كواليس الساعات الأخيرة قبل انقلاب حفتر

02 مايو 2020
الصورة
كبّدت قوات الوفاق مليشيات حفتر خسائر كبيرة(عمرو صلاح الدين/الأناضول)
+ الخط -
خلّف الانقلاب الجديد الذي أعلنه اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر جدالاً ورفضاً واسعين على المستوى الدولي، مع إعلانه إسقاط اتفاق الصخيرات وتنصيب نفسه حاكماً لليبيا، وسط انقسامات داخل المعسكرات الداعمة له بشأن تلك الخطوة. وهو ما أكدته مصادر مصرية لـ"العربي الجديد"، بكشفها وجود تباينات واضحة بين الجهات المعنية بالملف الليبي، مشددة في الوقت ذاته على أن الخطوة الأخيرة لحفتر كانت بتخطيط وترتيب إماراتي كامل. وأوضحت أن مصر اعترضت عليها عند طرحها في البداية قبل أن تضطر وتقبل بها، بعد تأكيدات إماراتية أنها تخدم الأهداف نفسها. وأضافت أن "الخطوة الجديدة لحفتر هدفت لتغيير قواعد أي مفاوضات مقبلة بشأن ليبيا، عقب انتهاء القوى الكبرى من أزماتها الداخلية بشأن وباء كورونا".

وأشارت المصادر إلى أن "المخاوف بشأن انهيار كل الترتيبات في حال حدوث أي أمر طارئ متعلق باختفاء حفتر من المشهد، كانت سبباً أساسياً في تلك الخطوة"، موضحة أنه "كان لا بد من ترسيخ وضع سياسي داخلي جديد تحسباً لوفاة حفتر أو عدم قدرته على ممارسة مهامه لأسباب عدة، خصوصاً أنه كان الواجهة الرئيسية في التحركات السابقة". ولفتت إلى أنه "من خلال الوضع الجديد يمكن لأي بديل لحفتر في أي لحظة التموضع على رأس المنظومة بسهولة بعد تمرير الخطوة الأخيرة". ومع تأكيدها أن "أبوظبي ترفض الاستسلام للهزائم العسكرية الأخيرة التي تعرضت لها مليشيات حفتر في ليبيا"، كشفت المصادر أن "هناك تحركات لتطوير الهجوم وبدء عملية عسكرية واسعة جديدة عقب انتهاء شهر رمضان (الأسبوع الثالث من شهر مايو/ أيار الحالي)، عبر حشد معدات عسكرية ومقاتلين إضافيين خلال تلك الفترة"، مضيفة أن "الهدنة التي أعلنتها مليشيات حفتر خلال شهر رمضان هدفها ترتيب الصفوف".

وكان المتحدث الرسمي باسم قيادة حفتر، أحمد المسماري، قد أعلن في مؤتمر صحافي، ليل الأربعاء الماضي، عن أوامر حفتر بـ"إيقاف جميع العمليات العسكرية استجابة لدعوات المجتمع الدولي والدول الشقيقة كهدنة إنسانية لشهر رمضان". لكن المسماري استدرك بالقول إن "لقوات حفتر حق الرد" على ما وصفه بالخروقات من جانب قوات الحكومة. من جهتها، أعلنت حكومة حكومة الوفاق في بيان، أول من أمس الخميس، رفضها لـ"الهدنة الإنسانية" التي أعلنها حفتر، معتبرة أن الأخير "اعتاد على الغدر والخيانة"، و"أثبت أنه ليس شريكاً للسلام"، واشترطت توفير ضمانات وآليات دولية للمضي في أي عملية وقف إطلاق نار في البلاد.

وبشأن الخلافات داخل معسكر شرق ليبيا وعدم ترحيب رئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح بخطوة حفتر الأخيرة، قالت المصادر إن هناك اتصالات إماراتية ومصرية مع صالح لطمأنته بشأن دوره ووضعه خلال الفترة المقبلة، وعدم المساس بنفوذه. وتابعت "لم يكن صالح مقصوداً بتلك الخطوة، ولكن لا بد منها في ظل عدم وجود أي دور لمجلس النواب، وكذلك وجود عدد كبير من أعضائه من مناطق الغرب الليبي الرافضين لتحركات حفتر". وأشارت المصادر إلى بدء التحضيرات من جانب أبوظبي والقاهرة لتنظيم لقاء معلن ورسمي بين حفتر وصالح بهدف توحيد الصفوف وإنهاء الخلافات بينهما، مؤكدة في الوقت نفسه أن صالح لم يكن حاضراً في الترتيبات الخاصة بإعلان حفتر تنصيب نفسه حاكماً لليبيا.
وحول التحركات والاجتماعات المعلنة من جانب صالح وقبيلته، العبيدات، المتعلقة بإعلان رفض المساس بشرعية مجلس النواب باعتباره الكيان الشرعي الوحيد، قالت المصادر "عقيلة صالح يسعى من وراء ذلك إلى التأكيد على مدى أهميته وحجم الآثار السلبية التي من الممكن أن يخلفها استبعاده من المشهد وحصر الأمر في يد حفتر". وكشفت أن صالح تحدث إلى مسؤولين رسميين مصريين بشأن مبادرته السياسية الأخيرة والتي سبقت إعلان حفتر تولي زمام الأمور في البلاد، وتلقى وعداً بدراستها والتباحث بشأنها، على أن يتم البتّ فيها عقب شهر رمضان من دون إخباره بأي تحركات متعلقة بخطوة حفتر.



