كورونا في المغرب .. انتصار الدولة على السلطة

كورونا في المغرب .. انتصار الدولة على السلطة

06 ابريل 2020
الصورة

مغربية في مراكش تحتمي بالكمّامة من كورونا (17/3/2020/فرانس برس)

+ الخط -
أدركت الدولة في المغرب حجم الخطر الذي يمثله فيروس كورونا، بعدما عاينت بأم عينها كيف طأطأ الوباء بسرعة رؤوس دول صناعية كبرى، وجعل أنظمتها الصحية المتطوّرة شبه عاجزة عن مواجهة زحف الفيروس الأحمر، حتى بات حالها أقرب ما يكون إلى الوضع المألوف في البلدان النامية. لذا تبنّت خطة استباقية، قوامها متوالية من القرارات والخطوات والإجراءات، الرامية إلى التخفيف من وقع هذه الجائحة وتأثيرها على مناحي الحياة في البلد. 
جاءت التدابير المتخذة تباعا، بدءا من إجلاء المواطنين المغاربة العالقين في مدينة ووهان الصينية، ثم تعليق الدراسة بالمؤسسات التعليمية، وإغلاق دور العبادة والمقاهي والمطاعم، فمنع كل الأنشطة الرياضية والثقافية والسياسية والتجمعات الكبرى، وإحداث صندوق خاص لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، وإعلان حالة الطوارئ الصحية شهرا. ما استدعى إخراج وحدات من الجيش إلى شوارع المملكة، بهدف التنزيل الأمثل لإجراءات الحماية من الوباء، فالدولة تدرك جيدا أنها لا تتوفر على المعدّات اللوجستيكية، ولا على البنية التحتية الكافية لمواجهة الوباء.
تلقّى المغاربة قاطبة هذه الإجراءات بالقبول الحسن، على الرغم مما تفرضه من مقتضيات تقيد الحقوق والحريات، فحركة التنقل اليومي باتت حكرا على أشخاصٍ محدودين، ممن تفرض طبيعة عملهم ذلك. وأضحت مغادرة المنزل لدى عموم المواطنين مقيدةً بالضرورة القصوى، شريطة الحصول على رخصةٍ، مختومةٍ من السلطة، تسمح لهم بذلك. وبات كل مخالف لهذه التعليمات مهدّدا بعقوبة سجنية، قد تصل إلى ثلاثة أشهر وغرامة مالية تقدر بحوالي 140 دولارا.
لم تحل قساوة هذه المقتضيات التي مثلت سابقةً في حياة أجيال من المغاربة دون استحسان
 وترحيب الجميع بها، والثناء على نهج الدولة الاستباقي قصد تطويق وباء كورونا، إلى درجة أن باحثين ومراقبين تحدثوا عن لحظة إجماع وطني كبرى، على غرار ما حدث، قبل 45 سنة، زمن المسيرة الخضراء مثلا. فحتى الأصوات والتيارات المحسوبة على المعارضة الراديكالية أرجأت الاختلافات السياسية، واصطفّت إلى جانب الدولة، مشيدة بكيفية تدبير الأزمة.
أثنى المغاربة على عمل رجال السلطة وباقي الأجهزة الأمنية الساهرة على تنزيل إجراءات فترة الطوارئ الصحية، متجاوزين الأخطاء وسوء الفهم الكبير بينهم وبين ممثلي وزارة الداخلية (ومنهم رجال الأمن)، خلال فترة الارتداد عن الديمقراطية التي أعقبت الربيع المغربي. لقد قدّم رجال السلطة في هذه اللحظة صورة جديدة عن السلطة، بعيدا عن الوجه التقليدي المرتبط بالعنف والقمع. ولم ينكر وزير الداخلية وجود حالات شاذّة شابها انفلات (صفع مواطن على يد رجل سلطة)، مؤكّدا على أن تلك الأخطاء كانت نتيجة الضغط والإجهاد بسبب العمل.
تحاول الحكومة بدورها، جهد الإمكان، التخفيف من تداعيات ما اتخذته من إجراءاتٍ لمواجهة هذه الحائجة، مستغلة صندوقا خاصا محدّثا لغرض تدبير مخاطر الفيروس. ولذلك أقرّت
إجراءاتٍ عديدة، تهم المقاولات ومختلف الأنشطة المتضرّرة في المجال الاقتصادي. واعتمدت، في المجال الاجتماعي، جملة من التدابير، في مقدمتها التعويض عن توقف الشغل؛ بالنسبة للأفراد الخاضعين لنظام الحماية الاجتماعية. ومنح دعم مالي مباشر، في شكل إعانات، تتراوح قيمتها ما بين 75 و180 دولارا للأسرة الواحدة.
أيا تكن النتيجة التي ستنتهي بها معركة المغرب ضد وباء كورونا، لا بد من الإشادة بيقظة الدولة المبكرة، بالمقارنة مع ما حدث في دول مجاورة (إسبانيا وإيطاليا وفرنسا). وليس من المبالغة في شيء القول إن الدولة عرفت قدر نفسها، فدقّت ناقوس الخطر مبكرا، واتخذت قرارات مصيرية واستثنائية، حولت اللحظة إلى لحظة إجماع وطني له طبيعة خاصة. لحظة لا ينبغي لها مطلقا أن تحجب عنا رؤية النصف الآخر من الكأس، فهذه الجائحة كشفت حقيقة السياسة الصحية، ببرامجها القطاعية ومخططاتها المندمجة التي تغنى بها وزراء تعاقبوا على قطاع الصحة، طوال عقدين. وفضحت الواقع المتردّي لقطاع تراه الحكومة غير منتج، ما حدا بها، على الرغم مما يشهده من مشكلات، إلى تخفيض ميزانيته في قانون المالية أخيرا، تأكيدا منها على التزام سياسة الترشيد والتقيد بقواعد الحكامة.
كان لقطاع التعليم بدوره نصيب، بعدما قرّرت الحكومة مكرهةً تطبيق نظام التعليم عن بعد، خوفا من تكرار سيناريو دولٍ تحولت فيها المدارس إلى بؤر لنشر الوباء، فظهرت الأعطاب 
بالجملة على كل الأصعدة، فلا إمكانات لوجستيكية، ولا معدّات تقنية، ولا موارد بشرية متخصصة... وما إلى ذلك من الضروريات اللازمة لإنجاح خيار الرقمنة. وافتضح واقع التعليم الرقمي الذي تروّجه الوزارة، بعد الاستعانة بقنوات الإعلام العمومي لبث الدروس للتلاميذ، فالفوارق، اجتماعيا ومجاليا، في المدرسة المغربية، لم ولن تترك أي فرصةٍ أمام نجاح هذا التوجه في المنظومة التعليمية.
منذ دشنت السلطوية مسلسل التراجع عن حصاد الربيع المغربي، توالت الأصوات المحذّرة من مغبة القنبلة الاجتماعية، فلطالما كتبت في هذا الركن من "العربي الجديد"، عن خطر الانفجار الاجتماعي في المغرب. قد يكون لدى السلطة هامش للمناورة في الحقل السياسي بأساليب عتيقة، من قبيل التقطيع الانتخابي والتوجيه الإعلامي وهندسة اللوائح الانتخابية.. من دون أن يظهر ذلك بشكل مباشر في اللعبة الديمقراطية. وقس على ذلك في المجال الاقتصادي، من خلال اللعب بالأرقام والنسب، وتقديم أنصاف الحقائق للمواطنين للإبقاء على الصورة إيجابية. على النقيض من ذلك، يُضيق الميدان الاجتماعي من هذه الفرص، فسياسة الترقيع والمسكنات سرعان ما تفقد مفعولها في هذا المجال. ولنا في حراك الريف واحتجاجات جرادة والجنوب الشرقي أمثلة على محدودية نطاق اللعب في الجبهة الاجتماعية.
سيسجل التاريخ أن المغاربة أبانوا، باستجابتهم وتفاعلهم مع التدابير الوقائية التي اتخذتها الدولة، لمواجهة هذه المرحلة عن وعي ومسؤولية كبيريْن، وكشفوا عن استعدادهم وقابليتهم للثقة في الدولة ومؤسساتها. متى جسّدت فعلا مقومات دولة المواطنة، لا مجرد نظام سلطوي. وهنا وجب التنبيه إلى أن ما صدر عن المغاربة في هذه الظروف هو تعبير عن الإيمان بالدولة، وليس السلطة.

دلالات