كل هذه الخلافات في حركة النهضة

21 يوليو 2019
الصورة
نشر بعض من قيادات حركة النهضة، التونسية ورموزها، في الأيام القليلة الماضية، بيانات انسحاب من القوائم التي ستمثل الحركة في الانتخابات النيابية المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، مبررين ذلك بغياب الديموقراطية الداخلية، واستحواذ رئيس الحركة وزعيمها التاريخي، راشد الغنوشي، على صلاحيات واسعة لم تخل، حسب اعتقادهم، من محاباة ومحسوبية، واصفين المناخ الداخلي للحركة بأنه خانقٌ وفاقدٌ نزاهةً كثيرة. تأتي هذه البيانات والتصريحات ضمن موجة متتالية من التبرّم والضيق التي بدت تظهر لدى بعض قيادات الصف الأول، وقد سبقتها بأيام قليلة استقالة القيادي، لطفي زيتون، من منصب مستشار الغنوشي للشؤون السياسية، وهو الذي صاحبه في المنفى، وظل عضده الأيمن في زمن انفضّ عديدون من حوله آنذاك.
يدافع مناصرو الغنوشي عن تعديلاتٍ أحدثها المكتب التنفيذي على القوائم، حيث تمت إعادة ترتيب الأعضاء، وتعيين بعض رؤسائها من خارج "النهضة" أصلا. ويعدون ذلك من صميم الصلاحيات التي منحها القانون الأساسي للحركة إلى المكتب التنفيذي الذي عدّل، في مؤتمر الحركة أخيرا، ويُخوّل، في حالاتٍ استثنائية، إدخال التعديلات تلك، متى رآها ضرورية. وجدت قيادات في الصف الأول نفسها نتيجة ذلك خارج الدوائر الانتخابية التي كانت تترقب أن تترشح فيها.
بعيدا عن هذه الاجتهادات القانونية ومدى رجاحتها، الأمر أعمق من ذلك، وما يجري منذ أيام قليلة ليس إلا القطرة التي أفاضت الكأس، حسب بعضهم، فالأزمة مركّبة وحادّة. ولا أحد ينفي أن حركة النهضة مرت بأزمة عميقة قبيل الثورة، خصوصا في ظل تحميل بعضهم راشد الغنوشي مسؤولية قيادة المواجهة مع نظام بن علي، وما نتج عنها من محنة قاتلة ومحرقة، التهمت آلاف الشباب، بل هناك من يذهب إلى اعتبار أن خيار المواجهة كان خطأ جسيما. برزت، قبيل الثورة، المبادرات الفردية للوساطة وتخفيف العبء، وعاد من عاد، في حين كان الشيخ الغنوشي، و"مجموعة بريطانيا" الملتفّة من حوله، رافضة أي خطوة منفردة، وتعتبرها استسلاما وبحثا عن خلاص فردي، لا يليق بتاريخ الحركة وتضحياتها. كبرت الفجوة بين المجموعتين، ووصل الأمر إلى حد البيانات والنصوص التي صدرت آنذاك، ولا تخلو من تبايناتٍ حادّة، خصوصا مع "مجموعة فرنسا".
عرفت "النهضة" خلال محنتها، وتحديدا شتات المهجر، جملة من التوترات الداخلية أدت، في النهاية، إلى انسحاب القيادي التاريخي المرحوم صالح كركر، وأسماء أخرى عديدة، حتى 
جاءت الثورة التي مثلما أنقذت تونس أنقذت "النهضة" أيضا من التشرذم والخلافات. كانت الثورة هدية للحركة، وقد تمكنت المجموعة التي رفضت خيار العودة والحل الفردي من تثبيت صحة خياراتها، وبدت مظفرة. ولاذت المجموعات التي شاكستها بالصمت، وظلت بعيدا عن المراكز القيادية العليا، ولم يتم "العفو عنها" إلا بصفة متأخرة نسبيا، وبشكل تدريجي. وكان المؤتمر العاشر في مايو/أيار 2016 فرصة للم الشمل عموما، وطي صفحة الماضي. أو هكذا تخيل الجميع، خصوصا أن الحركة استطاعت جمع شتاتها أمام تحديات خارجية، سمتها تحالف الخصوم الداخليين مع الأعداء الإقليميين لإسقاطها. وأعاد هذا المناخ صهر اللحمة الداخلية.
