كورونا وفنانو اليمن: الفيروس يفرض بطالة إجبارية

04 ابريل 2020
الصورة
الفنان اليمني أمين عطران (فيسبوك)
+ الخط -
لم تصل جائحة كورونا بعد إلى اليمن، كما تقول البيانات الرسمية، غير أن كل ما يتعلق بالوباء قد سبقه فارضاً حجراً صحياً على الواقع الفني والثقافي وكثير من جوانب الحياة الاجتماعية، في بلدٍ يتجرَّع مرارة حرب التحالف السعودي الإماراتي منذ خمس سنوات، وما صاحبها من انهيار شامل في البنية التحتية وشلل مستدام في التظاهرات الفنية، إلى جانب الإهمال الرسمي ونظرة المجتمع الدونية للفن، واقتصار الغناء على حفلات الأعراس، في طقوسٍ اعتادها أبناء البلد منذ عقود.

مع اكتساح وباء كورونا الجديد "كوفيد ــ 19" لبلدان العالم خلال الشهرين المنصرمين، والارتفاع الكبير في عدد الإصابات الذي تجاوز مليون حالة حول العالم، والتوقعات المتكررة بتفاقم المعاناة الناتجة منه، وإلى جانب انهيار المنظومة الصحية في اليمن، لجأت حكومة الرئيس هادي (في الرياض)، و"حكومة الإنقاذ" في صنعاء (يديرها الحوثيون) إلى اتخاذ قرارات وتدابير وقائية لمنع وصول الوباء أو الحد من انتشاره السريع، حال وصوله، من بينها إيقاف الفعاليات الثقافية والفنية، وزاد الحوثيون قرار إغلاق صالات الأعراس أمام مناسبات الأفراح والمآتم؛ لمنع الازدحام الذي يمكن أن يساعد على تفشي الفيروس.

تلك التدابير، رغم ما توفّره لكثير من اليمنيين من وقاية واحتراز، أسهمت في خلق أزمة فنية غير مسبوقة، انعكست سلباً على الفنانين والفرق العازفة معهم، ودفعت الكثير منهم إجبارياً إلى رصيف البطالة، وإن بدا ذلك مؤقّتاً؛ لكون الأعراس هي المصدر الوحيد للدخل، وتوقّفها يعني أن يُضَاف عدد منهم إلى قائمةٍ تضم حالياً 75 في المائة من السكان البالغ عددهم 30 مليون نسمة، هي قائمة الفقراء، كذلك فإن تلك الإجراءات تساهم في حرمان متذوّقي الفن اليمني الاستماع المباشر إلى فنانيهم المفضّلين وأغانيهم الخاصة.

تجري بعض طقوس الأعراس في اليمن في قاعات عملاقة تتسع للمئات من المشاركين للعريس فرحته، يقتضي حضورها الصعود على المنصة لمصافحة "الحريو" كما يسمونه، والتقاط صورة تذكارية، ومن ثم الجلوس لتعاطي القات (نبتة يمضغها نحو 90 في المائة من اليمنيين) والاستماع إلى الفنّان وأو المنشد لساعات، وهي عادات وتقاليد متوارثة، يراها المختصّون مساعدة على انتشار الوباء بسهولة، لذا أوقفت.

يقول الفنان شرف القاعدي، إن "توقف الأعراس يعني توقف الدخل تماماً، لأن كثيراً من الذين كانوا قد حددوا مواعيد زفافهم ألغوا المواعيد أو قرّروا إقامة حفلات صغيرة في منازلهم أو بجوارها"، ويضيف في حديث إلى "العربي الجديد": "هناك عدد لا بأس به من المواعيد أُلغي، وعدد أُجِّل إلى تاريخ معين، غير أن قرار المنع أوقف كل شيء".

من جانبه، يقول المطرب أمين عطران، إن تأثيرات القرارات يمكن أن تظهر جلياً في الوقت المقبل، لكنه يرى أن ذلك التأثير محدود على المطربين، بينما الأثر الكبير سيكون من نصيب الفرق المرافقة لهم، من عازفين وعاملين على الصوتيات، ويضيف عطران في حديث إلى "العربي الجديد": "القرارات شملت إغلاق الصالات ومنع التجمّعات فيها، لكن بعض الأعراس أقيمت في المنازل بحضور عدد قليل من أهل العريس".

ذلك يعود بالتاريخ عقوداً إلى الوراء، كما يقول القاعدي إنه "يعيدنا إلى ما قبل إنشاء صالات الأعراس في تسعينيات القرن الماضي، حين كانت المنازل تفي بغرض الحفلة"، وبالنسبة إليه، فإن هذه البدائل ليست أماكن جيدة لحفلات الأعراس؛ إذ ينتهي وقت الفنان عند غروب الشمس، بينما في الصالات يتاح الوقت إلى ساعات متأخرة من المساء، ولكون المنازل لا تتسع لكثير من المحتفلين.

توقيت تطبيق الإجراءات الاحترازية يبعث الأمل لدى العاملين في الحقل الفني، إذ إنّ مدة 14 يوماً مقبولة، خاصة أنها تأتي كضرورة لتفادي الوقوع في الكارثة التي تعصف اليوم بالعالم. غير أن التصريحات البريطانية الأخيرة القائلة باحتمالية انحسار الوضع نحو الأسوأ، وتنبّؤ الصين بحدوث موجة جديدة للفيروس، يمكن أن تمدّد فترة القرارات لأكثر من أسبوعين آخرين.

ليس ثمة مشكلة بالنسبة إلى عطران مع إجراءات كهذه؛ إذ تمثّل صحة المجتمع وسلامته أهم قيم الفن لديه، بينما يرى القاعدي أن الامتثال لقرار الحكومة قد يفقدهم دخلهم الوحيد، بيد أنه "يجنّبنا ومجتمعنا خطر الوباء الذي غزا دول العالم المتقدّم وأوقفها عاجزة أمام ثورته، فما بالنا في وضع اليمن المنهك بالحرب والحصار؟"، على حد قوله. ويضيف أيضاً: "نحن غير قادرين على مجابهة هذا الوباء، ولولا العناية الإلهية بنا لانقرضنا قبل كورونا: فقط مما حدث لنا خلال الخمس سنوات الماضية".

وفي الوقت الذي تدعو فيه الحكومات والمنظمات اليمنيين إلى المكوث في منازلهم للوقاية من كورونا، يطالب القاعدي المتصارعين اليمنيين بتغليب مصلحة الشعب وإيقاف الحرب وصرف مرتبات الموظفين المنقطعة منذ أواخر 2016؛ ليتاح لهم البقاء في منازلهم دون الخوف من الموت داخلها من الجوع وخارجها من الوباء.

المساهمون