كورونا والإعلام المصري

07 ابريل 2020
+ الخط -
كان العلامة الشيخ محمد أبو عليان المرزوقي من كبار علماء الأزهر، وكان ضليعاً في علوم الشريعة وعلوم اللسان. وذات يوم زار قريته الريفية، فتقدم لزيارته طالب من طلاب الأزهر، وأراد أن يظهر ويلمع في مجلس الشيخ وأمام رجال القرية، ليَذيعَ له حديث بالفضل والنباهة! فقال للشيخ: لقد طلبت العلم عشرين عاماً في الأزهر، وأريد أن تسألني بين أهلي، ليعرفوا من أنا؟ وكان الطالب ينتظر سؤالاً سهلاً يظهر به عند الناس.

فقال له الشيخ: ما موقع الفاء في قول العلامة ابن مالك: ونون مجموع وما به التحق.. فافتح وقل من بكسره نطق. وكيف جاز أن يعمل ما بعد الفاء في ما قبلها؟ واذكر اعتراض بدر الدين ولد الناظم على أبيه أولاً؟ ثم اذكر رد البدر الدماميني على ولد الناظم ثانياً؟ ثم اذكر محاولة العلامة الأمير التوفيق بين ابن الناظم والدماميني ثالثاً؟ واختم القول بتقرير العلامة الأنباني حول هذا الجدال رابعاً؟

انتظر الشيخ أن يجيب الطالب! ولكنه لم يفعل، وخاف أن يُحرج أمام أهل قريته، فجعل يقرأ سطوراً من ألفية ابن مالك؛ سطوراً لا صلة لها بالسؤال، فسأله الشيخ: أين الجواب؟ فارتفع صوت الطالب المتكبر بتسفيه الشيخ، وأنه يسمع منه الجواب ولا يفهم. والعجيب أن صفق الناس للطالب، وكأنهم يفهمون، وأخذوا يهتفون بأن الشيخ قد انهزم. ولم يستطع الشيخ أن يستمر مع ضجيج العامة وعلو أصواتهم وتصفيقهم، فخرج من المجلس غاضباً، وخرج وراءه الرعاع والدهماء يصفقون ويهتفون: انهزم أبو عليان. انهزم أبو عليان.

هكذا تتعامل الأنظمة السلطوية مع الأزمات والجوائح ومع العلم والعلماء؛ تعاملاً يتصف بالازدراء والسخرية والاستهزاء بالنظريات العلمية، والتخصصية، وبالعنف والاعتقال مع هؤلاء العلماء أو أهل التخصص، إذا كانوا يقفون في صف المعارضين أو المخالفين للنظام الحاكم! حتى وإن كانت تلك الأزمات وحماية المجتمع في حاجة ماسة إليهم وإلى خبرتهم وجهدهم في مواجهة أمثال تلك المشاكل والأزمات، التي تحتاج دائماً إلى تضافر جهود الجميع من مؤسسات الدولة، ومنظمات ورجالات المجتمع المدني.


وهكذا تعامل الإعلام المصري مع تفشي فيروس كورونا العالمي، الذي لم يترك بلداً إلا دخله، وهجم على أهله بغير استئذان ولا موعد، حتى وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه وباء وجائحة عالمية.

هذا الإعلام ومذيعوه وقنواته قد صم أذنيه فلم يسمع لهذا كله، وخرج يطمئن المصريين بأن مصر آمنة، وأن الله حافظها وذاكرها في كتابه الكريم. واستمر رغم التحذيرات في فتح حدوده ومطاراته وقت الأزمة لكافة السياح القادمين من جميع البلدان الموبوءة، ولم يتخذ أي إجراءات احترازية كما فعلت معظم دول العالم، رغم وفاة أول حالة إصابة تعود لسائح ألماني في مصر جراء إصابته بالفيروس.

والعجيب أن يخرج هؤلاء الإعلاميون على جميع القنوات الموجهة، يسخرون من الفيروس، ويؤكدون أنه لا يوجد في مصر المحروسة ما يسمى كورونا، ووصل الأمر بأحدهم أن يخرج على الناس وعبر الشاشة يحلف الأيمان المغلظة على جميع الكتب السماوية، حتى وصل به التأكيد لأن يحلف بطلاق زوجته بأن مصر خالية من الفيروس ولا يوجد شيء اسمه كورونا في مصر (أعتقد بأنه محتاج الآن إلى فتوى بخصوص هذا الطلاق بعد ظهور الفيروس).

وترددت هذه النغمات السوقية بين جميع الإعلاميين، وغرد إبراهيم عيسى بأن الإخوان أخطر من كورونا، وكشفت إحدى المذيعات بقوة عن نظرية شاي التموين الذي اعتاد المصريون عليه، ودوره القوي في مقاتلة الفيروس وهزيمته وانحداره إلى المعدة، على إحدى الفضائيات المصرية! وخرجت فرق المهرجات، ومطربي الشعبيات يغنون ويسخرون وينكرون وجود الفيروس، وشاهدنا بعض الفنانات الجاهزات دوماً لتمثيل مثل هذه الأدوار من أجل التقليل من خطر الفيروس، ودليلهن أن المصريين أقوياء بما يأكلون وما يمارسون من عادات لا تستطيع الفيروسات أن تنال منهم أو أن تصيبهم.

تصدر هؤلاء المشهد ليتكلموا في موضوعات علمية طبية غاية في التخصص والأهمية، وخطيرة التبعات والنتائج على الفرد والمجتمع والدول، ليس مصادفة، وخاصة مع تعمد غياب أو تغييب العلماء والأطباء المتخصصين. ويرجع عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ذلك إلى أن المستبد: "يبغض العلم ونتائجه، يبغضه أيضاً لذاته، لأن للعلم سلطاناً أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: فاز المتملقون. وهذه طبيعة كل المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكيناً خاملاً لا يرجى لخير ولا لشر".

"واليوم العالم يمر بإشكاليات وقضايا كثيرة ومعقدة ومركبة، وعالم المسلمين تحيط به الأزمات والمشكلات والفتن، التي يأخذ بعضها برقاب بعض، وبمقابل ذلك نجد العبث بالأحكام والمجازفات وسوء التقدير واحتراف الزعامات الجاهلة، التي تنصّب نفسها للحل والعقد مما يزيد الأمور تعقيداً، ويولد من الأزمات أزمات، ويتقدم الجهل، ويحاصر العلم، وتتسع دائرة الكذب والتدليس"، كما يقول الشيخ عمر عبيد حسنة.

ثم كانت النتيجة المحزنة والمؤسفة من إصابة بعض المصريين بالفيروس الذي أقسم إعلاميون بالأمس بأنه ليس موجوداً، ولن يكون له وجود في مصر، واتسع انتشاره، وظهرت بعض حالات الوفاة جراء الإصابة به، وكان منهم كبار الضباط في الجيش. وانكشف الوضع الصحي الضعيف، والإمكانيات القليلة، والتعامل غير اللائق، وأصبحت الفوضى هي شعار المرحلة باقتدار، وانحشر الناس الذين لا حول لهم ولا طول بين سندان كورونا ومطرقة العجز الصحي!