمل كل مجالات الطب تقريباً. فقبل خمسين عاماً مثلاً كان المصاب بالجلطة القلبية يُريَّح في السرير لا يتحرك لستة أسابيع. أما اليوم فإن المريض يتحرك بمجرد انتهاء عملية القسطرة. بل عدم تحريك المريض قد يسبب خثرات في الأوردة العميقة للساقين قد تهاجر إلى الرئة فتحدث جلطة رئوية قد تكون قاتلة.

ما يهمني في هذا المجال إذاً ليس السجال الطبي الصحي، لكن ما يهمني أمران عرض لهما القاسم في الحلقة بشكل حاسم يوحي بأنهما معلومتان مؤكدتان، ولو أن صحافيا في مؤسسة إعلامية محترمة عرضهما كحقيقتين لفصل من عمله في اليوم التالي، ولخسر سمعته المهنية خسارة قاطعة لا رجعة عنها، ولربما سحبت نقابة الصحافيين من الصحافي ترخيص مزاولة المهنة.

فما هما هذان الأمران اللذان عرضهما فيصل كأنهما حقيقة مسلّم بها؟

الأمر الأول: في الدقيقة 35، حين وجه السؤال لأحد الضيفين عن رأيه بالفيديو الذي انتشر على يويتوب مؤخراً ويدّعي أن بيل غيتس ظهر في أثناء محاضرة ألقاها في وكالة الاستخبارات الأميركية عام 2005 عن "كيف نستطيع أن نتحكم بالمتطرفين في العالم وخاصة في الشرق الأوسط؟".

كنت قد شاهدت الفيديو بنفسي عقب انتشاره الأسبوع الفائت. ومن يشاهد الفيديو ويبحث عن حقيقته سيعلم أن المتكلم في الفيديو ليس بيل غيتس، وأن الحضور ليسوا من وكالة المخابرات الأميركية، وأن الفيديو مركب تركيباً يوحي بذلك. وهذا رابط يدحض كل ما ذكره فيصل القاسم عن الفيديو.

أما الأمر الثاني: حين عرض فيديو لصحافي يدعي أنه اكتشف أمراً خطيراً هو أن قانون كيرز CARES الذي مرره الكونغرس الأميركي ووقعه الرئيس دونالد ترامب، في شهر مارس/آذار الماضي، وبموجبه تدخلت الحكومة الفيدرالية الأميركية بضخ تريليونات الدولارات لإنعاش مفاصل اقتصادها الذي كان على وشك التهاوي، هذا القانون يقول الصحافي إنه بُدِئ العملُ عليه في شهر يناير/كانون الثاني 2019، أي قبل حدوث الجائحة بسنة تقريباً، وهو ما يوحي بوجود مؤامرة حاكتها الحكومة الأميركية منذ أشهر طويلة استعداداً للوباء.

وقد كنت حين انتشر الخبر بداية على صفحات الشبكة العنكبوتية، سألت ابني الذي يعمل في مكتب قناة "سي إن إن" في واشنطن عن الخبر، فأجابني وهو الصحافي اليافع بأن خبراً كهذا لا يمكن أن يمرّ على عتاة الصحافيين المخضرمين والشبكات المحترمة التي لديها جيش من المراسلين في الكونغرس، عملهم فقط متابعة كل مشروع قانون يصدر عنه إلى أن يصبح قانونا نافذا في البلاد.

ومع ذلك طلع علينا القاسم في الدقيقة 41، بدقيقة كاملة بُث فيها فيديو منسوب لهذا الصحافي المجهول الذي يدعي أن هذا الاكتشاف أهم اكتشاف له خلال 30 عاماً على ممارسته المهنة.

ومن يتابع الأمر سيجد أن قانون كيرز الموقع مؤخرا، بدأ في يناير 2019، لكن كمشروع قانون آخر لا علاقة له من قريب أو بعيد بقانون كيرز، وإنما جل ما في الأمر أن السيناتور ميتش ماكونل رئيس مجلس الشيوخ، أحيا مشروع قرار من يناير 2019 فأضافوا إليه الحوافز الاقتصادية المحفزة للاقتصاد الأميركي، ومرّروه بسرعة لإحداث الإنعاش الاقتصادي. هذا القانون، لو أراد الكونغرس العمل عليه من الصفر لاستلزم الأمر أسابيع بل ربما أشهراً طويلة.

