كورونا والنفط يضغطان على الاقتصاد الجزائري

06 ابريل 2020
الصورة
أسواق الجزائر مغلقة والاقتصاد يعاني (Getty)
+ الخط -

لم يلبث اقتصاد الجزائر أن وقف على قدميه بعد ركود طويل امتدّ لفترة عام بسبب الحراك الشعبي الذي هزَّ الشوارع وأزاح بوتفليقة من منصبه وزجَّ بالعديد من المسؤولين خلف قضبان السجون حتى تعرَّض لانهيار أعنف من ذي قبل بسبب تفشِّي فيروس كورونا في معظم المدن وهبوط سعر برميل النفط الذي وصل إلى ما دون 25 دولارا في 18 آذار/ مارس 2020. 

وتعرَّض الاقتصاد الجزائري في وقت وجيز إلى صدمة مزدوجة لم تحسب لها الحكومة أي حساب، والأصعب من ذلك أنّ خزينة الدولة لا تحتوي على سيولة تفسح المجال للمناورة، وبالتالي لن يتمكَّن الاقتصاد من المقاومة مع مرور الوقت، وقد تعجز الحكومة تماماً عن تلبية حاجيات المواطنين إذا طال أمد الأزمة المزدوجة أكثر مما ينبغي.

لقد وصل عدد الإصابات المؤكَّدة بفيروس كورونا إلى 367 وارتفع عدد الوفيات إلى 25 يوم 27 آذار/ مارس 2020، ويتزامن التفشِّي السريع لهذا الفيروس الفتَّاك وغير المرئي مع وصول سعر النفط إلى مستويات دون الخمسة والعشرين دولاراً بسبب الحرب النفطية الطاحنة الدائرة بين القطبين الأساسيين في عالم النفط وهما روسيا والسعودية.

ونتيجة لذلك اتَّخذت الحكومة حزمة إجراءات تغلَّب عليها طابع التقشُّف وتجرَّدت ملامحها من الحس الإنساني، حيث قرَّر مجلس الوزراء في اجتماعه يوم 22 مارس/ آذار 2020 تخفيض نفقات ميزانية التسيير بنسبة 30 بالمائة، وتقليص فاتورة الاستيراد من 41 إلى 31 مليار دولار.

كما قررت الحكومة تجميد الخوض في مشاريع جديدة، وتكليف الشركة الوطنية لنقل وتسويق المحروقات (سوناطراك) بالتخفيض من أعباء الاستغلال ونفقات الاستثمار من 14 إلى 7 مليارات دولار، والتوقُّف عن إبرام العقود المتعلقة بالدراسات والخدمات مع المكاتب الأجنبية من أجل توفير مبلغ مالي يصل إلى 7 مليارات دولار، بالإضافة إلى تشجيع المزيد من الاندماج المالي، وكذا الصيرفة الإسلامية، وتحسين أداء وفعالية القطاع الزراعي ورفع الإنتاجية الزراعية من أجل ضمان الأمن الغذائي.
وعادة ما يتم اتِّخاذ مثل هذه التدابير التقشُّفية العاجلة لترشيد النفقات في ظلّ تهاوي أسعار النفط، ولكن يفرض تفشِّي فيروس كورونا اتِّخاذ سلسلة إجراءات تتماشى أيضاً مع واقع تعطُّل العمالة غير المنتظمة التي تعيل أسراً والمتضرِّرة من كورونا، وتنامي احتياجات المواطنين من المواد الغذائية الأساسية والمستلزمات الطبية وضرورة إصلاح المستشفيات الجزائرية غير المستعدّة لمواجهة فيروس كورونا.

كما تمخَّض اجتماع مجلس الوزراء عن التعجيل بعملية تحصيل الضرائب والرسوم، وكذا استرجاع القروض الممنوحة من طرف البنوك العمومية.

وهذا ما يتناقض تماماً مع قرار غلق المحلات والمراكز التجارية والمقاهي والمطاعم وتسريح أكثر من 50 بالمائة من العمال في القطاع الاقتصادي والخدمات العمومية والخاصة، حيث يتنافى هذا السعي الحكومي لتحصيل المزيد من الإيرادات الضريبية مع عجز دافعي الضرائب عن دفع التزاماتهم الضريبية نتيجة لتوقُّف أعمالهم وتحمُّلهم لخسائر كبيرة وخصوصاً ذوي المداخيل الضعيفة.

