كما أصدقائي من زُهّادِ راجستان

26 فبراير 2019
الصورة
(شاطئ "بحر العرب"، قرب مدينة تريفاندروم في كيرالا الهندية)
+ الخط -

الأبجدية

(في أوغاريت، وأول أبجدية ابتكرها الإنسان)

قدّمَ حمارُ الوحش خطوطَ جلده،
والغزالُ الأرقطُ البقعَ.
أعارَ الطاووسُ صياحه،
والدب القطبيُّ القهقعةَ.
أعطى الماءُ تموّجَه،
الصوانُ، نارَه وريحَه، وانطلاقَه.
قامتِ الأبجديةُ من الأرض،
وعرْفُها يتّقِدُ في السماء،
لتبدأ رحلتها الأبدية
في الشِّعر.


■ ■ ■


الجمل

(إلى نصيرة شرما)

أنا سفينة الصحراء،
السليل الشاهق
لكثبان الرمل وعواصف الغبار،
نسغُ التمور،
البحر الشَّموسُ،
القبلة اللامتناهية
لحلم الصبّار،
نبوءة السراب
النديّة، لبُّ الجمال
الأسمر في الواحة،
طراوة الحرير،
شجرةُ الطُّيوبِ في الجنة،
ومئذنة المصلّين.

لم تزل على ظهريَ
العلامةُ التي تركها النبيُّ؛
كلُّ أولئك الذين امتطوا صهوتي
هنا: تجّار،
أباطرة، عبيد، باغون
وشعراء: آناءَ الليل ينهبون
توابيت الحجر
وقصورَ الصخر الرمليّ الأحمرِ
دفينةَ الصحراء.
تُصلصلُ سيوف ودروع؛
يزهر ضوء قمريّ
في عباب الصرخات الكثيف.

في عاصفة الرمال هذه
أتنفّس التاريخ
إذ أترقّبُ مع المنفيّين
المطر البعيد
وأرنو إلى طُرقِ
القوافل لعلّني أقعُ
على ما يحمله القرن الجديد:
في عزلة المتبتِّل
كما أصدقائي من زُهّادِ
راجستان.


■ ■ ■


من يوحنا المعمدان إلى يسوع

(لدى مشاهدة رأس يوحنا المعمدان
في الجامع الأموي، دمشق)

كم مريعٌ يا يسوعُ، أن
عمَّدتُكَ كمن غسل بهيمة
قبل القربان! تساقطت
دموعُ أمّكَ
على رأسي المكشوف
مثل الدرر. قلْ للخالق
الذي تخلّى عنك
إنك لم تعد تريد المزيدَ
من أيام الجمعات. قلْ له
إن قوس قزحه لم يغسل على
امتداد الأرض إلا الصُّلبان.

يسوعُ، يا يسوعيَ، دعني أوسِّدُ
على ذلك الجبينِ
ذي الدم المتخثِّر
زهرةَ الندامةِ تلك: الزنبقة البيضاء
التي لن تبذر ولن تُجنى.


■ ■ ■


القنيطرة

(في مدينة القنيطرة السورية التي دمرتها "إسرائيل")

كانت بلدةً صغيرةً وادعة.
جرى الأولاد في شوارعها
كما الماء. على شرفاتها
جلست نسوةٌ بخدود متوردة
ككرز إدلب،
يُنبتنَ الزهرَ على أغطية الأسرّة.
امتلأت جرارُ النبيذ بطربٍ
كموسيقى عمر سرميني.
في كل بيت كان هناك متّسع
وقلم لـ جبران خليل جبران.
طاولات طعام عامرة بالكببِ
والفتّوش الحالم بأصابع الحوريات.

وذات يوم تفجّرَ كلُّ شيء:
أَسقفُ جوامع
وكنائس بديعة التكوين،
مستشفيات باكية، بيوت
مطلية بالأخضر، قلوب، أحبة.
معدن مصهور، فسيفساء تتشظى
ودم قاتم لم يبقَ سواه
في باحاتِ الدُّورِ. لم يبقَ
إلا الخشخاش أحمر الأوراقِ يختلس النظر
من تجاويف الصخرِ
والطائر الأخضر على
شجرة الصنوبر.
لم يبق إلا ذكرى كربلاء
والنزوح من "المدينة"،
إلا الريح فوق النخلات
وتنهّد مَعاصِر النبيذ.
إلا بكاء الطفل الضائع
والأصداء المتكسِّرة لمحارقِ الموتى.
يا الغريبُ، هذا دفْق اللاجئين
الذين اغتذوا على الأسيد والزرنيخ،
ألم تُعلِّمْكَ شيئاً
غرفُ الغاز؟
يا أنت أيها الوافدُ، كيف تستطيع
أن تسلبَ وطنَ أولئك الذين للتوِّ
استهلّوا العمل في أرضهم وأحلامهم؟

إني أسمعُ الضحكَ الملطّخَ بالدم
لأنياب الدولار من وراء
قبور الأولاد في فلسطين.
ويوماً ستنهض من أساسات
البيوت المقوَّضةِ
زهرةٌ وعهدٌ وعينٌ ويد.