وهنا نتساءل لماذا استشهد القاسم في حلقته تلك بأمرين يعتبران من الأخبار الزائفة؟.. الجواب أمران، أحلاهما مر.

فإما أن زيف الخبرين فات على فيصل وهو من هو في قامته الإعلامية الشامخة، وهو الذي كان يُتوقع أن يكون حكماً قيماً في حال استشهد أحد الطرفين بهذين الخبرين الزائفين فيوقفه مباشرة، ولا يسمح له باستخدامهما في تثبيت حجته أو دحض حجة المناظر الآخر.

أو أنه استشهد بالخبرين الزائفين عن قصد ليدعم أحد الاتجاهين المتعاكسين ضد الآخر، وهذا لعمري يدخل في باب سوء العمل المهني المتعمد عن قصد، الذي لو ارتكبه طبيب فعالج مريضاً بعلاج يعلم ضرره على المريض لما فقد رخصة مزاولة المهنة فحسب، بل لأُودِع السجن أيضاً.

وهنا يحق لنا أن نتساءل.. هل لقناة الجزيرة "لجنة مراجعة النظراء" تراقب داخلياً وذاتياً عمل صحافييها ومراسليها، بحيث إذا أخطأ صحافي في إيراد خبر تبين فيما بعد زيفه يُحال على لجنة مختصة تصدر حكمها في الموضوع؟

قد يتساءل أحدهم لكن ما الضرر المادي أو المعنوي الذي سيسببه خبر زائف كهذا؟.. ربما لن نستطيع قياس الضرر لكننا لا نستطيع نفي حدوثه، فلو توفر لقاح لكورونا في قابل الأيام ثم رفض بعضهم تناول اللقاح لقناعتهم بأن بيل غيتس يريد السيطرة على عقولهم، حسب دعوى زائفة نُحِلَت إليه في فيديو كاذب، ثم أصيب الرافض للتلقيح هذا بالداء، ونقلوه لآخرين فاستعاد الوباء فوعته، وضراوته، فأدى لإصابات جديدة ووفيات أرهقت من جديد القطاع الصحي وكوادره المرهقة أصلاً بالفوعة الأولى.. فمن يتحمل هذا الخطأ؟

مما سبق فإن من يتحمل هذا الخطأ طرفان هما فيصل القاسم وقناة الجزيرة ذاتها. لهذا ولخطورة الموضوع، لا بد من نشر اعتذار من قبل قناة الجزيرة على العلن عن الخبرين الزائفين احتراماً لمشاهديها.

أما فيصل فهو بحاجة إلى أربعة اعتذارات:
أولها: إلى القناة التي أتاحت له منبراً تتصادم فيه الآراء وتتلاقح بغية الوصول للحقيقة.
ثانيها: إلى زملائه في القناة الذين يصلون الليل بالنهار لنقل المعلومة كما هي غير محرفة أو مزيفة، ليصبحوا في مرمى النيران بسبب خطأ مهني لزميل لهم.
ثالثها: إلى ضيفه الدكتور حسان الصواف الذي كان المتلقي للخبرين الزائفين ولم يعلم بزيفهما، فظهر بموقف مهزوز لا يليق بالبرنامج أن يضع ضيوفه فيه، فالضيف يفترض أن ما ينقل إليه قد تم تمحيصه وتحقيقه من قبل المعدين والمقدمين قبل إخراجه للشاشة.

وآخر الاعتذارات هو إلى مشاهديه في أنحاء العالم، الذين يستحقون منه كل احترام فيحترم عقولهم، ولا ينقل خبرا زائفاً يلبِّس به عليهم حقيقة الأمور، فتتشوش الرؤية لديهم ويفقدوا القدرة على التحليل والتقويم وبناء رأي أقل ما يقال فيه إنه رصين لأنه صدر بعد مشاهدة قناة الجزيرة.
تعليق: