كورونا إيران... التفشّي السريع يثير القلق في البلاد والمنطقة

25 فبراير 2020
الصورة
وقاية "بدائية" في مدينة قم (الأناضول)

صحيح أنّ إيطاليا تحتلّ المركز الرابع لجهة الإصابات بفيروس كورونا الجديد، غير أنّ إيران تحلّ ثانية بعد الصين لجهة الوفيات، وسط قلق شديد نتيجة عدم اتّخاذ الإجراءات اللازمة في مثل هذه الظروف.

بعدما وصل فيروس كورونا الجديد إلى أراضيها، صارت إيران تحتلّ المركز الثاني بعد الصين لجهة عدد الوفيات على خلفيّة هذا الفيروس. وتُعَدّ اليوم "بؤرة" لكورونا في المنطقة العربية، بحسب مراقبين، لا سيّما مع إعلان دول عدّة عن إصابة مواطنيها بالفيروس بعد عودتهم من إيران، ومنها لبنان والعراق والبحرين وسلطنة عُمان. يأتي ذلك في حين كشفت البيانات الرسمية الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة الإيرانية حتى اليوم الثلاثاء، عن وفاة 15 شخصاً بالإضافة إلى 95 إصابة مؤكّدة بالفيروس من بين 916 حالة مشتبها فيها. لكنّ بيانات غير رسميّة تشير إلى أنّ الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر مما أعلنته السلطات الصحية الإيرانية، لا سيّما أنّ النائب عن مدينة قم (مركز تفشّي المرض في البلاد) أحمد أمير أبادي فراهاني صرّح أمس الإثنين بأنّ عدد الوفيات الحقيقي قد يصل إلى أربعة أضعاف العدد المعلن عنه رسمياً.

وكان فرهاني قد أفاد، على هامش جلسة للبرلمان الإيراني لمناقشة مستجدّات انتشار الفيروس الجديد في إيران، بأنّ عدد الوفيات في مدينة قم وحدها وصل إلى 50 حالة، وأنّ عشر وفيات تُضاف يومياً إلى القائمة، محمّلاً وزارة الصحة مسؤولية تدهور الأوضاع الصحية بالمدينة، ومتهماً إياها بالتستّر على ما يحصل. لكنّ الوزارة نفت من جهتها صحّة تصريحات فرهاني، وقال نائب الوزير إيرج حريرجي عقب ذلك، إنّه سوف يستقيل إذا ثبت أنّ هذا الرقم صحيح. وقد أتى هذا، في حين تُنشَر على مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات المعارضة الإيرانية، أرقام وتسجيلات فيديو وصور زادت من حالة الذعر التي يعيشها المجتمع الإيراني في هذه الأيام من جرّاء التفشّي السريع للمرض. يُذكر أنّ إصابة حريرجي بالفيروس أعلنت اليوم.

بغضّ النظر عن صحّة كلام النائب فرهاني أو ما تروّج له المعارضة الإيرانية، إذا عدنا إلى ما تنشره السلطات الإيرانية رسمياً فإنّنا نرى أنّ عدد الوفيات في إيران بالمقارنة مع عدد الإصابات المؤكدة في البلاد أكبر بكثير ممّا هي الأرقام في الدول الأخرى التي عبر الفيروس حدودها. وبينما يشير معدّل الوفيات في تلك الدول إلى أنّ النسبة لا تتجاوز اثنَين في المائة من الإصابات المؤكّدة بالمرض، فإنّ النسبة في إيران تصل إلى نحو 18 في المائة، استناداً إلى ما تقدّمه طهران من أرقام. وهذا الفارق الكبير بالإضافة إلى ارتفاع سريع في عدد الوفيات والمصابين، منذ الإعلان الرسمي عن أولى حالات الإصابة بكورونا في البلاد، قبل أقلّ من أسبوع، يوم الأربعاء 19 فبراير/ شباط الجاري، أثارا تساؤلات حول الأسباب وتفشّي المرض بهذه السرعة. في محاولة للبحث عن إجابات لهذه التساؤلات، توجّهت صحف ووسائل إعلام إيرانية مختلفة إلى مسؤولين في وزارة الصحة في خلال الأيام الأخيرة، لكنّها لم تحصل على إجابات مقنعة. صحيفة "آفتاب يزد" الإصلاحية من تلك الصحف، وقد أفادت في عددها الصادر اليوم الثلاثاء، بأنّها حاولت التواصل مع المعنيين في وزارة الصحة غير أنّها لم تتلقَّ أيّ ردّ.

هل تكفي هذه الإجراءات؟ (الأناضول)

في قراءة للوضع الراهن، احتمالات عدّة تُطرح. لعلّ الاحتمال الأوّل والأبرز هو وصول كورونا إلى إيران قبل فترة من الإعلان الرسمي عن ذلك، بالتالي تفشّى سريعاً بسبب جهل المواطنين الإيرانيين بوجوده وبالتالي عدم اتخاذهم أيّ إجراءات وقائية. والسلطات من جهتها، لم تتّخذ التدابير اللازمة حينها، من قبيل فرض حجر صحي على المصابين، في محاولة للتستّر على الموضوع. وتوجّه في هذا الإطار جهات عدّة، في مقدّمتها المعارضة الإيرانية، اتهامات إلى السلطات الإيرانية بالتستّر على وصول المرض إلى البلاد والتأخّر في الكشف عنه، لافتة إلى أنّ الإعلان عن ظهور كورونا جاء اضطراراً بعد ارتفاع حالات الإصابة وتسجيل وفيات. وتعزو هذه الجهات أسباب التستّر إلى الخشية من تأثير الإعلان عن كورونا على المشاركة الشعبية في الاحتفالات بالذكرى الواحدة والأربعين للثورة الإسلامية وكذلك بالانتخابات التشريعية التي أجريت في 21 فبراير/ شباط الجاري. يُذكر أنّه قبل أسابيع من الإعلان الرسمي، الأربعاء الماضي، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً حول وصول كورونا إلى البلاد، لكنّ السلطات الإيرانية ظلّت تنفي صحّتها وقد عدّتها "شائعات".



