كنيسة ودير اللطرون... بقاء رغم التهويد

22 أكتوبر 2016
الصورة
دير اللطرون (العربي الجديد)


من المرجح أن يكون اسم قرية اللطرون مستمداً من عبارة Le Toron Des Chevaliers أي "برج الفرسان" في الفرنسيّة القديمة، التي كانت تطلق على قلعة بناها الصليبيون في الموقع بين السنوات 1150-1170، ثم استولى صلاح الدين الأيوبي عليها في عام 1187.

أما في أواخر القرن التاسع عشر فكانت اللطرون قرية صغيرة مبنيّة بالطوب داخل أسوار قلعة الصليبيين. وأنشأ الرهبان اللاترابيون (Trappists) الفرنسيون ديرًا ومدرسة زراعيّة على منحدر قريب من القرية في عام 1890. وبقيت فعّالة حتى أواخر القرن العشرين.

وتشير المصادر التاريخيّة إلى أنه كان ثمة قريتان تحت اسم "اللطرون" وهي اللطرون القديمة واللطرون الجديدة. وكانت اللطرون القديمة تقع على بعد 100 متر إلى الشرق من الدير، بينما بنيت اللطرون الجديدة نحو عام 1940 على بعد 400-500 متر إلى الجنوب من الدير. وكان الرهبان اشتروا أرض اللطرون القديمة ومنازلها وبنوا لسكّانها عشرين منزلاً جديداً بدلاً منها، لكن بعيداً عن الدير بحيث يستطيع الرهبان أن ينعموا بجو هادئ يميّز هذا الدير العريق الذي يحوي حالياً 12 راهبًا من مختلف الدول في العالم.

وفي حديث مع الراهب والكاهن لويس وهبة اللبنانيّ الأصل والذي يخدم في الدير منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، قال لـ"العربي الجديد" إن هنالك تناقضاً بين تصرّف اليهود الزائرين وبين تعامل الموظفين العاملين في مؤسسات الحكم الرسميّة معنا كرهبان، إذ نجد أن الزائرين يشعرون بالأمان والسلام والهدوء التام حينما يزورون الكنيسة والموقع بشكل عام، وعلى الأغلب نجد ردود فعل إيجابيّة من قبلهم حينما يزورون الموقع، ولكن عندما نحتاجهم للمساعدة في الشؤون البيروقراطيّة نجدهم منغلقين وغير آبهين لظروف حياتنا ومتطلباتها.

وحسب ما يصف الكاهن وهبة، هنالك تجاهل لمطالب الرهبان القدامى الذين يطلبون الإقامة الثابتة في البلاد من وزارة الداخليّة الإسرائيليّة، وترفض الأخيرة هذه الطلبات بحجّة كونهم رهباناً ليسوا بحاجة لإقامة ثابتة، لذلك تستمر الوزارة في تجديد الإقامة المؤقتة كل سنة، على الرغم من دفع الرهبان مخصّصات التأمين الوطنيّ شهريًا.

كنيسة اللطرون تحتاج إلى الصيانة والترميم (العربي الجديد)



وأنهى وهبة "حتى رخصة قيادة السيارة، ترفض وزارة المواصلات الإسرائيليّة أن تمنحنا نفس حقوق السكّان المحليين الذين يجدّدون الرخصة كل عشر سنوات، وتجدّد لنا الرخصة كل ستة أشهر، هذه هي التحديّات التي نمر بها كرهبان مع المؤسّسة الإسرائيليّة التي تلمح لنا بشكل غير مباشر عن عدم رغبتها في وجودنا".

وعن أسلوب حياة الرهبان في الدير، يشرح الراهب جون ماري عودة "يومنا يبدأ بالصلاة في تمام الساعة الرابعة فجراً، ثم نبدأ بالعمل في الدير وأراضيه، كل على حد مقدرته. وتتوزع ساعات اليوم بين صلاة وعمل وثلاث استراحات للطعام وأحياناً للمطالعة في مكتبة الدير".