وكشفت المصادر أن صالح أبلغ الجانب المصري عند عرض مبادرته عليهم، بأنها لقِيَت ترحيباً من الجزائر وتونس وإيطاليا، وهو ما يسهّل المضيّ قدماً بشأنها. واعتبرت أن الاستدراك الذي قام به المتحدث باسم مليشيات حفتر أحمد المسماري، أخيراً، بإعلانه أن خطوة إسقاط اتفاق الصخيرات ومخرجاته تستثني مجلس النواب، جاءت بتوجيه إماراتي لامتصاص حالة الغضب لدى أعضاء المجلس وعشائرهم. وأوضحت المصادر أن أبوظبي تؤدي دوراً كبيراً حالياً لحشد داعمي حفتر الدوليين للحملة العسكرية الجديدة، مؤكدة أن هناك تحركات لانتزاع ضوء أخضر أميركي جديد لها، ودعم سياسي للخطوات التالية، وذلك في وقت أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية، أول من أمس، بياناً أعلنت فيه تمسكها بالعملية السياسية للأزمة الليبية، عبر مسار برلين وتحت إشراف الأمم المتحدة، من دون الإشارة لخطوة حفتر الأخيرة. 

وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي كشف تسريب لاجتماع عقيلة صالح بمشايخ وأعيان قبيلته العبيدات، بمدينة القبة أخيراً، أن المبادرة السياسية التي أطلقها كانت بتوصية روسية. وقال صالح خلال الاجتماع إن توصية روسية وصلته بإعلان مبادرة سياسية، بهدف تشكيل مجلس رئاسي جديد، بدعوى أن المجتمع الدولي مستعد للاعتراف بقيادة جديدة بديلة عن السراج. وعزا عدم دعمه تفويض حفتر، إلى أنه في حال صدر إعلان دستوري بوضع جديد ناتج عن انقلاب عسكري فلن يعترف به المجتمع الدولي، وبالتالي لن تكون له قيمة. كما أوضح أن الجانب الروسي أبلغه بأن مجلس الأمن سيعلن خلال أسبوع حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي كياناً شرعياً، ملمحاً إلى أن مبادرته كانت خطوة لقطع الطريق على ذلك. وأضاف صالح أن الروس أبلغوه بأن الفترة المقبلة ستكون مختلفة تماماً من ناحية طبيعة المعارك العسكرية، مضيفاً أنهم أبلغوه بأن طائرات "أف 16" التركية بدأت قصف قوافل حفتر العسكرية قرب ترهونة.

يذكر أن الأطراف السياسية في ليبيا وقّعت اتفاقاً للسلام في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر/ كانون الأول 2015، برعاية الأمم المتحدة. ونصّ الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية على "أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص". وتُكلّف الحكومة بممارسة مهام السلطة التنفيذية التي تتكون من مجلس للوزراء يترأسه رئيس مجلس الوزراء، وعضوين نائبين، وعدد من الوزراء، ويكون مقرها بالعاصمة طرابلس، ومدة ولايتها عام واحد. وبموجب الاتفاق، فإن السلطة التشريعية للدولة خلال المرحلة الانتقالية التي لم تُذكر مدتها، تضمّ برلمان طبرق أيضاً. كمل نصّ الاتفاق على تأسيس مجلس أعلى للدولة ومجلس أعلى للإدارة المحلية وهيئة لإعادة الإعمار وأخرى لصياغة الدستور ومجلس الدفاع والأمن. وذكر الاتفاق أن المجلس الأعلى للدولة، وهو أعلى جهاز استشاري، يقوم بعمله باستقلالية، ويتولى إبداء الرأي الملزم بأغلبية في مشاريع القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية التي تعتزم الحكومة إحالتها إلى مجلس النواب، ويتشكل هذا المجلس من 120 عضواً.