كلّ ذلك... والبرلمان البريطاني مشغول

18 نوفمبر 2017
+ الخط -
ازدادت توتّراً بعد أن توقّفت عنها المساعدات الحكومية، وراحت تفكّر في وسيلة تقي فيها أطفالها من الجوع والبرد القارس الذي يضرب بريطانيا في فصل الشتاء. كانت أمّاً لأربعة أطفال في أواخر الثلاثينات من العمر. لم يشفع بها مرضها أو حالة الاكتئاب التي تعاني منها. 

وكأي أم في العالم، تمحور جلّ اهتمامها حول سلامة أطفالها على حساب صحّتها. وراحت تطفئ وسائل التدفئة حين تكون وحدها في المنزل وتعيد تشغيلها لدى عودة صغارها من المدرسة. تلك كانت الوسيلة الوحيدة أمامها لتوفير بعض المال لشراء الطعام.

كانت تدور في منزلها المتجمّد من البرد، بعد أن بات أشبه بمغارة قابعة بين جبال، انخفضت فيها درجات الحرارة إلى ما دون الصفر. وكان الصقيع يمتد في جسدها النحيل وينخر عظامها يوماً بعد يوم. تألّمت من شدّة البرد، لكنّها أدركت أنّها إن سمحت لنفسها بالحصول على الدفء ستحرم أبناءها من أبسط مقوّمات الحياة. 

يبدو أنّ هذه المرأة التي تعاني من مشاكل صحيّة حادّة تركت لتواجه مصيرها من دون أي تدخّل أو دعم، ولم يكترث أحد لحالها، فالمجتمع البريطاني والعالم بأسره مشغول بمسائل التحرّش.

 ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بل هناك كثيرون أمثالها يحتضرون يومياً من شدّة البرد والجوع، مع ازدياد نظام الرعاية الاجتماعية صرامة في بريطانيا. 

ربّما يسهل تخيّل وضع امرأة في ظروفها، لو سمحنا لإنسانيتنا بالإحساس بها وخصّصنا دقائق من وقتنا للشعور بألمها، الذي لم تصلنا منه عبر وسائل الإعلام سوى أخبار خجولة.

قد لا أرى منها سوى وجهاً خيّم عليه التوتر، بعد أن غمرت قامتها بما استطاعت من ملابس ومعاطف. قد أسمح لخيالي بمراقبتها تتحرّك من دون توقّف، حيث تروح وتجيء في غرفتها، بعد أن هيمن الاكتئاب على روحها. وربّما تجلس لفترات بعد أن يصيبها الإرهاق. وها هي تعاود الكرّة بعد أن تتجمّد أطرافها، فتنهض مرتجفة متألمّة. تنظر إلى الساعة، وتترقّب مرور الدقائق بفارغ الصبر كي يعود أطفالها وتستمتع معهم ببعض الدفء.  

راحت تلفّ ذاتها بالأغطية كل يوم، وتحاول جاهدة بعث الحياة في عروقها التي تتجمّد، طوال فترة غياب أطفالها عن المنزل. بيد أنّ الصقيع الذي اجتاح البلاد لم يرحمها، وفشلت في التحايل على البرد، عن طريق التقشّف، فجاء الثمن أكثر بكثير من بضعة جنيهات. قدّمت هذه المرأة حياتها مقابلاً له. وعثر عليها في منزلها متجمّدة كلوح جليدي. وجريمتها أنّها عجزت عن دفع فواتير التدفئة.

حرقة قلب والدتها المفجوعة على رحيل ابنتها المفاجئ، دفعتها إلى كتابة رسالة مؤثّرة على فيسبوك، فانتشرت قصّتها على وسائل التواصل الاجتماعي، تساءلت فيها: "كم من الناس ينبغي أن تموت حتى تدرك هذه الحكومة أنّها تقتل الأشخاص الضعفاء؟"

استطاع الإعلام البريطاني إيصال أخبار التحرّشات الجنسية إلى العالم بأسره، لكنّه بخل في تسليط الضوء على وفاة أم شابة لأربعة أطفال، وحرمانها من أبسط حقوق الإنسان في بلد يصنّف ضمن الدول الأكثر تقدّماً في العالم. 

كل ذلك والبرلمان البريطاني مشغول بما هو أهمّ من أرواح هؤلاء الضعفاء، فقد هزّته الفضائح الجنسية، ولم يرمش له جفن لحرمان أطفال من والدتهم وهدر روح كان من الممكن إنقاذها.