كواليس ترتيبات الخروج الآمن لبوتفليقة وعائلته وتقصير المرحلة الانتقالية

02 ابريل 2019
الصورة
بوتفليقة بين شقيقيه السعيد وناصر (فاروق بطيش/فرانس برس)
+ الخط -
تلاشت المقاومة السياسية التي أبدتها الكتلة المقربة من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة منذ 22 فبراير/شباط الماضي، تاريخ بداية الحراك الشعبي الحاشد في الجزائر، وبدا أنّ الرئيس نفسه اختار الاستسلام للأمر الواقع، بعد إعلانه تقديم استقالته من منصبه، ليبقى التساؤل الأبرز حول صيغة الخروج الآمن لبوتفليقة والمجموعة المقربة منه.

 تؤكّد معلومات حصلت عليها "العربي الجديد" أنّ هذا الإخفاق السياسي للكتلة الرئاسية بعد كشف الجيش عن اجتماع بين الرئيس السابق ليامين زروال، والمدير السابق لجهاز الاستخبارات، الفريق محمد مدين، يوم السبت الماضي، لمناقشة مقترح رئاسي حمله السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، يتعلّق بإنشاء هيئة رئاسية انتقالية يترأسها زروال، وإعلان الجيش لموقف حاسم رافض للخطوة، والذي ترافق مع شلّ الجيش، مستفيداً من ضغط الحراك الشعبي والتظاهرات المليونية، للقاعدة المالية والمنظومة السياسية والأمنية المرتبطة بالرئاسة (فتح ملف نهب الثروات عبر اعتقال ومنع رجال أعمال بارزين من السفر للتحقيق معهم)، كل ذلك فتح الباب واسعاً أمام اتصالات لبدء الاتفاق على ترتيبات الخروج الآمن لبوتفليقة، وتنفيذ الاستحقاق الدستوري الذي تنصّ عليه المادة 102 من الدستور، وما يترتب عنها من نقل السلطة إلى رئيس مجلس الأمة لمدة 45 يوماً، يتبعها تنظيم انتخابات رئاسية في غضون 90 يوماً.

وانتهت التوافقات السياسية التي خلصت إليها الاتصالات بين الجيش والرئاسة، إلى التوجه نحو مخارج دستورية توفّر خروجاً آمناً لبوتفليقة، وتضيّق إلى أبعد الحدود الكلفة السياسية والأمنية التي سيتحملها الجيش والأجهزة الأمنية، كما تقلّص من عمر الفترة الانتقالية المتوقعة بعد استقالة الرئيس. في السياق، قالت مصادر مطلعة على تفاصيل المشاورات لـ"العربي الجديد"، إنّه "بخلاف ما يبثّ من أخبار في القنوات المحلية، فإنّ بوتفليقة وقيادة الجيش يحاولان التصرّف منذ السبت الماضي بمسؤولية عالية، الخلافات بدأت تتقلّص وهناك إدراك مشترك بوجود مخاطر يتوجّب تلاشيها، وليس في نية أي من الطرفين الدفع بالبلاد إلى حالة توتّر أو انسداد، أو وضع الجزائر في مأزق دستوري قد يثقل كاهل البلد والقوى السياسية بمرحلة انتقالية صعبة ومكلفة".

وأكدت المصادر نفسها "ترتيبات الخروج الآمن لبوتفليقة وعائلته من السلطة، بحيث لا أحد يريد أن تكون نهاية الرئيس مهينة على غرار ما حصل مع رؤساء عرب آخرين". وأوضحت أنّ "هذه الترتيبات تتّصل بضمان انتقال سلس للسلطة على أساس الاستحقاق الدستوري المتضمن في المادة 102، والتي تضمن أن يتم هذا الانتقال في ظروف أفضل، وهي ما أعلنت عنه الرئاسة الاثنين".

