كورونا أميركا اللاتينية... استخفاف وفساد يزيدان الإصابات والوفيات

14 يوليو 2020
الصورة
إعادة فتح خطيرة في البرازيل (لويز ألفارينغا/ Getty)
+ الخط -

 

أميركا اللاتينية، من المكسيك شمالاً إلى الأرجنتين وتشيلي جنوباً، من أكثر مناطق العالم تأثراً بكورونا، فيما أفق السيطرة عليه غير ظاهر حالياً، خصوصاً بعد إعادة فتح القطاعات في عدد من المدن الكبرى.

بانضمام رئيسة بوليفيا المؤقتة، جانين آنييز، إلى نظيرها البرازيلي، الرئيس جايير بولسونارو، إلى قائمة المصابين بفيروس كورونا الجديد، تثبت الجائحة التي استهتر بها بولسونارو، منذ البداية، أنّها في طريقها لأن تجعل مشاكل أميركا اللاتينية، خصوصاً دولها التي تعيش فقراً وانتشاراً للفساد، أكثر صعوبة وتفاقماً.

وقبل أسبوع من إعلان جانين آنييز عن إصابتها كانت وزيرة الصحة البوليفية المؤقتة، ماريا إيدي روكا، قد أعلنت هي الأخرى عن إصابتها بالوباء. وبوليفيا، البلد اللاتيني الأفقر، لم تكفه أزماته الاقتصادية والسياسية منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتخلي رئيسه السابق إيفو موراليس عن الحكم تحت ضغط موجة احتجاجات كبرى، يعيش اليوم وضعاً صعباً مع تسجيل نحو 50 ألف إصابة ووفاة نحو 1800 مصاب، من أصل نحو 11 مليون مواطن.

ومع تزايد انتشار الوباء في قمة هرم سلطة بعض الدول، حتى بين من يسجل ضحايا منخفضة وغير مؤكدة لناحية الأرقام، مثل فنزويلا التي أعلنت أنّ عدد وفياتها لا يتجاوز 90 حالة، بالرغم من إصابة الذراع اليمنى للرئيس نيكولا مادورو، زعيم الحزب الاشتراكي الحاكم، ديوسدادو كابيلو، لا يبدو أنّ كورونا أميركا اللاتينية سيكون أقل تأثيراً من غيره.

عملياً، تعاني دول أميركا اللاتينية (وهي الدول القارية في أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، بالإضافة إلى الدول الجزرية في البحر الكاريبي) من غياب المساواة وزيادة الفقر والانقسام الطبقي، وهو ما انعكس بشكل ملحوظ في ضعف القطاعات الصحية وانتشار ما يشبه المحسوبيات في إسعاف من يُشكّ في إصابته بالفيروس. حدث ذلك في مدينة غواياكيل الساحلية الرئيسية في الإكوادور، حيث بقيت الجثث لأيام في المنازل المتواضعة، مع نوم بقية أفراد الأسر في الخارج، بالترافق مع خوف الناس من الاقتراب منها وتأخر نقلها لدفنها، إلى جانب اكتظاظ المستشفيات بالمصابين الذين افترشوا الأرض لقلة الأسرّة. وبالرغم من أنّ الوضع في بقية أنحاء المنطقة ليس بسوء حالة مدينة غواياكيل الإكوادورية قبل بضعة أشهر، فإنّ وضع المنطقة ونظامها الصحي ليس جيداً. ونقلت الصحافة اللاتينية عن مسؤول المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أميركا اللاتينية، فيلبي لوبيز كالفا، أنّ وضع كورونا في المنطقة "يسير بشكل سيئ جداً لأسباب مختلفة". ولا يخفي كالفا، بحسب ما نقلت عنه "لا ريبوبلكا" البيروفية، أنّ "الوضع السيئ جداً لدول المنطقة تفاقم بسبب عدم المساواة الكبير جداً في مجتمعاتها، إلى جانب انخفاض الثقة بالسلطات الرسمية وتضاؤل الإيمان بأنّها قادرة على فعل شيء، إلى جانب تشظي العقد الاجتماعي حتى قبل اندلاع كورونا". ويرى كالفا أنّ الصدمة التي أحدثتها كورونا في أميركا اللاتينية "يجب قراءتها كجزء من صدمة الناس من المشاكل البنيوية في مجتمعاتها".

 

 

ومنذ تفجرت الجائحة حول العالم تصرف الرئيس البرازيلي، بولسونارو، كأنّ المسألة ليست غير "قليل من الإنفلونزا". وقد حاول هذا الرئيس اليميني أن يقلد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالاستخفاف بكورونا، حتى إنّ العصابات الإجرامية، في ضواحي المدن الكبرى الأكثر فقراً أخذت دور السلطات في فرض حظر تجول على الناس خشية من انتشار الوباء، فيما كان بولسونارو يستعرض بين أنصاره، في مسيرات مختلفة، استهتاره بالوباء. واقع البرازيل اليوم يختلف، مع تصاعد منحنى الإصابات، فهي تقترب من نحو مليوني مريض بكورونا، فيما فقدت أرواح عشرات الآلاف. وأصعب الأوضاع، بحسب تقارير إعلامية في المنطقة، وتصريحات مقيمين عرب لـ"العربي الجديد"، هي في الولايات الأكثر كثافة سكانياً والأغنى، مثل ساو باولو، وريو دي جانيرو. لكنّ الوضع حرج أيضاً في الولايات الفقيرة في الأمازون وبارا. وينشط في تلك المناطق بعض الناشطين العرب، أو من أصول عربية، بعدما أغلقت جمعياتهم أبوابها، لمحاولة مساعدة أكثر الفئات احتياجاً. ويصف بعضهم في اتصالات مع "العربي الجديد" أنّ "منحى العدوى فاقمت منه تصرفات الرئيس اليميني المتطرف، الذي صبّ اهتمامه على فتح المصانع وإعادة عجلة الاقتصاد سريعاً، وراح يتلاعب بمشاعر الفقراء وهو يضع الكمامة ويجوب شوارع مدن بسيارة مكشوفة مع أنصاره". وظلّ بولسونارو يرفض الأرقام عن الإصابات، وتحدى حتى وزارة الصحة، التي طالبت الناس بوضع الكمامات في الأماكن العامة، قبل أن يصاب هو نفسه بالفيروس. ويكابر بولسونارو، حتى بعد إصابته بطريقة استعراضية، مشيراً إلى أنّ كلّ شيء على ما يرام".

