كورونا في خدمة الاستبداد! 

09 اغسطس 2020
+ الخط -

لا جديد تحت الشمس في زيمبابوي، الصحافيون لا زالوا يتعرضون للتعذيب والاعتقال، والناشطون السياسيون تُرتكب في جرائمهم انتهاكات تصل إلى الاغتصاب، وأحوال الحريات السياسية والصحافية لا زالت كما كانت في عهد الرئيس المخلوع روبرت موجابي، والذي حكم البلاد 37 عاماً ثم أطاح به انقلاب عسكري في 2017 أوصل خليفته إيمرسون ماناجاجوا إلى الحكم، وبعد ثلاثة أعوام من تعهد ماناجاجوا بإجراء إصلاحات ديمقراطية واقتصادية، اكتشف أهل زيمبابوي كذب تلك الوعود التي بشّرتهم بعالم جديد، وأدركوا أنهم لا زالوا تحت قبضة عصابة "Zanu-PF" الحزب الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عام 1980. 
في مارس/آذار الماضي أعلن ماناجاجوا حالة الطوارئ في البلاد بحجة مكافحة وباء فيروس كورونا المستجد، وطبقاً لتقرير نشرته مجلة (ذي ويك) الأمريكية واستندت فيه على العديد من شهادات المراقبين لأحوال البلاد، فقد استغل الطاغية الجديد إعلان حالة الطوارئ لممارسة المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان واعتقال الناشطين السياسيين والبطش بالصحافيين الذين كتبوا ينتقدون نهب المعونات الدولية المخصصة لمكافحة الأوبئة، وعلى رأس هؤلاء الصحفي  وصانع الأفلام الوثائقية البارز هوبويل شينونو الذي قام بتحقيق استقصائي كشف فيه عن فضيحة فساد تم فيها نهب مبلغ قدره 60 مليون دولار أميركي، ليتم اعتقاله بحجة كسر حظر التجول الذي فرضته السلطات، لينضم إلى مائة ألف معتقل تم القبض عليهم خلال الأشهر الماضية بزعم مخالفتهم للإجراءات الصحية التي جاءت خير معين على الاستبداد. 
بطش أشد وأنكى تعرضت له ثلاثة من قيادات المعارضة هن عضوة المجلس التشريعي جوانا موممبي والناشطتان سيسيليا شيمبيري ونيتساي موروفا، اللواتي تم اختطافهن على أيدي مسلحين يرتدون ملابس مدنية، أثناء اشتراكهن في مظاهرة أقيمت في شهر مايو الماضي، وتعرضن للضرب المبرح والاغتصاب ثم ألقي بهن في الشارع، وبدلاً من أن تحقق السلطات في ما تعرضن له من انتهاكات، قامت السلطات بعد أيام من ظهورهن بإلقاء القبض عليهن بتهمة الإبلاغ الكاذب عن تعرضهن للاغتصاب، وبعدها بأسابيع تعرض السياسي المعارض جاكوب نجاريهومي للاعتقال وتم اتهامه بالتحريض على العنف، بعد أن دعا إلى انطلاق مسيرات عبر البلاد في يوم 31 يوليو الماضي للاحتجاج على الفساد، وتم رفض كل طلبات إخلاء سبيله بكفالة ليتم بدء محاكمته قريباً. 

قال الكاتب الزيمبابوي جيمي مايتي إن شعب زيمبابوي لن يتمكن على ما يبدو من الإطاحة بهذا النظام العنيف الذي لا يعرف أي خطوط حمراء في سبيل تشبثه بالسلطة

 