وفي الوقت الذي تهتمّ فيه الحكومة بتحصيل المزيد من أموال دافعي الضرائب، تعلن دول أخرى عن مساندتها التامة لدافعي الضرائب، وكذا تحفيزها للشركات والقطاع الخاص، فعلى سبيل المثال يكافح الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال خوضه معركة شدّ وجذب مع الكونغرس من أجل تقديم مدفوعات نقدية بقيمة 500 مليار دولار لدافعي الضرائب.

وبعد أيام من تلك المفاوضات توصَّلت إدارة ترامب وأعضاء مجلس الشيوخ يوم 25 مارس/ آذار 2020 إلى حلّ وسط بشأن خطة لدعم الاقتصاد الأميركي بقيمة 2.2 تريليون دولار، حيث سيتم دفع 377 مليار دولار للشركات الصغيرة، كما سيتلقَّى الأفراد الذين يصل دخلهم إلى 75 ألف دولار سنوياً مدفوعات مباشرة قدرها 1200 دولار.

وستحصل العائلات على 500 دولار إضافية لكل طفل، كما سيتم تخصيص 130 مليار دولار للمستشفيات و150 مليار دولار للحكومات المحلية والولايات، وسيتم تقديم 500 مليار دولار للشركات المتعثِّرة، وسيرتفع الحد الأقصى لإعانات البطالة بمقدار 600 دولار أسبوعياً ولمدة أربعة أشهر.

وتعتبر قطر من بين الدول التي أبدت سخاءً كبيراً تجاه مواطنيها وشركاتها، فقد قامت بإعفاء السلع الغذائية والمستلزمات الطبية من الرسوم الجمركية لمدة ستة أشهر، إضافة إلى تقديم مساهمة مالية بغية تحفيز القطاع الخاص تصل إلى 75 مليون ريال، أي ما يعادل 20.6 مليون دولار.

كان يمكن أن تظهر المساعدات المالية على أجندة اجتماع مجلس الوزراء في الجزائر لولا النهب الكبير لأموال الخزينة وريع النفط والغاز، ولكن في ظلّ الصعوبات التي تكتنف عملية استرجاع الأموال المنهوبة والتي تُقدَّر بأكثر من 200 مليار دولار والمودعة في البنوك الأجنبية بالخارج، يستحيل على الحكومة الجزائرية أن تعرب عن تضامنها ومساندتها المادية على الأقل للفئات الهشة والعمالة غير المنتظمة التي تضرَّرت بسبب إجراءات الحدّ من انتشار فيروس كورونا.

كما تشكِّل الضبابية التي تحوم حول طول مدّة أزمة كورونا هاجساً يؤرق أغلب الشركات والمصانع الجزائرية التي باتت مهدَّدة بالانهيار بسبب نفاد مخزون المواد الخام المستوردة من الصين والدول الأوروبية جرَّاء تعليق الرحلات التجارية بين الجزائر وتلك الدول.

والأمر سيان بالنسبة للشركات العاملة في حقول النفط والتي تستمرّ بإخراج الخام الأسود الذي يباع بأقل من كلفته التي تضمّ تكاليف التشغيل وﺍﻟﺒﺤﺙ ﻭﺍﻟﺘﻨﻘﻴﺏ ﻭﺍﻻﺴﺘﺨﺭﺍﺝ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻟﺠﺔ، ما يعني أنّ هناك خسائر فادحة تتكبَّدها القطاعات الحيوية في البلاد كل يوم حتى يزول هذا الفيروس.
خلاصة القول إنّه وفي ظلّ الضائقة المالية التي يتخبَّط فيها الاقتصاد الجزائري بسبب التفشِّي السريع لكورونا، وتهاوي أسعار النفط، وكذا النهب والتسيير غير الرشيد للموارد المالية خلال العقود الماضية ليس من المستبعد أبداً أن تفتح الحكومة باب التبرُّع لصندوق مواجهة كورونا أمام المواطنين.

كما ينبغي على رجال الأعمال الذين استفادوا من الامتيازات الحكومية أثناء البحبوحة المالية أن يساهموا في تخصيص مبالغ مالية معتبرة لمواجهة هذا الفيروس القاتل كما يفعل مليارديرات العالم.

المساهمون