ويبدو أنّ تصرفات رئيس البرازيل، الذي ألقى بمسؤولية مواجهة "الإنفلونزا الخفيفة" كما أطلق على الوباء، إلى حكام الولايات، رافضاً تنسيقاً مركزياً لمواجهة الجائحة، قد جلبت له العديد من أشكال العداء السياسي في البلاد، خصوصاً حين ترك للقطاع الخاص حق التصرف حيال قرار العزل، وبقاء العمال في بيوتهم من عدمه.

وإلى الشمال، في المكسيك، يبدو الرئيس غير اليميني، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، يتصرف كما بولسونارو، برفضه سياسة الإغلاق، بالرغم من أنّ أكثر من 230 ألفاً أصيبوا بالوباء وتفي عشرات الآلاف حتى الآن. وعلى الرغم من وصول كورونا، في ضخامة العدوى، بشكل متأخر عن القارة الأوروبية، وحصول أميركا اللاتينية على وقت كافٍ لمواجهته، تبدو الكارثة واقعة بالنسبة إلى بعض الدول. وبينما أغلقت تشيلي والأرجنتين وكولومبيا وبيرو حدودها سريعاً قبل أشهر، وطلبت من الناس البقاء في البيوت، ما أدى في البدايات إلى حصر الإصابات بأعداد أقل من تلك المنتشرة في أوروبا، فإنّ العاصمة التشيلية سانتياغو ومدن صناعية عدة لم تستطع أن تستمر بالإغلاق. وبنتيجة إعادة الفتح المتسرع، بضغط طبقة الأثرياء ورجال الأعمال، عاد منحنى الإصابات ليتفاقم في تشيلي، خصوصاً في سانتياغو التي يقول بعض العرب فيها في اتصالات مع "العربي الجديد" إنّهم ما زالوا يلتزمون بإغلاق ذاتي لأنديتهم الكبيرة، التي تنظم فعاليات يشارك فيها مئات عادة، لكنّهم يذكرون أنّ ارتفاع أعداد الإصابات بشكل كبير أطاح وزير الصحة، خايمي مانياليش. فقد اعترف هو نفسه أنّ استراتيجيته في مواجهة الجائحة تسببت بكارثة لناحية ارتفاع أعداد الإصابات إلى أكثر من 315 ألفاً مع وفاة أكثر من سبعة آلاف. 

 

 

في الجارة الشمالية لتشيلي، البيرو، لا يختلف الوضع كثيراً، فالإصابات المتزايدة، بالرغم من الإغلاقات المتواصلة منذ مارس/ آذار الماضي، والسماح لسكان إقليم العاصمة ليما بالخروج فقط لشراء الاحتياجات المنزلية الضرورية من المتاجر والصيدليات، يعيدها الخبراء إلى "عودة العمالة من الخارج وسفر سكان إقليم العاصمة إلى أقاليم أخرى في البلاد ما نقل الموجة الأولى من الوباء"، بحسب ما تذكر صحيفة "لاريبوبلكا". وتنقل الصحيفة عن البروفيسور من جامعة "كايتانو هيريديا" إدواردو غوتوزو أنّ "المنتقلين من ليما إلى قراهم، بعد قرارات الإغلاق نقلوا العدوى معهم، والبلاد لا تملك في الواقع إلّا مختبراً واحداً للفحص، فيما أجهزة التنفس الاصطناعي قليلة، مقارنة بعدد الإصابات". 

ويشكو الناس عموماً في أميركا اللاتينية من انتشار الفساد وسوء استخدام السلطة، إذ يستغل البعض أزمة بلاده لاستيراد أجهزة تنفس اصطناعي غير صالحة، كما حدث في شحنة مستوردة من العاصمة الإسبانية مدريد نحو بوليفيا التي اضطرت لاعتقال بعض المتلاعبين، وسط غضب شعبي من الفساد المستشري. وهو أمر لا يختلف عما يحدث في كولومبيا والبيرو والإكوادور والبرازيل، حيث ساهم الوباء في تخفيض ثقة الناس بنظامهم الصحي والسلطات العامة في البلاد، بشكل كبير. ونقلت الصحافة المحلية في البيرو وتشيلي عن رئيسة معهد أبحاث "لاتينو باروميترو" مارتا لاغوس قولها إنّ "المنطقة التي تعاني من فساد أساساً، ليس من الغريب عليها أن تعيش حالة استغلال لفيروس كورونا، وتلك ظاهرة ثقافية تتعلق بهذه المنطقة، حيث تنتشر الرشوة، فمن الصعب في أميركا اللاتينية كسب الرأي العام إذا اعتبرت أنّ الفساد جريمة، فالظاهرة مترسخة في المجتمعات وهي ضارة جداً بالمنطقة".

المساهمون