ومساء الاثنين، نشرت الرئاسة الجزائرية بياناً أعلنت فيه أنّ بوتفليقة الذي كان قد عيّن حكومة جديدة الأحد الماضي، "سيقدّم استقالته قبل انتهاء ولايته الرئاسية المنتظرة في 28 إبريل الحالي، وسيصدر قرارات طبقاً للأحكام الدستورية، لضمان استمرارية سير مؤسسات الدولة أثناء الفترة الانتقالية التي تبدأ اعتباراً من التاريخ الذي سيقرر فيه الاستقالة". ويبدو واضحاً من هذا البيان أنّ بوتفليقة أقرّ للمرة الأولى بهزيمته السياسية وبالطي النهائي لمجمل المقترحات التي كان قد طرحها في وقت سابق، والتي تتعلّق بعقد ندوة وفاق وطني وإنشاء هيئة انتقالية وتعديل الدستور.

وجاءت خطوة استقالة بوتفليقة بعدما كان فريق الرئاسة بصدد المناورة السياسية حتى آخر لحظة. لكنّ كشف قيادة الجيش لهذه التفاصيل، وإعلان زروال في بيان رسمي، رفضه المشاركة في مسعى كهذا، أنهى بشكل كامل كل قدرة لدى الفريق الرئاسي على المبادرة السياسية، وأغلق كل الأبواب الممكنة باتجاه فرض خيار سياسي خارج الخيار الدستوري الذي أيده الجيش الجزائري، والمتعلق بتطبيق المادة 102 من الدستور التي تقرّ بشغور منصب رئيس الجمهورية. كما لم يتردّد الجيش في التهديد بالاستناد إلى المادتين السابعة والثامنة من الدستور اللتين تعطيان حقّ الحسم الشعبي، والحصول على تفويض في اتجاه إنهاء حكم بوتفليقة وطي صفحته.

إلى ذلك، سارع زروال، الذي حكم البلاد كرئيس للدولة بين عامي 1994 و1995، ثم رئيسا منتخبا للجمهورية بين عامي 1995 حتى تسليمه السلطة لبوتفليقة في إبريل/ نيسان 1999، إلى إصدار بيان، أمس الثلاثاء، لتبرئة موقفه، بعد موجة الجدل التي أثارها كشف قيادة الجيش عن الاجتماع.


وأقرّ الرئيس الجزائري السابق، باجتماعه السبت الماضي بمدير الاستخبارات السابق، الفريق محمد مدين، في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية لمناقشة فكرة إنشاء هيئة رئاسية تدير البلاد، وعبّر عن رفضه للمقترح. وذكر زروال في بيان موجه إلى الجزائريين، أنّ مدين حدّثه عن مقترح ترؤس هيئة رئاسية مقدّم من السعيد بوتفليقة، مؤكداً أنه "بداعي الشفافية وواجب احترام الحقيقة، أودّ أن أعلن أنني استقبلت يوم 30 مارس، الفريق المتقاعد محمد مدين، الذي حمل لي اقتراحاً لرئاسة هيئة لتسيير المرحلة الانتقالية، وقد أكد لي أن الاقتراح تم بالاتفاق مع السعيد بوتفليقة، المستشار لدى الرئاسة".

وأعرب رئيس الجمهورية السابق عن رفضه للمقترح، وقال "عبرت لمحدثي عن ثقتي الكاملة في الملايين من المتظاهرين، وكذا ضرورة عدم عرقلة مسيرة الشعب الذي استعاد السيطرة على مصيره". وعبر زروال عن فخره بالمسيرات السلمية في الحراك الشعبي، وقال "ككل الجزائريين شعرت بفخر كبير عندما شاهدت ملايين الجزائريات والجزائريين يطالبون بجزائر ديمقراطية بحماسة ووعي ونظام، شرّف الأمة وأعطى عن الجزائر وشعبها صورة كريمة عن تطلعاتنا التاريخية".