غير أن تجربة الحكم، بقدر ما أفادت الحركة التي أفرزت أول مرة نخبة حاكمة، تقطع مع نخب المعارضة والمنفى والتشريد والسجن، فإنها أفرزت سلوكاتٍ جديدة، لا تخلو من فردانيةٍ تعمد إلى الحساب، ورسم استراتيجية تنافسية داخل الجسم الذي لم يتعاف بعد من جروحه. بدأت الحركة تنتقي من مناضليها مسؤولين للحكم، وليس للعمل السري كما تعودت عقودا طويلة. وقد ألقى هذا الاصطفاف الجديد حول المناصب والمسؤوليات والمواقع معايير ومواصفات جديدة، لم تعد لها صلة وثيقة بالورع والتقوى والالتزام بالمعنى الذي عاشت عليه الحركة أكثر من نصف قرن. برزت معايير جديدة في الفرز، لعل أهمها الوجاهة الاجتماعية، المكانة العلمية، الإشعاع المجتمعي، وحتى الوسامة.. إلخ، وهي مقاييس للتسويق السياسي بالمعنى الحديث. لذلك ستبدو النساء غير المحجبات والجميلات عملةً نادرةً عند حركة النهضة، تباهي بهن خصومها السياسيين العلمانيين والحداثيين، وربما تعطى لهن الأولوية على "بنات الحركة المحجبات"، وذلك ما عابه مثلا عبد اللطيف المكي الذي انسحب من القوائم الانتخابية للحركة أخيرا.
أحدثت هذه المعايير اصطفافاتٍ أخرى، وترتيباتٍ غير مألوفة للمنتمين إلى "النهضة"، ووجد قادة تاريخيون عديدون، وحتى قيادات الصف الثاني ممن دفعوا سنواتٍ من أعمارهم في السجن والمنافي، أنفسهم خارج دوائر المنافسة، مبعدين و"مقصيين" خصوصا، وقد ترك الأمر للمنافسة الداخلية. لم تكن هذه الثقافة الجديدة، القائمة على أركان التسويق السياسي الحديث، كما تمت الإشارة، وإلى جرعة كبيرة من الديموقراطية الداخلية والمنافسة، لم تكن دوما لتنصف المناضلين التاريخيين، فالشرعيات تعدّدت مصادرها وتنوعت، ومن الصعب هضم هذه التغيرات السريعة داخل جسم سياسي تربّى عقودا طويلة على الانكماش والمحافظة، وعلى ترتيب أخلاقي ديني يعطي مفاضلة الورع والإلزام أولوية قصوى.
ويعود السبب الثاني لهذا الخلاف إلى مسائل إجرائية قانونية، ذات علاقة بالسلوك الديموقراطي داخل الهياكل، والتي بدت بارزة داخل المؤتمر العاشر، خصوصا وقد انحصر آنذاك بين 
مجموعتين كبيرتين، يقود الأولى الشيخ راشد الغنوشي الذي يتمسك بصلاحياتٍ واسعة، تؤهله لتعيين المكتب التنفيذي وهياكل قيادية أخرى، حتى يظل مالك المفاتيح كلها، لا يقاسمه السلطة سوى مجلس الشورى الذي لم يكن بعيدا عن تصميمه هندسته، على الرغم من آليات الانتخاب. والمجموعة الأخرى يتزعمها قادةٌ خبروا مرارة السجن، ومنهم عبد الحميد الجلاصي وعبد اللطيف المكي وغيرهما، وأصرت على مبدأ تعميم الانتخاب، بما فيها أعضاء المكتب التنفيذي، ورفضوا لاحقا الالتحاق به.
الأزمة مركّبة. ولن تؤدي الخلافات التي بدت على السطح إلى استقالات ذات شأن، فقد برهنت حركة النهضة أنها قادرة على تقزيم من يغادرها، مهما علا شأنه، وأنه خارجها لا يسوى شيئا، كما خطب الغنوشي في مناسبة ذكرى الثورة في شارع الحبيب بورقيبة سنة 2014. ويعلم الجميع أن الشيخ يتحكم في تلك الآلة الرهيبة التي لا يعرف أزرارها إلا هو.
قد يبادر مجلس الشورى للحركة إلى طرق تسوية لهذه الخلافات، إلا أنها لن تفلح في ردم الهوة التي رسمت بين الشيخ الغنوشي وخصومه. تتعاظم الخلافات، فيما تتهيأ النهضة لانتخاباتٍ مفصلية، تصل إليها الأحزاب الكبرى منهكة بالانشقاقات والخلافات والنزاعات الداخلية.. وكانت "النهضة"، إلى حد قريب، استثناءً، إلا أن البادي أن هذا المرض السياسي المستفحل قد أصابها بعدواه القاتلة. لن يكون ضعف الأحزاب الكبرى مفيدا للديموقراطية، خصوصا أن نزعات شعبوية منفلتة قد بدأت تستفيد من هذا المناخ، وتوسع من دائرة جاذبيتها.
تعليق: