كورونا والهلع الجماعي

21 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
في كتابه "الجموع والقوة" الذي نُشر عام 1960، يكتب عالم الاجتماع والنفس، إلياس كانيتي، عن حالات الهلع الجماعي التي تسببها الأوبئة، حيث يكون الذعر شديدًا بين الناس، وذلكَ بسبب أن العدو غير معروف، وغير منظور، وليسَ من الممكن تجنّبه، لأن كل ما يتعلق به يكون مجهولًا، والإنسان يخاف من المجهول. ويشعر الناس بأن هذا العدو المجهول مفروض عليهم من الخارج، وأن من ورائه قوة غير معروفة، وقدرًا محتومًا. الوباء يجعل الناس سواسية في الخوف من العدوى، بحيث يؤدي ذلك إلى شلل وتعطلٍ في الحياة الاعتيادية والاجتماعية إلى حد كبير، فالأمل بالحياة بات متوقفًا على المسافة الآمنة عن الآخر. الخوف الفردي يتحوّل إلى حالة هلع جماعي، يفقد فيها الفرد عقلانيته لصالح غرائزه التي تحرّكها مشاعر الخوف.
ينطبق وصف كانيتي أعلاه (مضى عليه 60 سنة) على ما نراه اليوم من سلوك الناس تجاه فيروس كورونا، وهو سلوكٌ أقل ما يمكن أنّ يقال عنه إنه غير عقلاني، خصوصا فيما يتعلق بعملية شراء الأطعمة ووسائل التعقيم والتنظيف وتخزينها. السؤال: كيف تتولد حالات الهلع، وكيف يفقد الفرد فرديته وقدرته على التفكير العقلاني لصالح التفكير الجماعي الغريزي؟ كيف تسيطر الـ "نحن" على الـ "أنا" حتى تذوّبها تمامًا؟ في إحدى التجارب الشهيرة في علم النفس 
الاجتماعي، طلب من أفراد العيّنة كلٌ على حدة أن يجلس في قاعة ليجيب عن استبيان وهميّ، لتتم مراقبة تصرفاته، حين أخرج دخانٌ بشكل مفاجئ من إحدى زوايا الغرفة، فماذا كانت ردّة فعله؟ 75% من الأفراد الذين طُبقت عليهم التجربة خرجوا مسرعين من المبنى، وأبلغوا عن الأمر. ثم تمت إعادة التجربة، ولكن في هذه المرّة بوجود أشخاص آخرين في القاعة مع الفرد الذي تطبّق عليه التجربة، هؤلاء الأشخاص متواطئون مع الباحث، وقد طلب منهم أن يتصرّفوا وكأن شيئًا لم يحصل حين يخرج الدخان من زوايا القاعة، فكيف تصرّف هؤلاء الأفراد في هذه الحالة؟ فقط 10% تركوا القاعة وبلغوا عن الأمر، أي بفارق 65% عن المرّة الأولى حين كان الفرد وحده. فكيف يمكن تفسير هذا الفارق بين الحالتين؟
الأفراد في الحالة الثانية، حين رأوا الآخرين يتصرّفون بشكل طبيعي مع وجود الدخان، وقعوا في حيرةٍ من أمرهم، ولم يستطيعوا أن يحدّدوا ما إذا كان عليهم القلق أم لا، بينما حين كانوا بمفردهم اتخذوا قرارهم فوراً، وتصرفوا على أساس هذا القرار بالخروج من القاعة وطلب المساعدة. وتعرض هذه التجربة حقيقةً سيكولوجيةً أساسيّة: كي يستطيع الإنسان أن يحدّد ما يجب فعله في موقفٍ غامضٍ ما لا يعتمد فقط على حكمه الفردي، وإنما يحاول أن يلاحظ سلوك الآخرين الموجودين معه في الموقف نفسه، ويحاول أن يبني حكمه من خلال سلوكهم. وهذا ما أطلق عليه عالم النفس الاجتماعي روبير تشيلديني "الاستدلال من خلال الدليل الاجتماعي".
أكثر الأمثلة المعروفة عن هذا النوع من الامتثال الاجتماعي الذي نقوم به جميعنا، وبشكل لا إرادي، في حياتنا اليومية هو حالة التصفيق، سواء في قاعات المسارح أو في أثناء الخطابات، فما أن يبدأ أحد الحضور بالتصفيق حتى يتبعه الآخرون بالتصفيق، ونحن بدورنا نبدأ بالتصفيق كذلك. وفي أحيان كثيرة، يكون الأمر أوتوماتيكيا وبدون تفكير، والأمر نفسه بالنسبة للضحك الجماعي، فنحن نبتسم ونضحك، ما إن نرى الآخرين يضحكون في موقفٍ ما، حتى وإن كان الأمر غير مضحك بالنسبة لنا. من خلال المثالين السابقين، يمكن استنتاج مدى قوّة تأثير الآخرين على سلوكنا وطرق تفكيرنا.