وأضاف عودة: "الراهب هنا يكرّس حياته للرهبنة وللعمل الروحانيّ والجسديّ، فالعمل دون صلاة يعتبر فارغا والعكس صحيح، لأن الجسد بحاجة للعمل واستغلال طاقته والروح بحاجة للصلاة التي تمنحنا الطاقة الروحانيّة وتدفعنا يومياً. ونؤدي فرض الصلاة سبع مرّات في اليوم معتمدين أكثر على ترانيم من سفر المزامير التي تشدّد على المدح والشكر لله".

الجدير بالذكر أن الراهب عودة ابن التاسعة والثلاثين هو من مواليد يافا، تخرّج من مدرسة تيراسنطا الثانويّة عام 1995 ودخل الدير قبل 13 عاماً، وارتسم راهباً رسمياً في أكتوبر/تشرين الأوّل 2009، بحضور العشرات من أبناء رعية كنيسة مار أنطون لللاتين في يافا، وهو أوّل راهب "لاترابي" من مواليد مدينة يافا.

كان سكّان اللطرون ما قبل نكبة عام 1948 في معظمهم من المسيحيين، ويزرعون الحبوب والفول. في عام 1945 خصصت 7 دونمات للحمضيّات والموز و6554 دونماً للحبوب و439 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين. وكان السكّان يستمدون مياه الشرب من بئر الحلو بواسطة الأنابيب، وذلك بمساعدة دير الرهبان اللاترابيين. 




احتلالها وتهجير سكّانها


كانت هذه القرية ميداناً لسلسة طويلة من المعارك أثناء حرب عام 1948 بين الجيش الأردنيّ والعصابات الصهيونية. وشُنّت ست هجمات إسرائيليّة منفصلة للاستيلاء على نتوء اللطرون بين أواسط مايو/أيار وأواسط يوليو/تموز 1948 بلا نجاح. واستطاعت القوّات الأردنيّة أن تصد جميع المحاولات الإسرائيليّة لاحتلال موقع اللطرون الاستراتيجيّ والواقع على طريق القدس الهام.

ويُذكر أن إسرائيل حصلت بمقتضى اتفاقيّة الهدنة مع الأردن على حق استعمال طريق القدس-اللطرون. ونتج عن ذلك أن صارت اللطرون القديمة جزءاً من الضفة الغربيّة واستخدمت معسكراً للجيش الأردني حتى عام النكسة عام 1967، في حين باتت اللطرون الجديدة جزءاً من المنطقة المجرّدة من السلاح بحسب اتفاقيّة رودوس بين أسرائيل والأردن.

وانتقل سكّان اللطرون الذين وصل عددهم عام 1945 إلى 190 نسمة، إلى قرية عمواس (القبيبة) المجاورة في الضفة الغربيّة، وظلّت منازلهم فارغة حتى عام 1967، حين احتلّ الجيش الإسرائيليّ اللطرون في حرب يونيو/حزيران المشؤومة.

وفي هذه الأيّام، يتوافد العديد من الحجّاج والسيّاح والزوّار يومياً إلى كنيسة "العذراء سيّدة الأوجاع" التابعة للرهبان اللاترابيين، الذين يقيمون الصلوات اليوميّة هناك بالإضافة إلى منح الجالية الأجنبيّة من دول الاتحاد السوفييتي سابقاً الحق بإقامة الصلاة الأسبوعيّة في أيام السبت.

كما ويتوافدون إلى متجر الدير والذي يباع فيه الأشغال اليدويّة الدينيّة، ومحاصيل أراضي الدير من زيت الزيتون والخلّ والنبيذ الأحمر والأبيض وأغراض أخرى تساعد في دعم الدير ورهبانه اقتصادياً. كما تحيي فرقة موسيقية من أصول روسيّة العروض الموسيقيّة على مدار العام في القاعة العليا المقامة فوق المتجر.