كورونا ألمانيا... إجراءات صارمة تحسباً للأسوأ

26 مارس 2020
الصورة
الاحتياط واجب (ديفيد غانون/ فرانس برس)
+ الخط -

مع تسارع انتشار فيروس كورونا الجديد في ألمانيا التي تُعَد من الدول الأوروبية الأكثر تضرراً من الوباء العالمي المستجد، فرضت السلطات إجراءات مشددة لا يتردد المواطنون في الالتزام بها

أتى خطاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التاريخي الأسبوع الماضي والذي عدّت فيه فيروس كورونا الجديد أكبر تحدٍّ لألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، ليرفع درجة التحذير، داعياً الألمان إلى الوقاية من الوباء العالميّ الذي ينذر بفقدان آلاف المواطنين حياتهم مع الارتفاع المستمرّ في عدد المصابين ليتخطّى 35 ألفاً، فيما سُجّل أكثر من 180 وفاة حتى كتابة هذه الأسطر. وألمانيا هي البلد الأوروبي الثالث لجهة الإصابة بالفيروس الجديد، تسبقها إسبانيا وفي المقدّمة إيطاليا.

ويسود الذعر في المجتمع الألماني كما في سواه من المجتمعات الأوروبية وغير الأوروبية، وسط تشديد من قبل الجهات المعنيّة على أهمية الالتزام بالتدابير المطلوبة للحدّ من تفشّي الفيروس. وفي هذا السياق، لفت معهد روبرت كوخ، المكلّف مراقبة فيروس كورونا في ألمانيا، إلى أنّ إهمال الإجراءات المفروضة قد يؤدّي الى تسجيل 10 ملايين حالة في أقلّ من 100 يوم، رافعاً درجة الخطر من معتدلة إلى مرتفعة. وقد وصل الأمر برئاسة هذا المعهد إلى الإعلان صراحة "نحن جميعاً في أزمة لم نكن نتخيّل حجمها"، داعية إلى أن يكون "التضامن" شعار المرحلة.



وتعكس الإجراءات الصارمة المتخذة تباعاً من قبل السلطات خطورة الوضع، ولعلّ أبرزها ما أعلنت عنه ميركل الأحد الماضي في ما يتعلّق بمنع التجمّعات في الأماكن العامة لأكثر من شخصَين ولمدّة أسبوعَين بهدفّ الحدّ من انتشار كورونا، مع إقفال المطاعم نهائياً والطلب من العائلات وقف الاختلاط. وبذلك، تكون الحكومة قد استغنت عن فكرة إعلان حظر التجوّل العام، لأنّ الأساس بحسب ما أوضح عدد من رؤساء حكومات الولايات هو عدم الاختلاط ضمن مجموعات، وليس إلزام الناس بعدم الخروج بتاتاً من منازلهم، على أن تُراقب عملية التقيّد بتنفيذ التعليمات وتُفرض الغرامات على كلّ مخالف لها.

شلل في البلاد
ومع توسّع رقعة انتشار فيروس كورونا في البلاد، فرضت الحكومة الألمانية إقفال المدارس ورياض الأطفال ومرافق الترفيه مثل دور السينما والحانات وأحواض السباحة والمسارح والأندية الرياضية والمقاهي ومتاجر الأثاث والإلكترونيات، بالإضافة إلى إلغاء الفعاليات الثقافية والتجمعات الرياضية. وقد استثنى قرار الإقفال والتعطيل محال السوبرماركت والصيدليات ومحطات الوقود والمصارف ومراكز البريد. يُذكر أنّ المؤسسات العاملة تعمد إلى حماية موظفيها من خلال تزويد نقاط الدفع بألواح زجاجية تهدف إلى حمايتهم من الفيروس الجديد، فيما تحاول البنوك تحويل أكثر الأعمال التجارية إلى الإنجاز عبر الإنترنت، على الرغم من أنّ الأمر غير ممكن لجميع العملاء ولكلّ العمليات المطلوب إنجازها.

كذلك، أغلقت الحدود البرية مع الدول الأوروبية المجاورة، من بينها فرنسا وسويسرا وبولندا وجمهورية التشيك والدنمارك، ولم يُسمح بعبور إلا الشاحنات التي تنقل السلع والمواد الأساسية إلى جانب المواطنين الألمان أو الأشخاص المقيمين الدائمين في البلاد. وفي الإطار نفسه، أوقفت الرحلات الجوية في أرجاء القارة الأوروبية، وفرضت السلطات على الواصلين أخيراً حجراً صحياً منزلياً لمدّة 14 يوماً. وفي ما يخصّ التنقّل الداخلي، فقد خفّض عدد رحلات سكك الحديد بين الولايات إلى حدّه الأدنى.