وفي هذا السياق، اتّهم عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية، حشمت الله فلاحت بيشه، السلطات الصحية بالتستّر، أمس الإثنين، وذلك في مقابلة مع وكالة "إيلنا" العمالية الإصلاحية، قائلاً إنّ "ثمّة انتقادات جادة حول سبب إخفاء الحقيقة"، داعياً السلطات إلى "الشفافية". لكنّ المتحدث باسم الحكومة الإيرانية ولجنة مكافحة كورونا، علي ربيعي، رفض الاتهامات في خلال مؤتمر صحافي عقده في اليوم نفسه، داعياً إلى "عدم تسييس كورونا" في البلاد. من جهته، أشار وزير الداخلية الإيراني، عبد الرضا رحماني فضلي، في مؤتمر صحافي عقده الأحد الماضي للإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية، إلى أنّ الإعلان عن ظهور كورونا في البلاد جاء قبل يومَين من إجراء الانتخابات، موضحاً أنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني كان قد أمر بـ"ضرورة الإعلان عن ذلك فور ثبوته".

أمّا الاحتمال الثاني، فهو انتقال عدوى كورونا إلى داخل إيران عبر عدد كبير من الأشخاص وبطرق مختلفة، ما أدّى إلى تفشّي الفيروس بهذه السرعة. وفي هذا الإطار، أعاد رئيس جامعة العلوم الطبية، محمد حسين البحريني، السبب إلى وجود 700 طالب صيني في الحوزة العلمية في مدينة قم، مشيراً إلى أنّهم "وراء التفشّي السريع" للمرض. وأتت تصريحات البحريني في حين كشف حريرجي، قبل أيام، أنّ الفيروس انتقل إلى مدينة قم من خلال رجل أعمال إيراني زار الصين من دولة أخرى، قائلاً إنّ هذا الشخص هو في عداد الوفيات.

قلق في طهران كما في بقيّة أنحاء البلاد (عطا كناري/ فرانس برس)

والاحتمال الثالث هو عدم جهوزية المنظومة الصحية الإيرانية وتأخّر السلطات كثيراً في اتخاذ تدابير احترازية، سواء قبل انتقال المرض إلى إيران أو بعده. وبناءً عليه، وُجّهت في خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لوزارة الصحة الإيرانية على خلفية عدم إخضاعها الرعايا الصينيين في البلاد، منهم الطلاب البالغ عددهم 700 إلى جانب عمّال في مدينة قم، إلى حجر صحي، للحؤول دون تفشّي كورونا في داخل إيران. وفي هذا الإطار، تواجه الحكومة الإيرانية انتقادات متزايدة لعدم إغلاق مدينة قم، بؤرة كورونا، منذ ظهور أولى ملامح الفيروس فيها، خصوصاً أنّ عدداً كبيراً من الشيعة في إيران ودول المنطقة يقصدونها طوال أيام السنة لزيارة مواقعها الدينية، الأمر الذي أدّى إلى انتقال العدوى منها إلى بقية المحافظات الإيرانية ودول مجاورة. يُضاف إلى ذلك تأخّر إيران كثيراً في وقف الرحلات الجوية من وإلى الصين، على الرغم من وجود قرار معلن بذلك. فالمعطيات الراهنة تفيد بأنّ شركة "ماهان" للطيران واصلت رحلاتها إلى الصين رغم القرار. وهو ما أكّده تقرير لوكالة "إرنا" الإيرانية، أمس الإثنين، أفاد بأنّ "ماهان" نظّمت تسع رحلات من الصين إلى إيران متجاهلة القرار الرسمي. ولم تكتفِ شركة "ماهان" بتنظيم هذه الرحلات إلى داخل إيران، فقد أظهرت تسجيلات فيديو بُثَّت على مواقع التواصل الاجتماعي في بداية هذا الشهر، أنّ الشركة نقلت مسافرين صينيين عالقين في مطار إسطنبول إلى الصين بعد رفض الطيران التركي ذلك. ورداً على الاتهامات الموجّهة إلى منظمة الطيران الإيراني المدني وشركة "ماهان" بنقل كورونا إلى إيران والمساهمة في تفشّيه بشكل سريع، نفت المنظمة أمس الإثنين دورها في ذلك ورأت أنّ هذه الاتهامات "غير علمية". وهنا، طالب النائب فلاحت بيشه في مقابلته مع "إيلنا" بـ"محاكمة" المتورّطين في نقل المسافرين الصينيين من دول أخرى، وفي عدم اتخاذ إجراءات تجاه الصينيين في قم، متسائلاً عن "سبب نقل الصينيين وسط تفشّي كورونا".



بعيداً عن الاحتمال الراجح بين الاحتمالات الثلاثة المذكورة لانتشار كورونا السريع في إيران، أو تضافرها كلّها، وبعيداً عن وجود أخرى غير واضحة بعد، فإنّ شبه المؤكّد الآن هو أنّ التأخر في اتخاذ التدابير الوقائية واستمرار رفض عزل مدينة قم الدينية أدّيا دوراً مهماً في تفشّي الفيروس بهذه الوتيرة.

دلالات