في اليوم المحدد للمسيرات قام ماناجاجوا ورجاله بإخلاء شوارع المدن الرئيسية من المارة بدعوى مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد، في الوقت الذي كانت فيه مدن العالم الكبرى تشهد مظاهرات حاشدة ضد العنصرية، لتبدو العاصمة هراري كأنها مدينة أشباح بعد ساعات من انطلاق حملة أمنية ضارية لقمع كل من فكروا في الاشتراك في المسيرات، وتمتلئ حسابات مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات تظهر قوات الشرطة والجيش وهي تقوم بضرب وجلد العديد من المواطنين المشتبه في توجههم إلى المسيرات، وتجبرهم على النزول من وسائل المواصلات وتزج بهم في شاحنات عسكرية نحو مراكز الاحتجاز، دون أن يلقي أحد من المسئولين بالاً للاحتجاجات التي أعلنتها قوى المعارضة والصحف القليلة التي لا تخضع للنظام، والتي وصفت ما جرى بأنه انتهاك صارخ للحقوق الدستورية للمواطنين، يؤكد حرص ماناجاجوا البالغ من العمر سبعة وسبعين عاماً على استغلال أجواء الوباء لتدعيم سلطته الاستبدادية والسعي نحو تعديل الدستور لتقوية قبضته على السلطة، ليصبح حاكماً أزلياً لزيمبابوي مثل سلفه موجابي. 
على الجانب الأخر، قالت صحيفة (زيمبابوي هيرالد) الحكومية في تعليقها على الأحداث إن المتظاهرين الذين تم القبض عليهم هم ما بين مواطنين مخدوعين من جهات أجنبية قامت بتضليلهم، وعملاء يتلقون مبالغ طائلة من مانحين غربيين، وأنهم اتخذوا شعار مكافحة الفساد ذريعة لمحاولة قلب نظام الحكم، بدليل أنهم قاموا بتوسيع مطالب المظاهرات، وأطلقوا "هاشتاج" على مواقع التواصل الاجتماعي يطالب برحيل الحزب الحاكم #ZanuPFMustGO وهو ما اعتبرته صحيفة (صانداي ميل) الحكومية اشتراكاً في مؤامرة تهدف للإطاحة بنظام حكم شرعي، وهو ما لا يمكن أن تسمح به أي دولة تحترم الدستور والقانون، ولذلك كان قرار اعتقال الذين اشتركوا في تلك المظاهرات طبيعياً من وجهة نظرها، وبالأخص اعتقال جاكوب نجاريهومي، الذي قالت الصحيفة إن "علاقاته العفنة بواشنطن تزكم الأنوف"، بدليل أنه شارك في إلقاء عدة محاضرات في منظمة ممولة من الكونجرس تدعو لنشر الديمقراطية في العالم، وهي نفس المنظمة التي اتهمتها الصين بإشعال مظاهرات هونج كونج، وهو ما رأت الصحيفة أنه يتكرر في زيمبابوي المستهدفة بقوة من أعداء الوطن. 
في مقال غاضب وحزين، قال الكاتب الزيمبابوي جيمي مايتي إن شعب زيمبابوي لن يتمكن على ما يبدو من الإطاحة بهذا النظام العنيف الذي لا يعرف أي خطوط حمراء في سبيل تشبثه بالسلطة، ولذلك رأى أن الوقت مناسب لكي تقوم جنوب أفريقيا جارة زيمبابوي القوية بالتدخل لمساعدة شعب زيمبابوي على الإطاحة بالعصابة الحاكمة، خاصة أن حكم "زانو بي إف" لم يكن ممكناً أن يستمر إلا بسبب صمت القادة الأفارقة والدوليين الذين يتجاهلون جرائم النظام، والذين لم يمارسوا أي ضغوط دبلوماسية على النظام، حين رأوه يقوم بقتل المتظاهرين وقطع الإنترنت واغتصاب الناشطات السياسيات وسجن المعارضين، خاتماً مقاله الحزين بالقول: "نحن أهل زيمبابوي المعرضون للغرق نصرخ ونطلب المساعدة فهل تسمعنا حكومة جنوب أفريقيا؟"، وهو نداء لم تنشر مجلة (ذي ويك) تعليقاً رسمياً عليه من سلطات جنوب أفريقيا، لكن المؤكد أن من سيستجيب له أسرع هو سلطات زيمبابوي التي ستعتبره فعل خيانة عظمى، يستوجب البطش بصاحبه ومن يتشدد له، والمؤسف أنها لن تعدم من يعوم على عومها في ذلك، خصوصاً من هواة الاحتلال الوطني الذي تغفر شهادات ميلاد جلاديه لهم كل الجرائم، وتساعدهم على ارتكاب المزيد منها باسم الوطنية.