تجدر الإشارة إلى أنّ الخارجية الألمانية وضعت خطة لإعادة أكثر من 100 ألف مواطن ألماني إلى البلاد، من بينهم 35 ألفاً من مصر، مستعينة بأكثر من 30 طائرة لتنفيذ المهمة بعدما خصّصت الحكومة مبلغ 50 مليون يورو لذلك، على أن تستمرّ عمليات الإجلاء أسبوعَين.

قلق بين المواطنين
مع تفشّي فيروس كورونا الجديد بسرعة كبيرة وارتفاع أعداد المصابين في البلاد، شهدت مختلف الولايات حالة من الهلع إزاء ما سوف تكون عليه المرحلة المقبلة. وانعكس الأمر تهافتاً من قبل المواطنين على المتاجر الغذائية الكبرى لشراء ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون من مواد غذائية واستهلاكية بهدف التخزين. وتشكّلت بالتالي طوابير طويلة في بعض الولايات أمام المحلات التي راح القائمون عليها ينظّمون عملية توزيع الزبائن تفادياً للعدوى ولعدم التدافع على البضائع. كذلك حدّدوا الكميات الممكن ابتياعها من المواد الأساسية، مثل الأرزّ والمعكرونة والزيت والطحين وأدوات التنظيف والمعقّمات. يُذكر أنّ أبناء الجاليات العربية والتركية تهافتوا كذلك على شراء الحبوب والبقوليات. وإثر ذلك، أعلنت متاجر كبرى عن نقص في سلع عدّة، مشيرة إلى أنّ الأمر قد يستغرق أياماً عدّة لاستيرادها، غير أنّها طمأنت القلقين متحدثة عن أصناف بديلة.



على الرغم من ذلك، أعلنت وزيرة الزراعة الاتحادية، يوليا كلوكنر، أخيراً أنّ لا خطر على إمدادات الغذاء بالتالي لا داعي لعمليات الشراء المفرطة والتموين، مشدّدة على أنّ الشركات المصنّعة ستقوم بعمليات التسليم كالمعتاد. ودعت كلوكنر إلى تخزين ما يُستهلك عادة في الحياة اليومية فقط حتى لا تهدر الأطعمة والمواد المهمة، موضحة أنّ على المواطنين زيادة مخزونهم من المواد بحكمة حتى يتمكن الجميع من الحصول على ما يحتاج إليه. وفي هذا الإطار، لم تخفِ وزارة النقل وجود صعوبات لوجستية، غير أنّها أكدت أنّ الكميات المخزنة في المستوعبات كبيرة وبالتالي لا داعي للذعر، معلنة أنّ ثمّة خططاً بديلة في حال تفاقم الوضع.

وفي الشارع، تعمد الشرطة إلى حثّ المواطنين على إنهاء التجمّعات، مع ازدياد في شكاوى ضباط الشرطة أخيراً من إهمال لدى المواطنين في التعامل مع الوضع المستجد. وفي بعض الولايات، لجأت الشرطة إلى مكبّرات الصوت أو إلى منشورات في صناديق البريد لتنبيه المواطنين إلى عدم الخروج من منازلهم إلا في حالات الضرورة القصوى من قبيل تأمين حاجياتهم أو مراجعة طبيب أو أمر ملحّ آخر.

إعلان التعبئة
في السياق متصل، استنفرت مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية وتلك التي تُعنى بالخدمات الطبية طواقمها للمساعدة في العمل على تأمين الحماية للمواطنين. كذلك أعلن عدد كبير من المتقاعدين، من ممرضين وأطباء وأفراد من الجيش، المشاركة في تقديم الخدمات اللازمة لدعم الحكومات والسلطات المحلية بهدف تخطي المرحلة الصعبة التي تعيشها البلاد والسيطرة على الخطر.

