كل شيء زي الفل

03 يوليو 2019
+ الخط -
يُحكى أن حكومة أحد البلدان في أحد الأزمان قامت بإنشاء عدد من الكباري الحديثة بعد أن رفعت الأسعار والضرائب والخدمات وعم الغلاء والتضخم، ففرح المواطنون بالرغم من الضيق والعُسرة، واستبشروا خيرا بفعل الحكومة الراشدة التي تتفنن في تدبير حال البلاد والعباد وتقطع من هنا لتصل من هناك، وصاروا بين داعٍ بالسداد ومهلل بالإنجاز.

ولما بلغ رئيس الحكومة وكبراءها سعادة الناس ورضاهم، أحسوا بمدى استثنائية الكباري الخرافية التي شيدوها، وأخذهم الفخر بالنجاح وبفرحة الجماهير، إلا أن بعض الأسى خامرهم على ما أنفقوا فيها من بضع مئات من الملايين العزيزة التي كان بالإمكان إنفاقها على مرسى يخوت جديد أو ناطحات سحاب معدنية مثلا، ووجدوا من بينهم من يفتي بضرورة فرض رسوم عادلة على المرور من فوق أي كوبري من كباري الحكومة حتى يعوضوا تكاليف إنشائها وصيانتها، وأن ذلك عدل لا مراء فيه.

وما أسرع الحكومة في جمع الرسوم! فقد صحا الناس على مراسيم فورية بتعريفات جديدة وعالية لمرور المشاة والمركبات وحتى الحيوانات من فوق أي كوبري.


وبالرغم من توجس الحكومة وأذرعها الأمنية من ردة فعل الناس، إلا أنهم تفاجؤوا بقبول الجمهور للأمر بلا تذمر يذكر. بل إن بعض قراء عناوين الصحف من الوطنيين والشرفاء نشروا بين العوام أن تعريفة الكوبري هذه مطبقة في كل بلاد العالم المتقدم، بل إنهم في أوروبا وأميركا يقتطعون ضريبة ثابتة لقاء مثل هذه الأشياء، وأن تعريفة المرور رحمة إذن، وهي حق الوطن على المواطن، ومن يأكلها فكأنما يأكل في بطنه نارا. فكان أن ألِف الناس الدفع عند مطلع كل كوبري وحسبوه من جملة ما يتكبدونه من مصاريف ليل نهار، وصاروا بين دافع للتعريفة فكة أو منتظر للباقي.

ولما نما لعلم الحكومة ما كان من رضا الناس وقبولهم بواقع الحال، وبالرغم من فرحها بحصيلة رسوم طلوع الكباري التي ستقدمها للإمبراطور دليلا على تفانيها في ملء خزينة الدولة، إلا أن بعض الأسى خامرها بخصوص مقدار تلك الحصيلة التي لو حولتها لدولارات بسعر تلك الأيام الخوالي  لاشترت يختا يصلح للمباهاة بين يخوت العربان شرقا وغربا! ووجدت كالعادة من أعضائها من يفتيها بضرورة فرض رسوم مماثلة على نزول الكباري أيضا، إذ من العدل أن يدفع المواطن ثمن مروره بالسلامة ووصوله لمنزَل الكوبري بلا مشاكل.

وما أسرع ما طبق رسم نزول الكوبري طبعا!

والحق أن بعض القلق وهواجس التذمر والهبّات الشعبية ربما تكون قد جالت بخاطر الحكومة ساعتها، إلا أن المواطن كالعادة لا يُخيِّب للحكومة رجاء، ولا يسقط لها حكما. فبدا الناس وهم يدفعون الرسوم عند مطلع كل كوبري، ثم يعيدون الدفع عند منزله، في غاية السلام النفسي والاستسلام لقدر الله، بل إنهم صاروا كالعادة بين مادحٍ لسلاسة مطالع الكباري أو متغنٍ بحلاوة منازلها!

والحقيقة أن مداومة توقع البلاء أصعب في معظم الأحيان من وقوعه. ولذلك تلقت الحكومة تقارير رضا الناس عن رسوم نزول الكباري هذه بالتوجس والقلق. ودارت بينها مجددا هواجس وجود تمرد ما تحت هذا السطح الهادئ. إذ كيف يتحمل الناس كل هذه الأعباء ولا يتذمرون ولا ينبسون بكلمة ضيق واحدة؟!

ولما حاول أحد أعضائها اقتراح فرض المزيد من الرسوم لاختبار طاعة الناس وخضوعهم، هب فيه الباقون قائلين إنهم ملّوا من فرض الرسوم، وإنه أصبح شخصا ماديا جدا، وإن الفلوس ليست كل شيء يا أخي!

وكان أن خرج يومها أحد نسورها المخضرمين في سوس الجماهير وترويض العوام مقترحا أن تضاف بوابة ثالثة بعد بوابة رسوم نزول الكوبري، وأن يتم عندها صرف "عدد واحد ضربة على القفا" لكل نازل من الكوبري كرسم رمزي للولاء الوطني، وأن من يرفض أو يثور يعتبر فورا خارجا عن جماعة الوطن وبذرة آبق ينبغي اجتثاثها لوأد أي تمرد محتمل.

ولما طُبق رسم الولاء الغريب ذاك بلا أي تململ أو ضيق من الجمهور، تعجب رئيس الحكومة وتشكك في التقارير التي تأتيه من مرؤوسيه، وتذكر ما كان يذاكره زماااان في الإعدادية من تنكر الخليفة العادل وسيره بين الناس في الطرق والأسواق بالسؤال حتى يقف على حقيقة حال رعيته، فما كان منه إلا أن فعل مثل فعله، وذهب من غده ليقف عند بوابة "رسم القفا" أسفل أحد أكبر الكباري ليرى بنفسه..

وعندما رأى الناس تصطف بلا أية مقاومة للحصول على القفا المفروض ثم تكمل طريقها في هدوء، استوقف أضخمهم وأكثرهم بؤسا ظاهرا، وربت على كتفه بكل لطف وتعاطف وهو يدعي أنه مواطن مطحون مثله، وسأله عن رأيه في فكرة هذه التعريفة الجديدة وفيما يراه من أمرها، فانفرجت كل أسارير الرجل بلا مواربة وكأن غيثا أتاه بعد طول ظمأ، فظن الرئيس المتنكر أنه سيفضي له بحقيقة سخط الناس وما يضمرونه، ووجده يقترب منه، ويحيط خاصرته بذراعه في حميمية لم يكن الرئيس يتوقعها، ثم يمد ذراعه الحرة الطويلة مشيرا أمامه وخلفه نحو طول الطابور ومدى ازدحامه قائلا:

"كل شيء ممتاز ورائع جدا.. لكن لله درهم لو جعلوها طابورين أو ثلاثة لتخفيف الزحام.. ويبقى كتر ألف خيرهم والله".