كورونا: دعوة لطرق فحص مختلفة في فرنسا

16 سبتمبر 2020
الصورة
بانتظار فحص "بي سي آر" في باريس (آلان جوكار/ فرانس برس)

دخل وباء كورونا في فرنسا طوراً جديداً، مع تسجيل البلاد، السبت الماضي، أكثر من 10.500 إصابة خلال 24 ساعة، في حصيلة هي الأعلى منذ بدء الإحصاءات في نهاية فبراير/ شباط الماضي

بعد انحسار استمر منذ بداية مايو/ أيار الماضي، عرف منحى الإصابة بفيروس كورونا الجديد تصاعداً تدريجياً ملحوظاً في الأيام القليلة الماضية في فرنسا بالتزامن مع بدء العام الدراسي وعودة مئات آلاف الفرنسيين إلى أعمالهم بعد انتهاء فترة العطلة الصيفية. وارتفع عدد الإصابات من نحو 4 آلاف إصابة في مطلع الأسبوع الماضي إلى أكثر من 10 آلاف و500 السبت الماضي لينخفض الأحد إلى نحو 7200 إصابة. لا يعود الارتفاع إلى زيادة أعداد الفحوص التي تجريها السلطات فحسب - تجاوزت، للمرة الأولى، عتبة مليون فحص خلال أسبوع- بل قبل كلّ شيء إلى ازدياد "نشاط الفيروس" بحسب تعبير رئيس الوزراء، جان كاستكس، الذي أكّد، في كلمة له يوم الجمعة الماضي، أنّ نسبة المصابين ارتفعت من 57 بين كلّ 100 ألف شخص الأسبوع قبل الماضي إلى 72 بين كلّ 100 ألف شخص الأسبوع الماضي. هذا "التدهور الواضح" استدعى اتخاذ حكومة كاستكس عدداً من الإجراءات الجديدة، أبرزها زيادة عدد المناطق "الحمراء" التي تشهد نشاطاً كثيفاً للفيروس، إلى 42، وهو تصنيف يتيح للمسؤولين المحليّين فيها اتخاذ تدابير أكثر صرامة، وتقليل فترة العزل من أسبوعين لتصبح أسبوعاً واحداً، بالإضافة إلى العمل على تقليل فترة الانتظار لإجراء الفحص والحصول على نتيجته.

وبات البطء الذي تتسم به عملية إجراء الفحوص المسرح الأساسي للنقاش والخلاف حول إدارة أزمة كورونا في البلاد، إذ لا يمضي يوم من دون أن يخرج فيه أطباء ومختصون بقضايا الصحة ليطالبوا الحكومة بتغيير نهجها في الكشف عن الإصابات أو بتسريعه، أو حتى بإدخال وسائل فحص جديدة يأخذ إجراؤها وقتاً أقلّ من تقنية "بي سي آر". وبسبب الضغط الكبير على المختبرات، وقلة عديد العاملين فيها مقارنةً بالطلب الذي تتلقاه، يتطلب الحصول على موعد لإجراء الفحص، لا سيما في المدن الكبرى، مدة يومين أو أكثر أحياناً، تضاف إليها مدة أربعة أيام وسطياً للحصول على نتائج الفحص، بحسب تقدير خبراء، من بينهم ويليام داب، المدير العام للصحة سابقاً. أمرٌ يرى فيه المختصون إهداراً للوقت والمجهود و"ملاحقةً بطيئة لفيروس يتقدّم بسرعة كبيرة"، بحسب تعبير البروفسور جيرار دوبوا، عضو الأكاديمية الطبية الفرنسية.
في حديث إلى "العربي الجديد" يشير البروفسور دوبوا إلى أنّ "الشخص الذي يُظهر أعراض الإصابة بفيروس كورونا يصبح ناقلاً للعدوى خلال فترة عشرة أيام، بدءاً من أربعة أيام قبل ظهور الأعراض حتى 6 أيام بعد ظهورها، ما يعني أنّنا، في منطق الفحوص البطيء حالياً، نهدر نحو 8 أيام من فترة العدوى ولا نكشف عن الإصابة إلا بعد فوات الأوان تقريباً". يعني هذا، بعبارة أخرى، أنّ عزل المصاب، الذي تفرضه الحكومة لمدة أسبوع، يصبح دون جدوى تقريباً، إذ لا يبدأ فعلياً إلا عند بدء المريض بالتماثل للشفاء، وربما بعد نقله العدوى لأشخاص آخرين. نقد بونوا وزملائه لسياسة الفحوص الرسمية لا يتوقف عند بطئها فقط، بل يشير إلى خلل آخر، يشرحه عضو أكاديمية الطب بالقول: "تستهدف سياسة الفحوص الحالية الأشخاص الذين يظهرون أعراض الإصابة بالفيروس، وأولئك الذين تواصلوا عن قرب مع أشخاص تأكدت إصابتهم. لكنّ 15 دراسة، شملت نحو 41 ألف شخص، أظهرت أنّ 53 في المائة من المصابين فعلياً بالفيروس لا يظهرون أيّ عارض، ما يعني أنّنا، بتركيزنا على حاملي الأعراض قبل غيرهم، نتجاهل أكثر من نصف ناقلي الفيروس المحتملين". ويستدرك: "نحن لا ننتقد إجراء الفحوص لمن يظهرون أعراضاً، وبالتأكيد لا ننتقد الإجراءات الوقائية، مثل الالتزام بالكمامات والإبقاء على مسافة تباعد، بل ندعم ذلك تماماً وندعو إليه. لكنّ ما نريد قوله هو أنّ هذا لا يكفي. لا بدّ من إجراء أكبر قدر ممكن من الفحوص بما يتيح الكشف عن أكبر عدد ممكن من المصابين. المعطيات تشير إلى تزامن بين عدد الفحوص وعدد الوفيات بسبب كورونا: البلدان التي لا تجري فحوصاً إلا للأشخاص الذين يظهرون أعراضاً تأتي في مقدمة البلدان على مستوى عدد الضحايا، أما تلك التي تقوم بسياسة فحص شاملة فتشهد العدد الأقل من الوفيات".

وعند سؤاله إن كانت الإمكانات متوفرة فعلاً لفحص الجميع وخلال فترة قصيرة تتيح عزل المصابين سريعاً، يذكّر بونوا باقتراحه، مع عدد من الأطباء، قبل أيام، في مقال نشروه في صحيفة "لوموند" للقيامَ بـ"فحوص جماعية" من شأنها تجاوز عقبة النقص في أعداد العاملين وأعداد الاختبارات الكيميائية للكشف عن الإصابة: "لفحص 100 شخص عبر تقنية بي سي آر، يجري حالياً استخدام 100 اختبار. ما نقترحه هو تقسيم العدد إلى خمس مجموعات، مثلاً، مؤلفة من 20 شخصاً، وخلط أجزاء من العيّنات المأخوذة من كلّ 20 شخصا في قارورة اختبار واحدة. إذا بدت نتيجة فحص المجموعة سالبة، نكون قد استخدمنا اختباراً واحداً بدلاً من عشرين. أما إذا ظهرت نتيجة الفحص موجبة في واحدة من المجموعات، فلا بدّ عندها من إعادة فحص كلّ فرد في المجموعة المعنية لتحديد الشخص أو الأشخاص المصابين. لكنّنا حينها نكون قد استخدمنا 25 اختباراً بدلاً من 100". ويضيف: "قد تعطي هذه التقنية نتائج فردية أقلّ إرضاءً ودقةً، لكنها ناجحة جماعياً، خصوصاً في الظرف الوبائي الذي نعيشه وفي ظلّ ضعف الإمكانات".