وقد سجّل آلاف من الضباط والجنود المتقاعدين أسماءهم للمساهمة في تدابير الوقاية والخدمات الشاملة، فيما ثمّة سعي إلى رفد المؤسسات والجمعيات بمزيد من الموراد البشرية. كذلك تعمل مجموعات شبابية في عدد من الولايات على مساعدة المسنّين وذوي الاحتياجات الخاصة والأمراض المزمنة والمعوّقين. واستُحدثت مواقع إلكترونية من بينها "كورونا بورت" التي انضمّ إليها أكثر من 800 متطوع لتقديم المساعدة المجانية في التسوّق، بالإضافة إلى تطبيقات يمكن للأشخاص استخدامها في الإطار نفسه، لطلب حاجياتهم. من جهتها، تعمل شركات ناشئة على توصيل فحوصات كورونا إلى المختبرات، في حين تعمل منصات إعلامية إلكترونية على نشر معلومات حول كورونا ووسائل الوقاية الواجب اتباعها.



مواطنون كثر عملوا من جهتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي على دعوة الجميع إلى الالتزام بالحظر المفروض على مدى أسبوعين لتفادي التمديد، محذّرين من أنّ تضاعف عدد المصابين في البلاد مكلف نفسياً ومادياً وستكون تداعياته مرهقة على الأجهزة المعنية، لا سيّما الطبية والأمنية.

مستشفيات متأهبة
وفي إطار التحضير للطوارئ الطبية، يجرى العمل في برلين على إنشاء مستشفى ميداني يتّسع لنحو ألف شخص. وتشير التقديرات إلى إمكانية إنجازه في خلال ثلاثة أسابيع أو أربعة. يأتي ذلك في حين استعدّت المستشفيات في الولايات، من بينها بافاريا وبرلين وهامبورغ، لحالة تأهب استشفائية عامة، من خلال تنظيم الأسرّة وأجهزة التنفّس وإعداد كوادر التمريض وخطط العمل المطلوبة للمواجهة الصحية المقبلة. كذلك كانت استعانة بطلاب كليات الطب والممرضين والممرضات غير العاملين في المستشفيات، في إطار الجهود المبذولة لمواجهة الأسوأ.

تجدر الإشارة إلى أنّ ألمانيا تعاني أساساً من نقص في الكادر التمريضي، فالوضع تفاقم مع مغادرة أعداد كبيرة من مواطني جنوب أوروبا العاملين في هذا القطاع، عندما اتخذت الحكومة الألمانية قرارها بإغلاق الحدود. وتتزايد المطالبات اليوم بدخول ممرّضين أجانب، على أن تؤجّل إجراءات التدقيق في ملفاتهم لدى الأجهزة الرسمية إلى وقت لاحق.

والمشكلات في هذ الإطار لا تنتهي هنا، فثمّة نقص في مواد التعقيم ووسائل الوقاية، حتى إن مستشفيات عدّة اضطرت أخيراً إلى تزويد كل قسم بثلاث عبوات تعقيم فقط، فيما نفدت الأقنعة الطبية الواقية والقفازات من بعض المراكز الصحية بفعل ازدياد الطلب عليها. يُذكر أنّ مؤسسات صناعية عديدة تستخدم مثل هذه المستلزمات في عملها عادة، عمدت إلى تقديم ما تملكه منها للمراكز الطبية في بعض الولايات، في حين أنّ مسؤولين حكوميين كانوا قد أعلنوا عن توزيع 10 ملايين قناع واقٍ في خلال وقت قصير، على أن تعمل الشركات التي تنتجها بكامل طاقتها لسدّ النقص. ولا يبدو الوضع أفضل في المختبرات، فثمّة إقبال كبير على فحص كورونا، وسط حديث عن نقص في المواد الأولية المستخدمة لإنجاز التحليل. أمّا العاملون في تلك المختبرات فيعملون بدوامَين لتلبية الحاجة.



وفي إطار ما حدّدته الحكومة لمواجهة هذه الأزمة الكبرى، يُعمد إلى تأجيل العمليات الجراحية غير الطارئة والعلاجات الاختيارية، بهدف إيجاد مساحة أكبر للأشخاص المصابين بكورونا. وقد خصصت كذلك مراكز إعادة تأهيل وفنادق وقاعات مختلفة لمعالجة الحالات الأقل خطورة، علماً أنّ رابطة المستشفيات الألمانية كانت قد أعلنت عن زيادة عدد أسرّة العناية المركزة بنسبة 20 في المائة في خلال بضعة أسابيع ليصير عددها 34 ألفاً على مستوى البلاد. وقد تمّ حالياً إعداد 28 ألف سرير، من بينها 20 ألفاً مزوّدة بأجهزة تنفسّ صناعي.

المساهمون