في الظروف الراهنة، حيث القلق والخوف يسيطران على الناس بسبب فيروس كورونا (كوفيد - 19)، تبدو حالة الامتثال الاجتماعي في أوضح صورها، فبعض الناس من حولنا يشير إلى شدّة هذا الوباء وخطورته. في المقابل، يحاول آخرون مواجهة قلقهم والتخفيف منه، باللجوء إلى 
استراتيجيات مواجهة معرفية، كمقارنة هذا الفيروس مع فيروس الأنفلونزا العادية. وفي مثل هذه الحالة بالضبط من عدم اليقين والتردّد والخوف وتضارب المعلومات والمواقف، نلجأ بشكل لا شعوري إلى ملاحظة الآخرين (ملاحظة ما يفعلونه وما يشعرون به)، لكي نقرّر المناسب لنفعله نحن. ولكن كيف يمكننا أن نعرف كيف يفكّر الآخرون، وما الذي يفعلونه ويشعرون به تجاه هذا المرض؟
هنا يأتي دور وسائل الإعلام، فهي تغرقنا بالأخبار عن ردود أفعال الناس ومشاعرهم تجاه هذا الوباء، فحين نرى في نشرات الأخبار والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي صور رفوف المتاجر الفارغة، وأناسا يملأون عربات تسوّقهم بطريقة غير عقلانية، نعرف كيف يفكر الآخرون وكيف يتصرفون، فينتابنا شعورٌ فوري بالخوف والقلق، وبأن علينا أن نقوم بالشيء نفسه الذي يقومون به، قبل أن نصبح في حالة عوز، بسبب فقدان المواد الأساسية في المتاجر. إنها ظاهرة النبوءة ذاتية التحقق: ترقّب انقطاع المواد يولّد بذاته انقطاع المواد.
مشاهد رفوف المتاجر الفارغة، والتي تنشرها وسائل الإعلام، والكلمات التي يتم استخدامها في وصف فيروس كورونا مثل: القاتل والفتّاك والجائحة المميتة وغيرها، بالإضافة إلى نشر أعداد المصابين التي تتزايد من ساعة إلى أخرى، تستحوذ على تفكيرنا وتعزّز حالات الخوف والذعر الجماعي، فتدفع إلى السلوكيات الشرائية المهووسة التي يقوم بها الناس ردّة فعل على خطر الوباء، هذه السلوكيات تولّد شعورًا زائفًا بالأمان عندهم. وفي حالات الهلع الجماعي، تسيطر علينا الانفعالات بشكل كبير، فتتحكّم بنا وبقراراتنا، وتُبعدنا عن التفكير بشكل منطقي، فنخسر بذلك قدرتنا على التحليل الموضوعي، ويصبح الخوف مُعديًا مثل أيّ وباء، وينتشر بسرعة بين الأفراد، ويتحول إلى كتلة من المشاعر السلبية المشتركة التي تنتشر عبر الجماعات والمجتمعات.
صحيح أن الهلع لا يكون بالدرجة نفسها عند الجميع، ولكن الدراسات أظهرت أن شدته تكون أكبر عند الذين يتعرّضون كثيرًا لوسائل الإعلام، ولا يعتمدون في جمع معلوماتهم سوى عليها. وبطبيعة الحال، لا تعكس وسائل الإعلام صورةً دقيقةً عن تصرفات الناس، وهذا ينطبق خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث حب الظهور وتأكيد الذات يسيطران على سلوك بعضهم، فيدفعهم إلى المبالغات. للأسف، هناك حالة من التعايش بين حالات القلق الجماعي والأزمات من جهة ووسائل الإعلام من جهة أخرى، فكلما زادت حدّة الأولى، زاد الاعتماد على الثانية، وهذه الأخيرة عادةً ما تسلط الضوء على الحالات أو الأخبار غير الطبيعية، لأنها تجذب الجمهور. وبذلك تتشكل حلقة مفرغة يصعب الخروج منها، فحين تصف وسائل الإعلام هلع الآخرين بإظهارها رفوف المتاجر فارغة هي تنشر بطريقة ما الهلع، حتى وإن دانته، لأنها تقول ببساطة أنه لم يبق شيء لنشتريه في حالة الحاجة له.
ما نحتاجه الآن في الظروف الراهنة ليس فقط التوعية الصحيّة لمواجهة العدوى من كورونا، وإنما أيضًا توعية نفسيّة لمواجهة حالات عدوى الهلع جنبًا إلى جنب.