■ ■ ■


الـمُنتَبَذ

(إلى ياسر عرفات)

لا أبواق لديَّ ولا مزامير؛
أريد فقط أن أُطلِقَ صفرةً
عن الهضبة الأعلى
كما يفعلُ رُعاتُنا وهكذا
تعود نعجتي الشاردة.

ليس لديَّ أنهار ولا بحار؛
أريد فقط أن أحفنَ
ملءَ كفّيَ ماءً
من هذا النبع المقدّس
الذي قال له اللهُ كنْ فكان
كما يفعل فلاحونا وهكذا
يُسقى في عالمي العطاشُ.

لا قنابلَ لديَّ ولا مقاتلين؛
أريد فقط أن أغنّي
ممسكاً بأيادي أهلي
حين يضحك العدوّ،
وأرقصَ حول نفسي مثل دوّامة
كما تفعل قبائلُنا وهكذا
يفرُّ المعتدي خارجَ حدودنا
لا يلوي على شيء.


■ ■ ■


ننشد من بين الأطلال

(إلى محمود درويش)


ننشدُ من بين الأطلالِ
أنشودة الحياة؛
ننشد من قلب الصحراء
أنشودة المطر.

مددنا أيدينا من أجل الخبز؛
فأعطونا الرصاص.
مددنا أيدينا من أجل الزهور؛
فأعطونا السكاكين.
مددنا أيدينا من أجل الأرض؛
فألقوا بنا في الدم.

نسي "علي بابا" كلماته السحرية؛
وبقي الكهف مغلقاً دونَه.
لم يعد هناك من جنّيٍّ في مصباح علاء الدين.
شهرزاد تُسْلم رأسها
السماوي الذي نفدتْ منه الحكايات الآن
إلى سيف السلطان البتّار.


نزرع الأرض والسماء
بأغلال العبيد.
نحرث الحقول
بالصليب.

تقصُّ علينا أشجارُ الزيتون
حكاياتِ المعركة الدامية.
تُنبتُ حقولُ الحنطة الألغامَ.
يحدّق فينا الأرْزُ
كما لو أننا الخصوم.
ثم اعصرِ الأعنابَ،
تَجْنِ الدّمَ.

يتصعَّدُ صمتُ الأساطير
وموروث الأيام الخوالي
في رئاتنا حتى التخمة.
تحتشدُ الرمال
وأنهارُ الغرين الجافة في أوردتنا.
تطوفُ حيطانُ وباحاتُ
وطننا الـمُضيَّعِ حولنا
فتَسْكن نقيَ عظامنا.

سَلِ الأولادَ أين موطنهم.
وسيشيرون إلى السماء كأنَّ
سُكناهمُ الغيم
الذي لن ينبجسَ بالمطر،
كأنّه برقٌ، كتيمٌ،
صادره الرعد.

سألنا شجيراتِ الصبّار عن الشمس.
فاكتفتْ بالهمس: "آشور،
بابل، سومر".
سألنا سويقات الذُّرة
عن السماء؛ فاكتفتْ بالحديث
عن أغنية القبّرة دفينةِ الثلج.
تُفقِدُنا الأشجارُ صوابنا؛
نأخذ غصناً
لغرفة الجلوس، وآخر لغرفة النوم.
قد جهدنا في استقراء نبوءة الريح
على رمل الصحراء.

قلْ لنا، يا إله الشمس تمّوز،
متى سنبني معْبدَك؟
متى سيجسِّدُ أولادُنا
صورتَكَ بِطِينهم هُم،
وبمائهم هم؟

ونساؤنا اللائي
يقاسين كلَّ يومٍ مخاضَ الولادة،
أما آن أن يلدنَ
أطفالاً بلا آثار سياطٍ
وسلاسل على أجسادهم؟


* كويامبارامباث ساتشيداناندان شاعر وناقد هندي وُلد عام 1946. يُعدّ من أبرز شعراء الهند اليوم. يكتب بلغة المالايالم التي باتت تتمتّع بمكانة اللغة الكلاسيكية في بلاده منذ 2013، ويكتب النقد بالإنكليزية. كان أوّل إصداراته كتاباً نقدياً عن الشعر عام 1970، لينشر بعد ذلك بعام واحد أولى مجموعاته الشعرية "خمس شموس"، ومن مؤلّفاته الأخرى: "الأشياء في غير محلّها" و"تجربة، ذاكرة، سفر".

** ترجمة: أحمد م. أحمد

المساهمون