ودعا الرئيس السابق الذي يحظى باحترام سياسي وشعبي لافت، أصحاب القرار إلى التعقل والرقي إلى مستوى الشعب الجزائري، قائلاً "اليوم وأمام خطورة الوضعية، يجب على أصحاب القرار التحلي بالعقل والرقي لمستوى شعبنا لتفادي أي انزلاق". كما أكّد زروال رفضه العودة إلى العمل السياسي، وقال "كما تعلمون منذ 2004 أرفض كل الدعوات السياسية، وفي كل مرة أطالب بتنظيم تداول يسمح ببزوغ أجيال جديدة لي فيها ثقة كاملة وعملت دائماً على تشجيعها"، مشيراً إلى أنه "منذ الاستقلال ونظامنا السياسي لم يعرف كيفية الاستماع للشعب والتجدد وتحديث نفسه، والارتقاء لمستوى تطلعات شعب عظيم لم يضيّع يوم 22 فيفري (فبراير/شباط) موعده مع الديمقراطية والتصالح مع تاريخه".

وبعد قرار بوتفليقة بالاستقالة، فإنّ الشقّ المتبقي الذي يدعو إلى التساؤل، هو ذاك المتعلّق بطبيعة القرارات الدستورية التي تحدّث عنها الرئيس ويعتزم إصدارها قبل تاريخ نهاية عهدته قبل تقدمه بالاستقالة، خصوصاً في ما يتعلّق بإمكانية مراجعة تعيين أعضاء الحكومة ورئيسها نور الدين بدوي، الذي يواجه رفضاً سياسياً وشعبياً كبيراً.

وكذا إمكانية طرحه لتعديل دستوري عبر غرفتي البرلمان يخصّ المادة الدستورية المتضمنة إنشاء لجنة لمراقبة الانتخابات، لتصبح هيئة دستورية عليا لتنظيم الانتخابات والإشراف الكامل عليها، وهو أبرز مطلب لقوى المعارضة السياسية والحراك الشعبي، وتعيين أعضاء هيئة تنظيم الانتخابات التي تضم في الوقت الحالي 410 أعضاء، والتي كانت تسمى لجنة مراقبة الانتخابات حتى 11 مارس الماضي، قبل أن ينهي بوتفليقة مهام أعضائها ورئيسها عبد الوهاب دربال.

لكن محللين سياسيين يحتفظون بهامش من التوجّس بشأن ما إذا كان بوتفليقة سيريح الجيش والشعب عبر سلسلة قرارات متوقعة. وفي هذا الإطار، يقول المحلل السياسي أحسن خلاص في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "هناك وعدا بالاستقالة وليس استقالة، ثمّ إنّ ما يسميه البيان قرارات هامة ليس بالضرورة أن تؤدي إلى السير العادي للمؤسسات، وإمكانية تعيين رئيس جديد لمجلس الأمة خلفاً لعبد القادر بن صالح المرفوض توليه رئاسة الدولة، وإنشاء الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات بمرسوم رئاسي، لكن بعض القرارات قد تؤدي بخلاف ذلك إلى خلق بلبلة كبيرة، كقرار تعيين الحكومة الجديدة".

ويطرح خلاص في السياق، مخاوف من أن "تشمل تلك القرارات تغييرات في هرم المؤسسة العسكرية".

وعلى الرغم من أنّ البيان الأخير للرئاسة يضع مؤشرات حلّ دستوري وانفراج للأزمة السياسية، ويطرح استجابة كلية لمطالب الحراك الشعبي عبر استقالة بوتفليقة وتوفير الترتيبات والآليات التي تضمن انتقالاً سلساً للسلطة والسير العادي لمؤسسات الدولة، فإنّ قوى المعارضة السياسية لا تبدي اطمئناناً لوعود الرئيس، وتشكّك في الأصل في إمكانية أن يكون البيان الأخير هو لبوتفليقة، وتعتبر أنه منسوب له.

المساهمون